إيقاف "الثورة الثقافية" التي يفرضها حزب العدالة والتنمية

هذه المسيرة عملت أيضًا على إيقاظ المواطنين الأتراك العلمانيين والحذرين سياسيًا إلى حدّ ما. فقد أدركوا أخيرًا أنَّهم من دون المشاركة في القضايا السياسية سوف يفقدون هويَّتهم شيئًا فشيئًا، وألاَّ شيء قادر حاليًا على إيقاف "الثورة الثقافية" التي يفرضها حزب العدالة والتنمية، وأنَّ هوية هذا الحزب الوطنية السُّنِّية سوف تهيمن عاجلاً وليس آجلاً على جميع الهويَّات الأخرى.

لقد تم إلغاء نظرية النشوء والتطوُّر من المناهج التعليمية الرسمية، وقد أصبح منذ الآن وصاعدًا تدريس الشريعة الإسلامية إلزاميًا في المدارسة الحكومية التركية. والآن بات بوسع العلمانيين الأتراك أن يتخيَّلوا بشكل أفضل ما يعنيه ممثلو حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي عندما يصفون تركيا بأنَّها "سجنٌ مفتوح" أو حتى "معسكر اعتقال ضخم".

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.Foto: Reuters
تضييق الخناق على المعارضة والمجتمع المدني: اتَّهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم السبت 08 / 07 / 2017 رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليتش دار أوغلو، بالسعي من خلال مسيرته الاحتجاجية إلى التأثير على القضاء. وبالإضافة إلى ذلك فقد قام إردوغان، الذي يتحدَّث مرارًا وتكرارًا حول الإجراءات القضائية الجارية، بتحذيره من خطر تعرُّضه لملاحقات قضائية إذا استمر بمسيرته الاحتجاجية.

والآن بدأ أخيرًا يتَّضح أيضًا بالنسبة "للطبقة البرجوازية المروَّضة"، التي كانت تشعر بتجاهلها في تصويتها بـ"لا" للتعديل الدستوري، بأنَّ الشارع هو المكان الوحيد من أجل المقاومة. وفي كلِّ يوم بات ينضم المزيد من أفراد هذه الطبقة إلى الاحتجاج، لأنَّهم يتعرَّفون الآن على الآلية السياسية للحكَّام، التي تبقى على قيد الحياة فقط لأنَّها تبتلع المزيد والمزيد من الحرِّيات المدنية.

أمَّا حزب العدالة والتنمية فلن يلغي حالة الطوارئ، على الرغم من أنَّه كثيرًا ما يُطالب بذلك. وبدلاً من إلغائه حالة الطوارئ فهو لا يزال يعلن عن تمديدها. وفي ظلِّ هذه الأجواء تقترب بالتالي الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب - التي تعتبر بمثابة عمل انتحار جماعي، منح إردوغان وأوساطه الحاكمة جميع الوسائل من أجل القضاء على الديمقراطية.

ومن عدة نواحي تتَّجه هذه الأشهر الاثنا عشر الآن نحو النهاية، وهي أيضًا نهاية جمود سياسي: فالمعارضون يحتجُّون الآن بصوت عالٍ ضدَّ تجريمهم، بينما يقوم أهم حزب من أحزاب المعارضة يتنظيم مسيرة واثقة بنفسها "مسيرة العدالة".

وفي المقابل يخطط قادة حزب العدالة والتنمية لحملة تستمر طيلة أسبوع من أجل "حراسة الديمقراطية" في جميع أنحاء البلاد. وفي الواقع لا يوجد أي مضاد للاكتئاب قوي بما فيه الكفاية من أجل التمكُّن من تجاهل هذه المواجهة لفترة أطول.

 

يافوز بيدر

عن الألمانية ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ /  موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

يافوز بيدر صحفي ومُدوِّن تركي وأحد مؤسِّسي منصة الصحافة المستقلة P 24 في إسطنبول. حصل في عام 2014 على "جائزة الصحافة الأوروبية" تكريمًا له على عمله. يعيش حاليًا خارج تركيا.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.