بعد الإطاحة بالبشير - المحتجون والجيش بحاجة بعضهما

أمل السودانيين في التغيير - نقطة حرجة في تاريخ السودان

نقطة انطلاق حرجة ومحفوفة بالمخاطر يجب التفاوض فيها على مستقبل السودان السياسي. فالمتظاهرون غير قادرين على خلق بداية جديدة من دون المؤسسات القديمة، والانتقال غير سلس من سلطوية عمر البشير إلى دوائره في الجيش. تحليل كريم الجوهري لموقع قنطرة.

بالنسبة لأحزاب المعارضة السودانية والنقابة المهنية "تجمُّع المهنيين السودانيين"، الذي قام بتنسيق الاحتجاجات ضدَّ الديكتاتور عمر البشير الذي حكم البلاد فترة طويلة، تم بالفعل تحقيق نجاح كبير: إذ إنَّ احتجاجاتهم المستمرة منذ أربعة أشهر دفعت الجيش في آخر المطاف إلى خلع الرئيس عمر البشير. كذلك اضطر في غضون أربع وعشرين ساعة خلفُه، الفريق عوض بن عوف، إلى الاستقالة - ثم تلاه أيضًا رئيس المخابرات صلاح غوش. ولكن مع ذلك فإنَّ الكُرَة لا تزال في ملعب الجيش. وذلك لأنَّه لا توجد في السودان - عدا مؤسَّسات الدولة الضعيفة - مؤسَّسة أخرى يمكنها فرض عملية الانتقال.

بات من المفترض أن يقود المرحلة الانتقالية الرئيس الانتقالي الجديد والرجل العسكري الفريق أوَّل عبد الفتاح البرهان. لقد حاول أوَّلًا وقبل كلِّ شيء أن يكسب ثقة المتظاهرين، حيث ألغى حالة حظر التجوال ووعد بإطلاق سراح المتظاهرين، الذين تم اعتقالهم في الاحتجاجات منذ شهر كانون الأوَّل/ديسمبر (2018) وبمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين. وأعلن كذلك عن اجتثاث نظام البشير ورموزه من جذوره.

تسامح مع الاحتجاجات

قبل أيام، بدأ اعتقال ممثِّلي النظام القديم. وفي خطاب موجَّه للمتظاهرين وعد عبد الفتاح البرهان باحترام حرِّية التجمُّع طالما لن يلجأ أي أحد إلى رفع السلاح. وقد صرَّح المتحدِّث باسمه، اللواء شمس الدين شانتو، بأنَّ المجلس العسكري مستعد لتنفيذ ما تتَّفق عليه أحزاب المعارضة. وقال: "لن نعيِّن رئيس وزراء، يجب عليهم القيام بذلك".

 

رئيس المجلس العسكري الجديد، الفريق عبد الفتاح البرهان.  Foto: picture-alliance/AA
هل يمكن للانتقال السلمي إلى حكومة مدنية أن ينجح في ظلّ العسكريين؟ لقد أعلن رئيس المجلس العسكري الجديد، الفريق عبد الفتاح البرهان، في أوَّل خطاب تلفزيوني عن تغيير بعيد المدى في النظام السياسي. وقال إنَّه سيحارب الفساد و"يجتثّ نظام البشير ورموزه من جذره". وكذلك أمر هذا الجنرال بإلغاء حالة حظر التجوال الليلي ووعد بإطلاق سراح المتظاهرين المحتجزين.

 

{أعلن رئيس المجلس العسكري الفريق عبد الفتاح البرهان عن تغيير بعيد المدى في النظام السياسي. وقال إنَّه سيحارب الفساد و"يجتثّ نظام البشير ورموزه من جذوره". وكذلك أمر هذا الجنرال بإلغاء حالة حظر التجوال الليلي ووعد بإطلاق سراح المتظاهرين المحتجزين.}

 

ولكن على الرغم من ذلك فإنَّ المتظاهرين لا يزالون يقظين. ولسان حالهم يقول مع أنَّ عبد الفتاح البرهان ليس مثاليًا، لكنه أفضل سيناريو ممكن في الوقت الراهن. وحتى الآن فعل كلَّ شيء بالشكل الصحيح، مثلما يُقال من داخل دوائر المعارضة. ولكن فقط من باب الحيطة فقد أعلن المعارضون أنَّهم يخططون للبقاء في الشوارع حتى يتم تشكيل حكومة مدنية.

لقد بدأت المفاوضات الأولى بين الجيش والمعارضة، وفي هذه المفاوضات تطالب المعارضة بتشكيل حكومة مدنية مدَّتها أربعة أعوام تحت حماية الجيش وإعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية وكذلك حلِّ الميليشيات، التي كانت تعمل في السابق باسم البشير وخاصة في دارفور. بينما دعا الجيش إلى الاتِّفاق على "شخص وطني ومستقل" لقيادة الحكومة، وطالب لنفسه بوزارتي الدفاع والداخلية الاستراتيجيتين.

وعلى ما يبدو فإنَّ الطرفين يحتاجان دعم بعضهما دعمًا متبادلًا. فمن ناحية يحتاج الجيش إلى الشرعية من جانب المتظاهرين من أجل الحصول على اعتراف دولي وكذلك الحصول قبل كلِّ شيء على المساعدات المالية، التي تحتاجها البلاد بشكل ملح. ومن ناحية أخرى تحتاج المعارضة إلى المؤسَّسة العسكرية من أجل فرض الإصلاحات في جميع أنحاء البلاد وإبعاد النظام القديم.

"النصر أو مصر"

والآن يبدو من النظرة الأولى بطبيعة الحال أنَّ السادة المسلحين في وضع أقوى، ومن الصعب الثقة بهم. من الواضح أنَّ المتظاهرين في الخرطوم أخذوا في عين الاعتبار المثالَ المصري، عندما تمكَّن الجيش المصري من استمالة المتظاهرين بعد الإطاحة بحسني مبارك ومن ثم عمل فيما بعد على إزالة جميع آثار التغيير. ولذلك فقد باتوا يهتفون في الخرطوم: "النصر أو مصر".

لكن هناك أيضًا الكثير من الدلائل التي تشير إلى وجود تناقضات كبيرة داخل الجيش السوداني حول كيفية التعامل مع الوضع الجديد. هناك اختلافات واضحة في الرأي بين كبار القادة العسكريين والضبَّاط الأصغر سنًا، أدَّتْ إلى استقالة الفريق عوض بن عوف والفريق صلاح غوش. وكذلك توجد تناقضات بين الجيش والميليشيات الإسلامية.

ولكن هناك أيضًا بعض الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى، التي من المحتمل أنَّها تثير قلق المتظاهرين والمعارضة في السودان: إذ إنَّ الأنظمة العربية الاستبدادية الأخرى ليس من مصلحتها قيام شيء ديمقراطي حقيقي في شكل حكومة مدنية في السودان، لأنَّ هذه الأنظمة تنظر إلى مثل هذه التجربة على أنَّها تهديد مباشر لسلطتها. فمن المحتمل أن يبذل جهاز المخابرات المصرية قصارى جهده من أجل كسر الاحتجاجات السودانية. كذلك ستستخدم دول الخليج قدراتها المالية من أجل إعاقة أي تطوُّر ديمقراطي في السودان.

 

 
 

عبد الفتاح البرهان والإمارات والسعودية

المعارضة في حالة شك وريبة نظراً لأنَّ الرئيس الانتقالي والقائد العسكري عبد الفتاح البرهان يتمتَّع حاليًا بدعم مصر ودول الخليج الاستبدادية. وهو يعرف هذه الدول الأخيرة خير معرفة، لأنَّه كان يتولى في اليمن تنسيق القوَّات السودانية العاملة منذ عام 2015 إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات كقوَّات برِّية ضدَّ المسلحين الحوثيين. إنَّ كلًا من عبد الفتاح البرهان والإمارات والسعودية تربطهم علاقة عمل جيِّدة.

ولكن مع ذلك يجب عدم التقليل من شأن المعارضة والمتظاهرين في السودان. فقد صمدوا طيلة أربعة أشهر قبل الإطاحة بعمر البشير. وأثبتوا أنَّ بإمكانهم تعبئة الشارع السوداني سلميًا ضدَّ كلِّ مقاومة من قِبَل قوَّات الأمن السودانية - وهذا ليس فقط في العاصمة الخرطوم، بل كذلك في أجزاء كثيرة من البلاد وبشكل يتجاوز جميع الجماعات العرقية والطائفية والحدود الاجتماعية.

 

 

كريم الجوهري
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.