طلبة مغاربة من أوكرانيا في طريقهم للعودة إلى بلدهم.

بسبب "أمان" بلدانهم الأصلية
ألمانيا "تقسو" على عرب لاجئين من أوكرانيا

مغاربة وصلوا ألمانيا من أوكرانيا فوجدوا أنفسهم بين نارين: نار ألمانيا التي تراهم لاجئين "غير شرعيين" ونار مستقبلهم غير الآمن ببلدانهم "الآمنة". تقرير إيمان ملوك.

قضى قرابة عشرين عاماً من عمره برفقة زوجته الأوكرانية، لكن الحرب الدائرة في بلدها فرقتهما. وبينما تمكنت الزوجة من الالتحاق بأقارب لها في بولندا، لم يحصل الزوج على تصريح إقامة هناك أو حتى في ألمانيا، التي كان يأمل الاستقرار بها. والسبب ضياع جميع وثائقه الشخصية خلال الحرب، ومنها وثيقة الإقامة الدائمة في أوكرانيا.

قضية هذا اللاجئ التونسي وقضايا أخرى عديدة مماثلة لها، تطوع المحامي التونسي الألماني، من مدينة كولونيا، مهدي العبيدي، للدفاع عنها.

من بين اللاجئين الفارين من حرب أوكرانيا، الذين يطرح تواجدهم في ألمانيا حاليا إشكالية كبرى، يذكر المحامي المختص والباحث في قانون الأجانب والقانون الدولي، الأشخاص المنحدرين من بلدان شمال أفريقيا. ويوضح في حواره مع دي دبليو عربية: "المشكلة هي أن العمال والطلبة من بلدان شمال أفريقيا لا يتم تصنيفهم ضمن اللاجئين الفارين من الحرب، وإنما ضمن الأشخاص المتواجدين بشكل غير قانوني في ألمانيا". وتابع العبيدي: "لديّ حالتان من هؤلاء الطلبة الذين تم تخييرهم بين تقديم اللجوء أو مغادرة التراب الألماني. هما يرفضان تقديم اللجوء لأن ذلك قد يعرضهما للترحيل إلى بلدانهم الأصلية فيما بعد".

لاجئون "غير شرعيين" في نظر القانون

فكرة العودة إلى تونس، يستبعدها الطالب التونسي قيس لعريضي في الوقت الحالي. قيس يدرس في أوكرانيا منذ ثمانية أشهر. الطالب الذي اختار دراسة تخصص هندسة مكانيكا السيارات، حصل على إقامة مدتها خمس سنوات في أوكرانيا، لكن دائرة الهجرة وشؤون الأجانب في مدينة شفيرين الألمانية، رفضت منحه، إقامة الحماية المؤقتة، على حد قوله. كما يوضح الطالب في حواره مع دويتشه فيله عربية: "رفضوا منحنا إقامة الحماية المؤقتة بداعي أننا لا نحمل إقامة دائمة أو جواز سفر أوكرانياً، وطلبوا منا مغادرة التراب الألماني لأننا من تونس. كما تم حجز جوازات سفرنا ووثائق الإقامة في أوكرانيا". وبدلا من الحماية المؤقتة، حصل قيس على ما يُعرف بـ "شهادة عبور الحدود"، تلزمه بمغادرة التراب الألماني والاتحاد الأوروبي خلال شهر.

 

مسكن إبراهيم في مدينة خاركيف الأوكرانية بعد تعرضه للقصف الروسي. Ukraine Beschädigte Wohnung Foto Privat
مسكن إبراهيم في مدينة خاركيف الأوكرانية بعد تعرضه للقصف الروسي: عدد من اللاجئين الفارين من أوكرانيا الذي اصطدموا بالقوانين الألمانية، توجهوا إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي. وهذا ما فكر في القيام به الطالب التونسي إبراهيم، الذي تعرض مسكنه والجامعة التي كان يدرس بها للقصف، وترك كل شيء خلفه، آملاً في أن يجد الحماية في ألمانيا. لكن بعد المعاملة "السيئة" التي تعرض لها هو ولاجئون آخرون، فروا معه، من قبل المشرفين على أحد مراكز إيواء اللاجئين في ألمانيا، بات مقيماً بطريقة غير شرعية في ألمانيا، ومهددا بالترحيل إلى بلده الأصلي في أية لحظة، كما روى في حديثه لدي دبليو عربية.

 

"شهادة عبور الحدود" هي وثيقة يتم إصدارها من قبل الإدارات الألمانية المختصة بالهجرة وشؤون الأجانب، في حالة طُلب من الشخص مغادرة التراب الألماني في غضون فترة زمنية معينة. كما تستخدم هذه الوثيقة لإثبات مغادرة البلاد.

في رد منها على استفسار من دويتشه فيله عربية حول حالات بعض اللاجئين من بلدان شمال أفريقيا ومن بينهم، الطالب التونسي قيس لعريضي، الذين حصلوا على وثيقة تلزمهم بمغادرة التراب الألماني بعد وقت معين، بدل إقامة الحماية المؤقتة كغيرهم من اللاجئين، نفت متحدثة باسم إدارة الهجرة وشؤون الأجانب في مدينة شفيرين، توافد مثل الحالات المذكورة عليهم وقالت: "لم تصادفنا في ولاية ميكلينبورغ-فوربومرن مثل هذه الحالات. ربما قد تندرج ضمن الحالات الوافدة على مستوى الجمهورية الاتحادية".

