بعد إعادة الرقابة على الحدود داخل الاتحاد الأوروبي

رقابة أوروبا على حدودها لن تغير من واقع اللجوء في شيء

ربما فات أوان إدراك الحكومات الأوروبية أنها من خلال إعادة الرقابة على الحدود داخل أوروبا لن تستطيع تغيير واقع النزوح واللجوء، لا بل أنها تثير بذلك تصدعات سياسية هائلة على امتداد القارة الأوروبية لن يكون رأبُها سهلاً، كما يرى الصحفي الألماني شتيفان بوخن في رؤيته التالية لموقع قنطرة.

"ألمانيا تغلق حدودها" أو "لم تعد ألمانيا تستقبل اللاجئين"، ربما من شأن وزير الداخلية الألماني أن يتمنى عناوين رئيسية من هذا القبيل. ولا يُنتظر أنْ تنتشر هذه العناوين في الصحافة وحسب، إنما أيضًا على شبكات التواصل الاجتماعي أيضًا. وربما كان الوزير توماس دي مزيير يأمل لدى دعوته للمؤتمر الصحفي في الثالث عشر من سبتمبر/أيلول 2015 بأن يتناقص عدد اللاجئين القادمين إلى ألمانيا.

لا تشكِّل هذه الحملة التواصلية حركة دوران للخلف في سياسة اللاجئين الألمانية بل إنها بالأحرى متابعةٌ نَشِطَةٌ للخطاب المزدوج المعهود. أما القطب التواصلي المعاكس للوزير دي ميزيير فيكمن كما هو معروف في رئيسته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي أكّدت على أنَّ حق اللجوء "ليس له حدّ أقصى"، وأضافت أنَّ هذا ينطبق أيضًا على الأشخاص الذين فروا من "جحيم حرب أهلية".

لم تكُن ميركل تعني بهذا إطلاق دعوةٍ للاجئين لكي يأتوا إلى ألمانيا، إنما كانت هذه محاولة لتحويل واقعٍ لا مفرَّ منه إلى بادرةٍ إنسانيةٍ فعَّالة، فاللاجئون صاروا في الواقع في وسط أوروبا، ومعظمهم قادمٌ من سوريا، وبالتالي لا يمكن التخلُّص منهم. إذًا، المجال متاح لتسجيل النقاط باعتبار استقبالهم عملاً إنسانيًا.

هذه الاستجابة اتبعها قبلَ ميركل سياسيون ألمان بارزون آخرون، على سبيل المثال وزير الداخلية السابق هانز بيتر فريدريش، الذي صرَّح في مطلع سنة 2013 بأنَّ ألمانيا "مثالية في استقبالها للاجئين" فيما يخص طالبي اللجوء من سوريا. أما ما تكتم عليه كل من فريدريش وميركل في هذه اللحظات من الوعي الإنساني الأخلاقي، فهو أن هؤلاء الناس، الذين "نستقبلهم" بهذه المودّة، قد أتوا رغمًا عن إرادتنا، ورغمًا عن جميع قوانين وقواعد دخول الدول الأوروبية وبطرق منافية لقاعدة الاتحاد الأوروبي التي تنصّ على تقديم طلب اللجوء في أوَّل بلدٍ من الاتحاد يصل إليه اللاجئ.

Flüchtlinge warten auf der griechischen Insel Lesbos auf ihre Registrierung; Foto: AP/picture-alliance
يكتب شتيفان بوخن: "ما تكتم عليه كل من فريدريش وميركل في هذه اللحظات من الوعي الإنساني الأخلاقي، فهو أن هؤلاء الناس، الذين "نستقبلهم" بهذه المودّة، قد أتوا رغمًا عن إرادتنا، ورغمًا عن جميع قوانين وقواعد دخول الدول الأوروبية وبطرق منافية لقاعدة الاتحاد الأوروبي التي تنصّ على تقديم طلب اللجوء في أوَّل بلدٍ من الاتحاد يصل إليه اللاجئ".

أية "إجراءات قانونية منظَّمة"؟

لم يعُد توماس دي ميزيير يرغب بمقابلة هذا الواقع بابتسامة ولا بالتأكيد بـ "صورة ملتقطة ذاتيًا [سِلْفِي] ترحِّب باللاجئين"، بل عليه إظهار دور "المتذمِّر البروسي"، حيث أكَّد أثناء المؤتمر الصحافي الخاص على أنَّ ألمانيا "غير مسؤولة عن هؤلاء اللاجئين"، وعلى أنَّ اللاجئين "لا يمكنهم ببساطة اختيار" بلدٍ معيَّنٍ في أوروبا؛ لكنه بالتأكيد لم يصرِّح بأنَّ "ألمانيا قد أغلقت حدودها"، بل الصحف من كتب ذلك في اليوم التالي، إذ أعلن وزير داخلية ميركل فقط أنَّ ألمانيا ستُعيد الرقابة على الحدود، وأنَّ هنالك إرادة لإعادة "الإجراءات القانونية المنظِّمة للسفر" إلى ألمانيا.

يمكن للمرء أنْ يتساءل عن" أيِّ إجراءات قانونية منظّمة" يجري الحديث؟. لن يتم رفض اللاجئين الذين لا يملكون وثائق، أي الذين وصلوا إلى وسط أوروبا بدون أيِّ تنظيمٍ وبمساعدة المهرّبين. وإذا تعرضوا لإحدى نقاط المراقبة التي أقيمت الآن مجددًا لإعادة فرض السيطرة على الحدود، فسوف تجلبهم الشرطة إلى أحد معسكرات التسجيل الأول على الأراضي الألمانية. أي أنَّ واقع دخول اللاجئين لم يتغيَّر على نحوٍ كبير.

الذي تغيَّر هو هيكلة الجغرافيا السياسية داخل الاتحاد الأوروبي: ألمانيا تودع مبدأ الحدود الداخلية المفتوحة بين دول الاتحاد الأوروبي، لأن بعض الدول الأوروبية الأخرى لا تستقبل اللاجئين بل تدفعهم للعبور وتعاملهم معاملةً سيئة. لم تفكِّر الحكومة الألمانية إطلاقًا بأنَّ بعض الأوروبيين يمضون إلى حدِّ تعمُّد معاملة الباحثين عن الحماية بأساليب لا تتوافق مع المعايير الدنيا بغية أنْ يتخلَّصوا من "عبء" استقبالهم. والمجر تذهب بهذه السياسة إلى الحد الأقصى عبر نصب الأسلاك الشائكة وممارساتٍ تذكِّر بـ "التطهير العرقي".

أساليب لا تتوافق مع المعايير الدنيا

وطَّدت كلٌّ من المجر واليونان وإيطاليا منذ سنوات سياسة عدم الالتزام بالمعايير الدنيا، والمفارقة أنها استخدمت المحاكم الإدارية الألمانية كشريك، لأنه تبيَّن للقضاة الألمان منذ عام 2009 أنَّ هناك "احتمالاً كافيًا" لأنْ يصبح اللاجئون مشردين في اليونان وإيطاليا ولأنْ يتعرضوا للضرب من قبل الشرطة في المجر وبلغاريا، فأوقفوا على نحو متزايد "إعادة إحالتهم" [ترحيلهم] من ألمانيا إلى هذه الدول؛ التي استطاعت الوثوق باطراد بأنها لن ترى ثانيةً اللاجئين الذين تدفعهم للعبور وترميهم خارج حدودها.

Flüchtlinge an der östereichisch-ungarischen Grenze; Foto: Reuters
لا نهاية لأزمة اللاجئين في الأفق: يتحرك آلاف البشر على ما يعرف بـ "خط البلقان"، جلهم فارون من الحرب الأهلية في سوريا باتجاه الشمال وغايتهم الوصول إلى الاتحاد الأوروبي.

إنَّ "عدم الالتزام بالحد الأدنى من المعايير" وكذلك أفكار التطهير العرقي هي من الأمور التي مارستها ألمانيا سابقًا في أوروبا. واستخلصت ألمانيا العبر من تاريخها الخاص فأرادت بعد الحرب العالمية الثانية أنْ تكون راعية مجتمع القَسَم على "القيم الأوروبية". لكنَّ البعض ما عادوا يقبلون بهذا الدور لألمانيا.

مجتمع القَسَم يتحطم. إجراء إعادة الرقابة على الحدود الذي أقرته الحكومة الألمانية يؤدي إلى سلسلة من ردود الأفعال. النمسا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك تبعوها في ذلك. الدول الواقعة قبل ألمانيا على ما يعرف بـ "خط البلقان" خائفة بدورها من أن تتورط ببقاء اللاجئين عندها.

إشارة كارثية تدل على الضعف السياسي

يرسل الاتحاد الأوروبي للخارج إشارة كارثية تدل على الضعف السياسي. ويتمتَّع بهذا المشهد على وجه الخصوص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان دائمًا يعتبر الحديث عن "القيم الأوروبية" والاستناد إلى "حقوق الإنسان" مجرد نفاق.

يمكننا أن نتيقن من أنَّ بوتين سوف يقوم بكلِّ ما في وسعه لتعميق التصدعات السياسية في أوروبا. ولا بد من النظر إلى القوات الروسية الموجودة في سوريا لدعم نظام الأسد على أنها وسيلةٌ لإطالة الحرب، وسياسة بوتين الجيوسياسية تسهم في استمرار حركة اللاجئين من الشرق الأوسط نحو أوروبا، بينما تدفع أوروبا ثمن عدم تسوية علاقاتها مع روسيا بحكمة بعد سنة 1989.

ربما فات أوان أنْ تدرك الحكومات الأوروبية أنها لن تستطيع تغيير واقع النزوح والبحث عن الحماية من خلال إعادة الرقابة على الحدود داخل أوروبا، لا بل أنها تثير بذلك تصدعاتٍ سياسيةً هائلةً على امتداد القارة لن يكون رأبُها سهلاً.

 

 

شتيفان بوخن

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015  ar.qantara.de

 

يعمل شتيفان بوخن صحفيًا للتلفزيون في برنامج بانوراما في القناة الألمانية الأولى.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.