التصعيد الأخير بين إسرائيل وحماس أعاد مصر إلى دائرة الضوء وعززت أهميتها في إدارة الصراع في الشرق الأوسط.
برغماتية القاهرة تهدف إلى استعادة دور مصر الإقليمي

لهذه الأسباب ابتعدت مصر عن التحالف الإماراتي- الإسرائيلي!

منذ أن اندلعت المواجهات الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تعاطي النظام المصري ببراغماتية شديدة مع الموقف واتخذ عددا من الخطوات لدعم قطاع غزة وسكانه، تبع ذلك تغير ملحوظ في الخطاب الإعلامي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية. ما هي أسباب التحول المصري بعد سنوات من "شيطنة الفلسطينيين"؟ تحليل تقادم الخطيب لموقع قنطرة.

من يلقي نظرة على السنوات الماضية ويمعن النظر في موقف نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من القضية الفلسطينية سيجد أنه موقف يقف على أرضية المشروع الإسرائيلي والأجندة الإماراتية التي تخدم هذا المشروع. بل ذهب الأمر أبعد من ذلك بعد أن أعلن النظام المصري بعد ثورة يناير أن حركة حماس هي المسئولة عن اقتحام السجون في مصر أثناء الانتفاضة الثورية في يناير 2011.

واندفع الإعلام المصري بكل ما أوتي من قوة لشيطنة القضية الفلسطينية والادعاء بأن الفلسطينيين يريدون الدخول إلى سيناء والبقاء فيها، وأن هناك مشروعا كان يقوده الإخوان المسلمين، حينما أتوا للسلطة لإعادة توطين الفلسطينيين في سيناء، تبع ذلك هجمة شرسة شنها النظام لإخلاء سيناء بحجة محاربة الإرهاب، هدف من خلالها أيضا إلى القضاء على الأنفاق الموجودة بين مصر وبين قطاع غزة والتي كانت تعتبر متنفسا مهما للقطاع المحاصر منذ 14 عاما.

لكن منذ أن اندلعت المواجهات الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تعاطي النظام المصري ببراغماتية شديدة مع الموقف، واتخذ عددا من الخطوات لدعم قطاع غزة وسكانه، تبع ذلك تغير في الخطاب الإعلامي الرسمي للدولة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، وفي ذات الوقت قامت السلطات المصرية إعادة فتح معبر رفح لتقديم المساعدات لقطاع غزة المحاصر، إلى جانب إرساله لعدد من الأطباء بالتعاون مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء لمستشفى العريش لتقديم العلاج للمصابين من قطاع غزة جراء القصف الصاروخي الذي شنه الجيش الإسرائيلي.

بلا شك هناك عدد من الدوافع التي تقف خلف تغير الموقف المصري تجاه الأحداث، ستعرضها في النقاط التالية:

أول هذه الدوافع هو التصرفات الإماراتية، التي ورطت النظام المصري في الكثير من الأزمات وجعلته يفقد مكانته وقدرته على التحرك في القضايا الإقليمية حيث أصبح الموقف المصري مرتهنا بالنظام الإماراتي، والذي اكتشف بعد ذلك أن النظام الإماراتي يهدف إلى تحجيم دور مصر بل ومحاصرتها والهيمنة علي المنطقة بالاشتراك مع إسرائيل، وإلغاء دور مصر التاريخي في كونها المتحدث الوحيد باسم العرب عن الجلوس علي دائرة المفاوضات حول القضية الفلسطينية.

يحيى السنوار رئيس حركة حماس  في قطاع غزة مع رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل.
يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة مع رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل. وقف تحجيم دور مصر الإقليمي: تحاول الديبلوماسية المصرية استعادة دور القاهرة المحوري فيما يتعلق بإدارة الملف الفلسطيني وهو ما برز بعد بدأ المواجهات العسكرية بين بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ثانيا: الموقف المصري كان ردا علي الموقف الإسرائيلي والإماراتي من سد النهضة، فتمويل الإمارات العربية المتحدة لسد النهضة والتحالف مع الأثيوبيين من أجل محاصرة مصر وإخضاعها للقرار السياسي الأثيوبي من أجل محاصرة مصر وإغراقها في أزمة وجودية قد تودي بها نهائيا والقضاء علي دورها في المنطقة، جعل النظام المصري يدرك خطورة ذلك علي الأمن القومي المصري.

لذلك لم يكن لدي مصر حينما اندلعت المواجهات الأخيرة أي أوراق ضغط تستخدمها في مفاوضات سد النهضة، فوجدت مصر في الحرب الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فرصة مناسبة لها لتقوم بإعادة تموضعها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والقاهرة تهدف في ذلك إلى إرسال عدة رسائل للإسرائيليين أن محاصرة مصر في الحبشة قد يؤدي إلى ذهاب مصر لتقديم الدعم الكامل للفصائل الفلسطينية ورفع قدرتها وكفاءتها القتالية في مواجهة إسرائيل، بمعني آخر الإسراع بمحاصرة مصر للإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أن تقوم إسرائيل بمحاصرتها في منابع النيل.

"وجود علاقات قوية للمصريين في قطاع غزة شيء مفهوم كونه امتداداً للأمن القومي المصري"

ثالثا: بتقديم الدعم للفلسطينيين هدف النظام المصري إلي عملية تنفيس للغضب المتراكم في الداخل نتيجة لتدهور الأحوال الاقتصادية والقمع السياسي وانسداد الأفق في وجود حل قريب للأزمة الطاحنة التي تمر بها البلاد، إلى جانب الأزمة الكبرى التي تواجه الدولة والنظام معا وهي أزمة نهر النيل والتي بدا واضحا أن النظام يقف عاجزا حيال التصرف معها.

