بين الأرض والسماء – لا أسباب مسطرية معيارية للتطرف

 على هذه الخلفية التاريخية لا يجدي البحث عن أسباب وعوامل مسطرية معيارية لتفسير دوافع الشباب المسلمين إلى التطرف الإرهابي. إنهم يأتون لأسباب ودوافع متباينة ومتقاطعة: ذاتية وموضوعية. يحق لك الحديث في تفسيرها عن الفقر والجهل والبطالة والفراغ والقلق الوجودي. يأتون من استبداد الأنظمة الوطنية أو الاحتلال الأجنبي. يأتون شباباً من تجارب الإجرام والسجون وتعاطي المخدرات. كأنهم يستبدلون إدماناً  بإدمان. يأتون مسلمين ولادةً وكذا معتنقي للإسلام على عجل، منجذبين إلى المغامرة. وفي كل الحالات هم طلاب موت، أكانوا مقاتلين أو انتحاريين "استشهاديين"، من طريق قتل الآخرين المكفَّرين باسم الدين سبيلا مقدساً للتمتع بجنة الآخرة، حيث "حور العين" هي الغاية المنشودة بشدة في كل رسائل "الاستشهاديين" التي تركوها وراءهم وكأنها منسوخة عن أصل واحد. وهي الرغبة الأكثر شيوعاً في أهازيجهم التسبيحية.

وقد أشارت بعض أدبياتهم المتفيقهة إلى ضرورة تقوية "الاستشهادي" لطاقته الجنسية. فتنصحه بتناول أغذية وأعشاب معينة قبل تنفيذ مهمته وصعوده لينال الحظوة عند سبعين حورية. ولكل حورية سبعون وصيفة. ولا يعني ذلك أن الكبت الجنسي هو الدافع الرئيس أو الأساس أو الأهم. إنه صاعق نفسي لتحرير الحياة بالموت. ليس انتحاراً وإن كان ينطلق من كراهية الذات. إنه فعل تعويضي عن حياة في الأرض لا يستسيغها بحياة في السماء يشتهيها.

زعماء عرب. dpa
صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية وما بعدها: الحال أن صدمة الحداثة المرتبطة بالتجربة الاستعمارية المؤلمة أدت إلى انبثاق ما عرف بعصر النهضة العربية (قبل نهضة اليابان بستة عقود!). ثم جاءت أنظمة حكم وطنية في العالم العربي حكمت شعوبها من طريق الاستبداد والفساد.

إن الأديان في مجملها تبجل الموت كحقيقة وجودية لا لبس فيها محمولة على مخيال الحياة الأخرى. لكنها في جوهرها تكرم الحياة وتدعو إلى السلام. إن قيمة الحياة مكرمة في القرآن. يرد لفظها أكثر من لفظ الموت كعبرة للاهتداء بالعمل الصالح في الحياة. وهو مرتبط بالبعث. الحياة قيمة مقدسة والموت نهاية أجل وليس النهاية. والشاهد أن الثقافة الإسلامية سواء في أصولها الروحية العقائدية أو آدابها الصوفية تبجل الحياة في الوقت الذي تروض فيه الموت كقضاء وقدر.

وفي صلب فلسفة أصول الفقه نجد أن الحفاظ على ضرورة الحياة في (المرتبة) الأولى على قائمة الضروريات الكلية الخمس: الحياة، والعقل، والدين، والعرض، والمال. وهي الضرورات التي تشكل المصدر الفقهي الفلسفي لقواعد أصول الفقه الإسلامي العقلاني.

الشرعية الديمقراطية السوية هي القادرة على مواجهة الإرهاب

وفي ظني، من منظور الضرورة  التاريخية حتى لا أقول الحتمية، أن التطرف الديني الدموي، المتصاعدة منذ ثمانينيات القرن الفائت، داخل العالم الإسلامي ونحو العالم خارجه، لم يكن منه بد، كونه انفجاراً بركانياً (سوسيوثقافي) ظل مكبوتاً لقرون بعنعنات العقل الاتباعي. ولا أدري كم لا يزال يلزم من الوقت حتى تنقرض حقبته. من المؤكد ألاّ سلام مع إرهابييه الصوابيين الصمائين كالصخر. فلا حوار ولا مواعظ تجدي معهم.

والحرب عليهم التي تقودها أنظمة استبدادية كالسعودية وسوريا والعراق الطائفي ومصر السيسي وجزائر الجنرالات الفاسدين ومغرب دولة المخزن وغيرها، وإن كانت حرباً مشروعة وضرورية، لن تكون كافية. فلا بد من الشرعية الديمقراطية السوية التي تُشرِك الشعب في المواجهة المصيرية خدمة لمستقبله وليس لحكامه. وذلك ما ينبغي أن نراقبه في التجربة التونسية. قرنفلة الربيع العربي. حيث تتمتن (اجتماعياً) ثقافة الإسلام العقلاني/ العلماني.

 

 

فرج العشة

حقوق النشر: فرج العشة/ موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

مصادر:

1 ـ إعادة استنباط المعرفة، أيان ماكنيلي وليزا وولفرتون، ترجمة خضر الأحمد، دار الكتاب العربي، بيروت 2010، ص 113.

 

2 -

REINVENTING KHNOWLEDGE. BY F. MCNEELY  AND LISA WOLVERTON

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة