"النصر أو مصر"

والآن يبدو من النظرة الأولى بطبيعة الحال أنَّ السادة المسلحين في وضع أقوى، ومن الصعب الثقة بهم. من الواضح أنَّ المتظاهرين في الخرطوم أخذوا في عين الاعتبار المثالَ المصري، عندما تمكَّن الجيش المصري من استمالة المتظاهرين بعد الإطاحة بحسني مبارك ومن ثم عمل فيما بعد على إزالة جميع آثار التغيير. ولذلك فقد باتوا يهتفون في الخرطوم: "النصر أو مصر".

لكن هناك أيضًا الكثير من الدلائل التي تشير إلى وجود تناقضات كبيرة داخل الجيش السوداني حول كيفية التعامل مع الوضع الجديد. هناك اختلافات واضحة في الرأي بين كبار القادة العسكريين والضبَّاط الأصغر سنًا، أدَّتْ إلى استقالة الفريق عوض بن عوف والفريق صلاح غوش. وكذلك توجد تناقضات بين الجيش والميليشيات الإسلامية.

ولكن هناك أيضًا بعض الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى، التي من المحتمل أنَّها تثير قلق المتظاهرين والمعارضة في السودان: إذ إنَّ الأنظمة العربية الاستبدادية الأخرى ليس من مصلحتها قيام شيء ديمقراطي حقيقي في شكل حكومة مدنية في السودان، لأنَّ هذه الأنظمة تنظر إلى مثل هذه التجربة على أنَّها تهديد مباشر لسلطتها. فمن المحتمل أن يبذل جهاز المخابرات المصرية قصارى جهده من أجل كسر الاحتجاجات السودانية. كذلك ستستخدم دول الخليج قدراتها المالية من أجل إعاقة أي تطوُّر ديمقراطي في السودان.

 

 
 

عبد الفتاح البرهان والإمارات والسعودية

المعارضة في حالة شك وريبة نظراً لأنَّ الرئيس الانتقالي والقائد العسكري عبد الفتاح البرهان يتمتَّع حاليًا بدعم مصر ودول الخليج الاستبدادية. وهو يعرف هذه الدول الأخيرة خير معرفة، لأنَّه كان يتولى في اليمن تنسيق القوَّات السودانية العاملة منذ عام 2015 إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات كقوَّات برِّية ضدَّ المسلحين الحوثيين. إنَّ كلًا من عبد الفتاح البرهان والإمارات والسعودية تربطهم علاقة عمل جيِّدة.

ولكن مع ذلك يجب عدم التقليل من شأن المعارضة والمتظاهرين في السودان. فقد صمدوا طيلة أربعة أشهر قبل الإطاحة بعمر البشير. وأثبتوا أنَّ بإمكانهم تعبئة الشارع السوداني سلميًا ضدَّ كلِّ مقاومة من قِبَل قوَّات الأمن السودانية - وهذا ليس فقط في العاصمة الخرطوم، بل كذلك في أجزاء كثيرة من البلاد وبشكل يتجاوز جميع الجماعات العرقية والطائفية والحدود الاجتماعية.

 

 

كريم الجوهري
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.