عدد من اللاجئين الفارين من أوكرانيا الذي اصطدموا بالقوانين الألمانية، توجهوا إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي. وهذا ما فكر في القيام به الطالب التونسي إبراهيم، الذي تعرض مسكنه والجامعة التي كان يدرس بها للقصف، وترك كل شيء خلفه، آملاً في أن يجد الحماية في ألمانيا. لكن بعد المعاملة "السيئة" التي تعرض لها هو ولاجئون آخرون، فروا معه، من قبل المشرفين على أحد مراكز إيواء اللاجئين في ألمانيا، بات مقيماً بطريقة غير شرعية في ألمانيا، ومهددا بالترحيل إلى بلده الأصلي في أية لحظة، كما روى في حديثه لدي دبليو عربية.

" تم طردنا من مركز إيواء اللاجئين بدعوى أننا لا نملك الحق في تقديم طلب اللجوء أو الحماية لأن بلدنا آمن. وجدنا أنفسنا في الشارع. عدنا في الليل إلى نفس المكان، لكن تم حجز جوازات سفرنا وبقية وثائقنا الشخصية. ورغم مطالبتنا لهم مراراً وتكراراً بإعادتها إلينا للتوجه إلى بلد آخر؛ رفضوا وقالوا إننا متواجدون في ألمانيا بطريقة غير شرعية".

تأثير اليمين الشعبوي؟

معاناة اللاجئين المنحدرين من بلدان شمال أفريقيا في ألمانيا، دفعت البعض منهم إلى حد التفكير في العودة إلى أوكرانيا رغم استمرار الحرب هناك، كما روى إبراهيم عن معاناة اثنين من اللاجئين الذين فروا برفقته، أحدهما كان يعمل طبيباً في أوكرانيا. أما الآخر فسائق سيارة أجرة، حصل على ما يعرف بـ "شهادة عبور الحدود" منذ اليوم الأول له في ألمانيا ويفكر الآن في مغادرة ألمانيا، بعد قرابة شهر قضاها في هذا البلد من دون أن يحصل على "الحماية" التي كان يتطلع لها.

على خلاف قيس وإبراهيم، حصل الطالب المغربي عبد الغني على إقامة الحماية المؤقتة مدتها ستة أشهر، لكن مع التنبيه على أن هذه الإقامة غير قابلة للتمديد، كما أكد ذلك في حديثه لـ دويتشه فيله عربية: "تم تنبيهنا إلى أننا لا نملك إقامة دائمة في أوكرانيا أو جواز سفر أوكراني وبالتالي لا يمكن للسطات تمديد إقامة الحماية المؤقتة لنا". بعد أربع سنوات قضاها في دراسة طب الأسنان بأوكرانيا، يحاول عبد الغني إنقاذ مستقبله الدراسي والبحث عن فرصة للاتحاق بإحدى مدارس تعليم اللغة الألمانية.

هذه الفرصة أيضا قد لا يجد لها البعض سبيلاً، كما روت الطالبة المغربية، حفصة لـِ دويتشه فيله عربية. فبعد نقلهم من مركز لإيواء اللاجئين إلى آخر، استقر بها الحال لدى عائلة ألمانية تطوعت لاستقبالها في بيتها المتواجد بإحدى القرى شبه النائية الواقعة في ولاية ساكسونيا السفلى، على حد قولها. "لا معالم للحياة هنا. المواصلات شبه مقطوعة. وحتى إن أردتُ البحث عن إمكانية لإنقاذ خمس سنوات من التحصيل الدراسي عبر دراسة اللغة أو ما شابه، يجب عليّ قطع مسافات طويلة والبحث عن مكان آخر للإقامة".

طُلب منه مغادرة ألمانيا نحو بلده الأصلي في بداية الأمر، غير أن الطالب المغربي "بدر الدين ح."، الذي كان يتابع دراسته الجامعية في تخصص الطاقات المتجددة باللغة الإنجليزية في السنة الثالثة بأوكرانيا، أصر على ترحيله إلى البلد الذي فر منه وهو أوكرانيا بدل بلد المنشأ، المغرب. الأمر الذي مكنه في نهاية المطاف من إقناع الموظف بدائرة الهجرة وشؤون الأجانب، فمنحه إقامة الحماية المؤقتة في ألمانيا، لكن ذلك لا يمنحه أملاً في مستقبل أفضل، كما صرح والده من مدينة سطات المغربية في حديثه لـ دويتشه فيله عربية: "ما زالت المعاناة مستمرة. فالحرب لم تنتهِ بعد حتى يعود ابني وباقي الطلبة والطالبات إلى أوكرانيا، ولا الدولة الألمانية خرجت بقرار لإدماجهم من أجل إتمام دراستهم. أتمنى أن تخرج الدولة الألمانية بقرار له بعد إنساني".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة