أسباب ظاهرة الإرهاب الديني باسم الإسلام

وبعدما وهن فكر المسلمين الحضاري تمكن الأسبان من  استرداد الأندلس وتطهيرها من الإسلام واليهودية بواسطة محاكم التفتيش الإرهابية. وهكذا بسقوط غرناطة مضى العرب والمسلمون أظلم فأظلم في غيبوبة التاريخ، بينما انطلقت أوروبا في فتوحات الفكر العقلاني والعلم التجريبي، واكتشافات مجاهل العالم الجديد ما وراء محيط الظلمات. لذلك فإنه من التبسيط النمطي بمكان ردّ أسباب ظاهرة الإرهاب الديني باسم الإسلام إلى اعتبار الإسلام دين متطرف في جوهره. أو مجرد تركيزها في خضوع المتطرفين لعمليات غسل دماغ. أو القول بأنهم مضطربون نفسياً وعقليا.أو لفقرهم.

 بن لادن كان مليارديرا. وكان الظواهري طبيب عيون ينتسب إلى أسرة ميسورة. انتحاريو 11 سبتمبر/أيلول التسعة عشر كانوا شباباً  ميسوري الحال  أذكياء، أجادوا التدرب على توجيه طائرات ركاب مدنية ضخمة لتصبح صواريخ تدمير شامل وهم في كامل قواهم العقلية.. أين نفتش إذن؟! العوامل متعددة ومتداخلة. رئيسة وفرعية.

صدمة العقل الإسلامي النقلي بحضارة العقل الغربي العقلاني

لكن، في نظري، ينبغي أن نرسم إطاراً تاريخياً للمسألة برمتها. أما الإسلام كدين فهو كأي دين "حمّال أوجه" كما يقول الإمام علي. أي يمكن أن تأوله فقهاً للسلام والتسامح والعقلانية كما في الأندلس. أو تأوله فقهاً لكراهية الآخر المختلف وترخيصاً للقتل بحسبانه جهاداً مقدساً كما في شرع القاعدة وداعش.

الجامع الكبير المركزي وخلفه كنيسة كولونيا  الشهيرة "الدوم" في ألمانيا.
نقمة على العالم الغربي الاستعماري: إذا كان الصليبيون القدامى جاءوا من ظلمات عصور الغرب الوسطى، فإن المستعمرين الجدد جاءوا من أنوار الحداثة. وهنا كما يقول ماركس كان الاستعمار الحديث ذا حدّين (مدمِّر/ معمِّر). فعلى حد أول يقوم الفعل الاستعماري على التدمير والقتل والبطش والإذلال. و"الجرح النرجسي" التاريخي يعمّق الشعور بالهزيمة والدونية. فيضخّم كراهية الذات بمزيد من النقمة على العالم الغربي الاستعماري، ويدفع إلى اللوذ والاحتماء بالهوية الإسلامية.

من وجهة نظري أرى أن السبب الجذري العميق، وراء تسونامي الإرهاب الكاسح باسم الإسلام، يعود عميقاً  إلى صدمة العقل الإسلامي النقلي بحضارة العقل الغربي العقلاني، بدءًا من نهاية القرن الثامن عشر مع حملة نابليون بونابرت الاستعمارية على مصر (1798 ـ 1801)، مصحوباً ببعثة علمية لدراسة الحضارة المصرية. جاء بالمدافع والمطبعة. بالمدفع دك خنادق المقاومة الإسلامية في الأزهر. وبالمطبعة طبع بيانات إدارته الاستعمارية ومراسيمه. وبعد انتهاء الحملة الفرنسية عام 1801 أمر نابليون بنقل المطبعة الى فرنسا وضمت إلى المطبعة الاهلية بباريس. فالمطبعة كما المدفع كانت سلاحا استعماريا.

المستعمرون الجدد جاءوا من أنوار الحداثة

والحاصل أن الحملة الكولونيالية الخاطفة، وأن سرعان ما انتهت عسكريا، بقت صدمتها الحضارية تفعل فعلها: خلخلة في بنية اقتصاد الاجتماع المصري ـ المملوكي المنحط، وتوليدا لتحولات اجتماعية موضوعية ظهرت تعبيراتها في ما طرأ على وضع المرأة من تبدلات، مثل خروجهن إلى الحياة العامة سافرات وتداخلهن مع نساء الفرنسيس ومخالطتهن للرجال. وكان لوقع تلك المظاهر عند العموم وقع الكارثة واستبصار لعلامة من علامات القيامة.

لقد أظهر نابليون للمصريين أنه جاء لتخليصهم من طغيان المماليك وتمكينهم من إدارة شؤونهم بأنفسهم باسم شعارات الثورة الفرنسية. بينما كان هدفه الإمبراطوري الاستراتيجي إقامة مستعمرة فرنسية في مصر والشام كقاعدة لقطع الطريق التجاري بين بريطانيا والهند، تمهيداً لإطلاق حملة استعمارية أسطورية لاحتلال الهند على طريقة الاسكندر الأكبر. بالنسبة للذهنية العربية الإسلامية كانت حملة نابليون وما لحقها من احتلالات استعمارية غربية في العصر الحديث، تمثل امتدادا للحروب الصليبية القديمة.

وإذا كان الصليبيون القدامى جاءوا من ظلمات عصور الغرب الوسطى، فإن المستعمرين الجدد جاءوا من أنوار الحداثة. وهنا كما يقول ماركس كان الاستعمار الحديث ذا حدّين (مدمِّر/ معمِّر).

فعلى حد أول يقوم الفعل الاستعماري على التدمير والقتل والبطش والإذلال. وعلى حد ثانٍ يقتضي احتلاله العسكري تأسيس بنى حديثة، من إدارة وطرق وسكك ومدارس ومستشفيات وغيرها. وكذا إحلال مناهج تعليمية وتصورات ثقافية خدمة لمصالحه في إدامة السيطرة على مستعمراته والتحكم في إدارتها. ثم لحاجته إلى نشوء طبقة برجوازية طرَفيّة محلية تعمل كحلقة وصل خدماتية، إداريا واقتصاديا وثقافيا وأمنيا، بين السكان الأصلانيين والسلطة الاستعمارية، لتسهيل إجراءات السيطرة والتحكم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة