الجرح النرجسي وغضبه - صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية

 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية جاءت حقبة "تصفية الاستعمار" فآل الحكم في العالم العربي لأنظمة وطنية حكمت شعوبها من طريق الاستبداد والفساد في الداخل والتبعية السياسية والاقتصادية للأجنبي  في الخارج. 

الكاتب الليبي فرج العشة
فرج العشة. كاتب ليبي. صدر له كتاب فكري "نهاية الأصولية ومستقبل الإسلام السياسي"، ورواية "زمن الأخ القائد". عاش في ألمانيا لاجئاً سياسيا في عهد نظام القذافي الديكتاتوري ما بين عامي 1996 وَ 2011. عاد إلى ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.

المحكومون عوام رعايا في بيئة فقر وجهل وخنوع. والنخب بين شدّ وجذب. التراث والحداثة. الأصالة والمعاصرة. و"الجرح النرجسي" التاريخي يعمّق الشعور بالهزيمة والدونية. فيضخّم كراهية الذات بمزيد من النقمة على العالم الغربي الاستعماري، ويدفع إلى اللوذ والاحتماء بالهوية الإسلامية.

والحال أن صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية المؤلمة أدت إلى انبثاق ما عرف بعصر النهضة العربية (قبل نهضة اليابان بستة عقود!). وقد سارت في اتجاهين رئيسين. الأول اتجاه تقبلي، من منظور علماني ليبرالي، عبر عنه مفكرون ومثقفون عرب، مسيحيين ومسلمين، يؤمنون بأن شرط النهضة الشارط يفرض بالضرورة الأخذ بما أخذت به أوروبا من أسباب تمدن وتحضر.

والثاني اتجاه إسلامي عقلاني إصلاحي، يقر أصحابه بتفوق أوروبا اقتصاديا وعسكريا، ويدعون إلى الأخذ منها ما هو مفيد وترك غير المفيد في رأيهم. وداخل الاتجاه الثاني ظهر تيار إسلامي انغلاقي، اعتبر الأخذ بالثقافة الغربية تغريباً استعمارياً يستهدف الإسلام ديناً ودنيا. ورفع راية الجهاد ضده، داعياً إلى نهضة اجتماعية ثقافية وفقا للأخلاق الإسلامية وتحكيم شرع  الله. وكانت جماعة الاخوان المسلمين، بزعامة الشيخ حسن البنا، التنظيم الصلب الذي تولّد من عباءته الفعل العنفي، تعبيراً عن "الغضب النرجسي" الجمعي الناجم عن إكراهات "الجرح النرجسي" التاريخي، ضد المستعمر الأجنبي من جهة وضد "الدولة الوطنية" من جهة أخرى.

وهو "الغضب النرجسي" الذي تأدلج في فكر سيد قطب، لا سيما كتابه "معالم في الطريق" الذي أسس لفقه التكفير والعنف الإرهابي، ليس ضد السلطة والدولة فحسب إنما ضد المجتمع  بحسبانه مجتمعاً جاهلياً.

نكبة فلسطين واجتياح لبنان

ثم هناك إسرائيل التي مثل وجودها المتفوق إهانة كاوية للوعي العربي الإسلامي الجمعي بوسم "نكبة فلسطين 1948" تلاها انتصار الجيش الإسرائيلي الكاسح في ستة أيام على ثلاثة جيوش عربية (مصر، سوريا، الأردن) في حرب يونيو/حزيران 1967. وبعد موت عبد الناصر بطريرك "النهوض القومي" وانتصار العرب على إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، لجأ الرئيس المصري أنور السادات إلى ضرب تيار القوميين الناصريين واليساريين بالإسلاميين. فكان أن  قُتل يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، في بثّ تلفزيوني حيّ، بطلقات جهاديين وهو جالس منشى بكل أوسمة المجد العسكري على بذلة المارشال في منصة احتفائه الفرعوني بالانتصار على إسرائيل  في حرب  أكتوبر/تشرين الأول 1973.

وفي لبنان معقل الحداثة العربية هُزمت المقاومة القومية  ـ اليسارية عام 1982 إثر الغزو الإسرائيلي لبيروت. وهنا نهض الإسلام الجهادي بديلا مكبوتاً بطاقة عنف (فائض القيمة). تمثل في عمليات حزب الله اللبناني الشيعي "الاستشهادية" المدمرة لتواجد القوات الإسرائيلية والأمريكية والفرنسية.

حرب أفغانستان – بين "كفرة ملحدين ومسيحيين مؤمنين"

وفي تلك الأثناء، وبعيداً عن عالم العرب الجيو سياسي ـ ثقافي، كانت هناك أفغانستان واقعة تحت الاحتلال السوفيتي (1979 ـ 1989). وهنا ظهرت  وكالة  المخابرات الأمريكية، بالعمل المشترك مع المخابرات السعودية والباكستانية والمصرية والأردنية، بتسويق فكرة محاربة السوفييت في أفغانستان باعتبارهم كفرة ملحدين وإظهار الأمريكان حلفاء للمسلمين باعتبارهم مؤمنين مسيحيين من أهل الكتاب. وجُنِّد فقهاء الوهابية في دول الخليج والأزهر في مصر، لأجل الدفع بآلاف الشباب العرب للانخراط في حرب أفغانستان ضد السوفييت بوصفها حرباً مقدسة دفاعاً عن الإسلام وليس عن أمريكا.

مظاهرة للمسلمين في ألمانيا - كولونيا 2017 - "الحب للجميع ولا كراهية لأي أحد".
الإسلام كأي دين "حمّال أوجه": "في نظري، ينبغي أن نرسم إطاراً تاريخياً للمسألة برمتها. أما الإسلام كدين فهو كأي دين "حمّال أوجه" كما يقول الإمام علي. أي يمكن أن تأوله فقهاً للسلام والتسامح والعقلانية كما في الأندلس. أو تأوله فقهاً لكراهية الآخر المختلف وترخيصاً للقتل بحسبانه جهاداً مقدساً كما في شرع القاعدة وداعش. من وجهة نظري أرى أن السبب الجذري العميق، وراء تسونامي الإرهاب الكاسح باسم الإسلام، يعود عميقاً إلى صدمة العقل الإسلامي النقلي بحضارة العقل الغربي العقلاني"، كما يرى فرج العشة.

وإذ انهزم السوفييت وانسحبوا أذلاء من أفغانستان، عاد المجاهدون العرب إلى بلدانهم بصفتهم أفغاناً عرباً. وجدوا أنفسهم، في بلدانهم، عاطلين بلا جهاد ولا عمل ولا سكن ولا زواج. فكان أن هاج  فرانكشتاين (الأفغان العرب) العائدون إلى بلدانهم. فحطموا المختبر الذي ولّدهم، موجهين نزعتهم العنفية "الجهادية" تكفيراً لأنظمتهم وإباحة محاربتها. ولم يكتفوا بذلك. فقد شاركوا مع طالبان التي اخترعتها المخابرات الباكستانية في عهد بنازير بوتو في الاستيلاء على معظم أفغانستان بعد القضاء على حكم المجاهدين السابقين ضد السوفييت. وهنا وجد الأفغان العرب لهم مدينتهم الفاضلة. ولم يمضِ طويل وقت حتى ضرب فرانكشتاين "الجهادي" ضربته الوحشية الرهيبة ضد كبير مخترعيه صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وإذا كان الأمريكيون في حربهم على أفغانستان قد واجهوا مقاتلين جهاديين بطبيعة تكوينهم في الدولة الطالبانية الدينية، فإن غزوهم للعراق قد خلّق حالة توحش دموي ولّدتْ داعش. وكان السنة البيئة الخصبة المرضِعة، بعدما قام بريمر باجتثاث وجودهم من الجيش وقوى الأمن وتكنوقراط الدولة. وقد كانوا بمعظمهم بعثيين علمانيين يشربون العرق العراقي اللاذع. لكنهم مثلما تلبس صدام حسين العلماني البعثي بالدين إلى حد كتابة "الله أكبر" مرتين على العلم، فعل ضباط وجنود السنة المجتثين بالانتماء لـ"القاعدة" ثم وريثتها "داعش".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة