وما لا تحتاجه هذه المعركة -بالمناسبة- هو السيناريو الجاهز الداعي المسلمين إلى النأي بأنفسهم عن الجريمة. فبوصفي مسلمًا وباحثًا في الدراسات الإسلامية وممثلًا إسلاميًا مستقلًا -غير مرتبط بجمعيات إسلامية- أرفض تلبية توقُّع المجتمع مني الراغب في أن أتحدث عن مرتكبي أعمال العنف المسلمين بطريقة تدل على أنهم قريبون من ديني أو قريبون مني أيضًا.

وهناك نوعان من الأسباب التي تدفعني لهذا الرفض، فمن ناحية أولى، لا أريد تعزيز مكانة مرتكب أعمال العنف أو أفعاله من خلال منحه شرف الإيحاء بأنه يمثل ديني؛ كما أن المسلم [المرتكب لأعمال عنف] يخالف أخلاقيات دينه من وجهة نظر المجتمع المسلم. وهذا لا يعني بالطبع أن الجريمة لا تمت بأي صلة للإسلام، كما أنه لا يُخرِجنا  -نحن المسلمين- من واجب العمل بجد من أجل ألاَّ يتم تشويه ديننا بالقول إنه يحرض على العنف.

 

دقيقة صمت إحياء لذكرى المعلم الفرنسي القتيل صاموئيل باتي. (Foto: Lionel Bonaventure/AFP/Getty Images)
تحذير من تجريم الإسلام: إذا واصلْنا تجريم الإسلام -هذا الدين العالمي- والمواطنين المسلمين في مجتمعنا [الأوروبي] فسوف نفقد دعمهم الذي توجد حاجة ماسة إليه في الكفاح ضد الإرهاب المرتَكَب باسم الإسلام كما يحذر محمد سمير مرتض الباحث في الدراسات السياسية ودراسات العالم الإسلامي. في الصورة: دقيقة صمت إحياءً لذكرى المعلم الفرنسي القتيل صاموئيل باتي.

 

قوة الإحسان إلى الغير على إحداث الفرق

ومن ناحية ثانية، فإن دعوة المسلمين للنأي بأنفسهم عن هذه الجرائم تخفي خلفها في نهاية المطاف رسائل عدم الثقة وتشكيك في الولاء؛ والتشكيك في ولاء البشر هو تعبير عن تصورات تصنف الناس بحسب مفاهيم التفوق والدونية.

يجب ألا يخضع أي مواطن مسلم لمثل هذا، وإلا فسيتوجب علينا أن نتخلص عندها من مبدأ المساواة بين جميع المواطنين. وقد كتب نافيد كرماني ذات مرة أنه "في اللحظة التي أبتعد فيها عن نفسي، أمنح الآخر الذي يواجهني الحق في الشك بي". فما الذي يجب فعله إذن إذا كنا لا نريد الرضوخ إلى الأحكام المسبقة والكراهية؟ هل بقي من شيء نقوله لم يُقَل من قبل؟

بالنسبة لي، وبوصفي شخصًا متديِّنًا، يمكنني أن أرد بطريقة واحدة فقط، وهي عبر الإحسان إلى الغير كأقوى رد على هذه الأعمال الشيطانية. فالإحسان إلى الغير يمنح الفرد القوة اللازمة لمعالجة المواقف.

فالإحسان إلى الغير يمنحنا الأمل بأن التغيير ممكن، إنه قوة تحويل قادرة على تغيير المجتمع بأكمله، ومن شأنه خلقُ فرص التعايش السلمي بين أكثر الناس اختلافًا وسلبُ الهواء الذي يتنفسه الاستقطاب والانقسام والكراهية؛ الإحسان إلى الغير هو الخصم المواجه لكل متطرف، وهو القادر على تغيير السيناريو المعهود.

بيد أن الإحسان ليس قيمة مجردة، وإنما سلوك ملموس في اليهودية وفي المسيحية وفي الإسلام على حد سواء. والكراهية لا تنزل من الغيوم أو من السماء، وإنما تنشأ هنا على الأرض بيننا، وليس من الصعب التعرف عليها. والإحسان إلى الغير يعني أيضا تصحيح مسار هذا الغير.

ويمكن لكل فرد أن يساهم مجتمعيًا ضد الكراهية، بغض النظر عن مصدرها وعن الفئة التي تستهدفها. وقد يبدو الإحسان للوهلة الأولى إجابة سطحية، لكنه يمكننا جميعًا من التصرف في وقت لم تقدر فيه الإجابات الكبيرة على فعل شيء.

 

 

محمد سمير مرتضى

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: ميغاتسين / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.e

 

محمد سمير مرتضى: باحث في الدراسات السياسية ودراسات العالم الإسلامي، وفيلسوف ومؤلف إسلامي. يعمل في المؤسسة الوقفية "فيلت إيتوس"  "أخلاق العالم". وهو خبير في مجلة "همدارد اسلاميكوس" الصادرة في باكستان والمتخصصة بدراسات العالم الإسلامي. من أحدث منشوراته كتاب:

من أجل "نحن" تشملنا جميعًا: نص صريح حول "المسألة الإسلامية" 2020

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة