بعد تأجيل الانتخابات

نهاية التحول السياسي في الجزائر؟ على الجيش والشعب التحاور قبل فوات الأوان

يطالب المتظاهرون في الجزائر منذ أكثر من أربعة أشهر بالتغيير السياسي ووضع دستور جديد للبلاد. ولكن يبدو أن نافذة التحول الديمقراطي الزمنية باتت تتجه إلى الانغلاق، كما تلاحظ الباحثة الجزائرية دالية غانم في تحليلها التالي لموقع قنطرة.

شهدت الجزائر، بلد قبضت فيه بيروقراطية الدولة والجيش الوطني الشعبي على مقاليد السلطة، احتجاجات سلمية جماعية منذ 22 فبراير. ما بدأ كاحتجاج طلَّابي على إعلان الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عن ترشُّحه بعد عشرين عامًا في السلطة لولاية رئاسية خامسة، تطوَّر إلى حركة في كل أنحاء البلاد، تسعى إلى الانفصال عن الماضي وتطالب بجمهورية جديدة ذات دستور جديد.

لقد تم إلغاء الانتخابات التي كان من المقرَّر إجراؤها في الرابع من شهر تمُّوز/يوليو ولم يتم تحديد موعد جديد.

ونتيجة للاحتجاجات الواسعة النطاق فقد تخلى الجيش، الذي يعتبر الحارس البار للسلطة الجزائرية، عن ولائه للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وضغط عليه لكي يتراجع عن ترشُّحه للاستمرار في حكم البلاد. ومنذ ذلك الحين تم إلقاء القبض على العديد من الشخصيات السياسية ورؤساء الاستخبارات السابقين الأقوياء ورجال الأعمال من الدائرة الداخلية المحيطة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وكذلك على شقيقه سعيد، وبدأت التحقيقات في تهم فساد موجَّهة إليهم.

وبموجب المادة رقم 102 من الدستور الجزائري، فقد تم تعيين عبد القادر بن صالح، وهو رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري (مجلس النوَّاب)، رئيسًا مؤقتًا لحكومة انتقالية. وبما أنَّه لم يعد يوجد موعد للانتخابات، فلقد تم تمديد فترة ولايته المنتهية في السابع من تمُّوز/يوليو (2019) إلى أجل غير مسمى حتى الانتخابات الرئاسية القادمة.

لم تستطع هذه الإجراءات تهدئة موجة الاحتجاجات، بل على العكس من ذلك، إذ إنَّ الغالبية العظمى من الجزائريين ينظرون إليها على أنَّها إجراءات تطهير من قبل جنرالات عسكريين، تهدف إلى تصفية حسابات قديمة والتخلص من خصوم ومعارضين والاحتفاظ بالسلطة وتقييد المشاركة السياسية.

وكردّ منها على معارضة مستمرة، فقد فرضت السلطات حظرًا على جميع الاحتجاجات والتجمُّعات العامة ولم تأذن إلَّا باحتجاجات يوم الجمعة المنتظمة. في حين أنَّ رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، الذي كان قد أيَّد إعلان عجز الرئيس بوتفليقة عن ممارسة مهامه، دعا المواطنين إلى "التخلي عن بعض المطالب غير المنطقية، مثل المطالبة برحيل جميع رموز النظام"، بينما شدَّد على أنَّ "الجيش والشعب الجزائري يشتركان في نفس المبادئ".

بعد أربعة أشهر من بدء الاحتجاجات الجماهيرية السلمية في الجزائر، بات من غير الممكن تحمُّل الوضع السياسي. فمن ناحية، لا يريد الجيش التسليم للمتظاهرين بأنَّ الوقت قد حان من أجل تغيير النظام. ومن ناحية أخرى، لا تستطيع الحركة الشعبية الاتِّفاق على قيادة لتحديد المطالب والبدء في المفاوضات.

 

رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح. Foto: picture-alliance/AP
سماح باحتجاجات يوم الجمعة المنتظمة: كردّ منها على معارضة مستمرة، فقد فرضت السلطات حظرًا على جميع الاحتجاجات والتجمُّعات العامة ولم تأذن إلَّا باحتجاجات يوم الجمعة المنتظمة. في حين أنَّ رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، الذي كان قد أيَّد إعلان عجز الرئيس بوتفليقة عن ممارسة مهامه، دعا المواطنين إلى "التخلي عن بعض المطالب غير المنطقية، مثل المطالبة برحيل جميع رموز النظام"، بينما شدَّد على أنَّ "الجيش والشعب الجزائري يشتركان في نفس المبادئ".

 

مصالح الحكَّام المتشابكة

تقوم هياكل السلطة التي تتميز بانعدام الشفافية في الجزائر بعرقلة الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية، تضمن أكثر من مجرَّد دعوة الجزائريين كلَّ خمسة أعوام إلى صناديق الاقتراع من دون اتخاذهم خيارًا حقيقيًا.

يتكوَّن النظام في الجزائر من أطراف فاعلة مختلفة ودوائر سلطة متشابكة. تتألف الدائرة المركزية من كبار أعضاء الجيش الشعبي الوطني الجزائري. أمَّا الدائرة الثانية فتتشكِّل من كبار سياسيي جبهة التحرير الوطني الحاكمة وتوأمها الحزبي السياسي حزب التجمُّع الوطني الديمقراطي، اللذين تربطهما علاقات وثيقة مع الجيش، في حين أنَّ قادة الأعمال المؤثِّرين يشكِّلون الدائرة الثالثة. لحماية هذه المصالح المتشابكة ومنع أي رفض واسع النطاق للوضع الراهن، فقد استخدم النظام سياسة التجزئة والانتقاء والتلاعب وإسكات المعارضين.

وكذلك تتم عرقلة الانتقال السياسي من خلال مطالبة الجيش بالسلطة. يمكن القول بالنظر إلى الوضع الحالي إنَّ الجيش قد تولى زمام الأمور في النظام السياسي بدلاً من أن يخفِّف من حدة الوضع. يعتبر الجيش الشعبي الوطني الجزائري واحدًا من الجيوش الأكثر احترافيةً والأكثر حداثةً في العالم العربي. غير أنَّ هذا التحديث والاحتراف لم يؤدِّيا إلى قيم ديمقراطية وابتعاد الجيش عن السياسة.

وبحسب التقرير القُطْري حول الجزائر الصادر في عام 2018 عن مؤشر برتلسمان للتحوُّل (BTI)، فإنَّ العجز السياسي منتشر على نطاق واسع: "يرى المواطنون أنَّ الإدارة لا يمكن جعلها تعمل إلَّا من خلال التأثير الشخصي أو العنف. (...) وعلى العموم لا يزال يبدو أنَّ ما يعرف باسم "الدولة العميقة"، أي الجيش وقوَّات الأمن، هي التي تتخذ جميع القرارات المهمة ومن دون أية رقابة ديمقراطية". وبالنظر إلى هذا الضعف فقد قيَّم تقرير مؤشر برتلسمان عمل الجزائر من أجل المؤسَّسات الديمقراطية بنقطتين اثنتين فقط من أصل عشر نقاط ممكنة.

استمرار التدخُّل العسكري

يحافظ الضبَّاط من جميع الأعمار على ثقافة مؤسَّسية وعسكرية وأبوية عميقة الجذور. وهذا له جذور تاريخية: ففي حقبة الخمسينيات لعب الجيش دورًا مهمًا في حرب الاستقلال عن الفرنسيين (1954 - 1962). وفي الستينيات والسبعينيات كان الجيش محرِّك التغيير والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، الذي كان يدفع نمو الجزائر الصناعي إلى الأمام. 

ثم لعب الجيش في التسعينيات دورًا حاسمًا في محاربة النزعة الجهادية إبَّان ما يعرف باسم "العشرية السوداء" (من عام 1992 وحتى 2001). وبعد ذلك بات الجيش الشعبي الوطني الجزائري يرى نفسه أكثر من ذي قبل كمخلّصٍ ويعتقد أنَّه أكثر وطنيةً ودرايةً من المدنيين. وبالتالي من غير المرجَّح أن يخضع الجيش لسلطة مدنية.

نظرا إلى دور الجيش المهيمن، تبدو الإصلاحات صعبة غير أنَّها ليست مستحيلة تمامًا. ويبدو القمع خطيرًا، ولكن حتى الآن، كلا الخيارين مطروحان على الطاولة. وإذا توفَّرت الفرص من أجل الإصلاح، فسيتعين إجراء تغييرات كبيرة على الدستور. وحينها يمكن للجيش أن يتفاوض مع شركاء مدنيين منتخبين على إعادة تنظيم النظام ويناقش الانسحاب المبرمج من السلطة، في حين أنَّه سيضع في الوقت نفسه شروطًا للحفاظ على نفوذه.

ولكن إذا سار الجيش في المسار الثاني واختار القمع، فإنَّه سيمنع مرة أخرى عملية الانتقال وسيقطع علاقاته مع الشعب كما حدث في الأعوام 1988 و 1992 و 2001. من غير الواضح إنْ كان الجيش سيختار التصدِّي للمواطنين بهذه الطريقة والمخاطرة بعلاقته مع الشعب. ومن الممكن أن يضر القمع أيضًا بالتماسك داخل الجيش ويؤدِّي إلى خلاف بين العسكريين السياسيين والعسكريين المهنيين أو بين الضبَّاط رفيعي المستوى والضبَّاط ذوي الرتب الأقل أو ضبَّاط الصف.

 

عسكريون في باب الواد، وهو حي فقير في الجزائر العاصمة، في عام 1992. Foto: AFP/Getty Images
خياران مطروحان على الطاولة: نظرا إلى دور الجيش المهيمن، تبدو الإصلاحات صعبة غير أنَّها ليست مستحيلة تمامًا. ويبدو القمع خطيرًا، ولكن حتى الآن، كلا الخيارين مطروحان على الطاولة، كما تكتب الباحثة دالية غانم لموقع قنطرة.

 

يجب على الجيش والشعب (بشرط أنَّ يتمكَّن الشعب من الاتِّفاق على قيادة) الدخول في حوار مع بعضهما من أجل السماح بعملية انتقال تلبي مطالب المتظاهرين وتضمن للعسكريين حماية مصالحهم وهياكلهم المؤسساتية. وستتوفَّر لفترة قصيرة فقط الفرصة من أجل التفاوض على تغييرات ذات أهمية.

وإذا لم يتم في هذه الفترة الاتِّفاق على حلّ، فمن المحتمل أن تعود الجزائر إلى أنماط النظام السابق وممارساته. وعندئذ سيصبح إحداث التغييرات أمرًا أكثر صعوبةً.

 

 

دالية غانم

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

 

دالية غانم باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. تتمحْور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين، والتعصّب، والإسلاموية، والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر. وهي كذلك كاتبة ضيفة لدى مؤشر التحوُّل برتلسمان.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.