رابعا: هذا الدعم المصري والاستجابة بهذه السرعة هو محاولة لقطع الطريق على قوي إقليمية أخري مثل إيران، والتي قامت بإمداد الفصائل الفلسطينية بالأسلحة المختلفة، وهي تسعي في ذلك أن تجعل الفصائل الفلسطينية ذراعا لها على طريقة حزب الله في لبنان، وهو أمر مزعج للأمريكان والإسرائيليين على حد سواء، وفي ذات الوقت أمر مهدد للأمن القومي المصري، فوجود علاقات قوية للمصريين بقطاع غزة شيء مفهوم في إطار أنه امتداد للأمن القومي المصري، كما أن مصر في ذات الوقت لديها التزاماتها الأخرى تجاه إسرائيل طبقا لاتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين الطرفين.

وعلاوة على ذلك فإن التفاهم مع المصريين أيسر كثيرا من التفاهم مع الإيرانيين، الذين لا تربطهم أي اتفاقات مع الإسرائيليين، بل عداء واضح وصريح ومواجهات عديدة في أماكن كثيرة، خاصة على الجبهة اللبنانية ثم السورية بعد الحرب الأهلية، ولو اكتمل الأمر مع قطاع غزة فمعناه إحكام الطوق الإيراني حول إسرائيل.

ولعل هذا ما يفسر سرعة اتصال الجانب الأمريكي بالجانب المصري طلبا للوساطة والتحدث مع قيادات الفصائل للوصول لتفاهمات ولإنهاء الأزمة الحالية ووقف لإطلاق النار، ووضع حد لتدهور صورة الجيش الإسرائيلي في عدم قدرته على حسم المعركة، على الرغم من فارق القوة الكبير بين الطرفين.

وصول معدات وطواقم فنية مصرية إلى غزة لبدء إعادة الإعمار.
أرسلت مصر قافلة تضم أطقما فنية ومعدات هندسية لرفع الأنقاض التي خلفها القصف الإسرائيلي لغزة خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس والتحضير لعمليات إعادة الإعمار. حماس عبرت عن تقديرها لجهود مصر في هذا المضمار.

خامسا: في نفس الوقت سعي كل من النظامين المصري والأمريكي إلي سرعة إنهاء الأحداث، فاستمرار الوضع بالصورة التي ظهر عليها والذي كان مفاجئا للجميع، صعب من مهمة الجيش الإسرائيلي في مواجهة الأحداث وكشف عدم قدرته علي الحسم للمعركة بصورة سريعة وتحقيق الأهداف التي كان يسعي إليها، وبالتالي لابد من عملية إنقاذ سريعة لها، من خلال الوصول إلى تهدئة سريعة، خاصة وان الجانب المصري يمتلك الكثير من الأدوات وقنوات الاتصال مع الفصائل الفلسطينية، ولديه القدرة في التأثير عليها.

سادسا: استمرار المشهد بالصورة التي كان عليها وصمود الفصائل الفلسطينية واستمرارها في إطلاق الصواريخ ساهم في تكبيد إسرائيل خسائر اقتصادية وسياسية كبيرة، كما أنه ساهم في رفع أسهم هذه الفصائل وقبولها في الشارع العربي وعلي رأسه الشارع المصري، وهو ما يشكل ضغطا علي نظام السيسي، الذي يري في تلك الفصائل ذات التوجه الإسلامي خطرا علي مشروعه السياسي ومشروعيته التي تأسست في جزء منها علي مواجهة الإسلاميين في مصر وخارجها.

كما أن نجاح هذه الفصائل قد يؤدي إلي تحرك شعوب أخري للانتفاض ضد حكامها، وهو ما يمثل الخطر الأكبر بالنسبة للنظام المصري، لهذا نفهم لماذا لم تقم أي مظاهرات في مصر لدعم الفلسطينيين، لأن النظام ببساطة لم يسمح بذلك، فالشارع بالنسبة إليه خط أحمر.

سابعا: كان الهدف من الوصول لإيقاف سريع لوقف إطلاق النار فيه إنقاذ للرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس، والذي بات في موقف ضعيف وباهت، وغير قادر علي التقدم بالقضية للأمام، وضعفه الذي بدا واضحا في تأجيله للعملية الانتخابية، إلى جانب فرض هيمنته على الضفة الغربية وقمع أي حراك ضد الممارسات الإسرائيلية اليومية، مما حدي بالكثيرين بوصفه بأنه شرطي الاحتلال في الضفة الغربية.

وبالطبع إنقاذ محمود عباس هو أيضا إنقاذ لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تعتبرها الأنظمة العربية والغربية على حد سواء الممثل الوحيد والشرعي عن الفلسطينيين، وهو في ذات الوقت محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الفصائل الفلسطينية.

لا غرو أن الحرب الأخيرة فرضت واقعا جديدا ورسمت مسارا آخر للصراع العربي الإسرائيلي. لقد أفشلت الفصائل الفلسطينية صفقة القرن في المنطقة، إلى جانب إفشال المخطط لنقل القضية الفلسطينية من قضية تحرير أرض إلى مجرد صراع إقليمي مع إيران، كما أنها أفشلت معظم خيارات ما يسمى محور الاعتدال العربي، وأنهت كذلك النقاش العدمي لجدلية التضارب بين خيار "المقاومة" وخيار التسوية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيتبنى النظام المصري من الفلسطينيين ومن القضية الفلسطينية موقفا ثابتا، أم أنه سيتغير بتغير المعطيات السياسية والإقليمية؟

 

تقادم الخطيب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

تقادم الخطيب، باحث مصري حصل على الدكتوراة من جامعتي برينستون وبرلين، ومسؤول الاتصال السياسي سابقا بالجمعية الوطنية للتغيير في مصر وهو محلل سياسي وكاتب بعدد من الصحف العربية والاجنبية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة