بعد هزيمة حفتر في طرابلس - صراع دولي حقيقي في ليبيا

كيف لأوروبا الإسهام في منع تفتيت ليبيا؟

بعد أن خسرت أوروبا في ليبيا أي نفوذ حقيقي نتيجة سياستها المتقاعسة، لا بد للاتحاد الأوروبي من كبح النفوذ الروسي وفرض عقوبات قانونية لتقويض سيطرة حفتر الذي تعتمد عليه روسيا كمضيف وشريك في الأراضي الليبية، لأن الوجود العسكري الروسي في ليبيا تهديد أكبر بكثير لأوروبا من التدخل التركي، وبالتوازي لا بد للدول الغربية من أن تدفع بقوة من أجل سحب الدعم عن حفتر عند التعامل مع دول أخرى له داعمة، لا سيما مصر والإمارات العربية المتحدة، لأن هذا ضرورة أساسية من أجل الحفاظ على المصالح الأوروبية في ليبيا مستقرة. تحليل الباحث الألماني فولفرام لاخَر.

بدعمٍ كبيرٍ من تركيا ألحقت القواتُ المتحالفةُ مع حكومةِ الوفاقِ الوطني -التي مقرها في طرابلس- سلسلةً من الانتكاساتِ بخليفة حفتر في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2020 لتؤدي هذه الانتكاسات في نهايةِ المطافِ إلى هزيمةِ قواته في غرب ليبيا في أوائلِ حزيران/يونيو 2020، وخلال ذلك جاءت لحظةٌ مهمةٌ في 23 أيار/مايو 2020 حين انسحب مرتزقة شركة فاغنر الروسية العسكرية الخاصة.

أثناء مغادرةِ المرتزقةِ الروس عُلِّقَت ضربات الطائرات المسيَّرة التركية، وهو ما يشيرُ إلى أنَّ هجومَ حفتر على طرابلس قد وقع ضحيةَ تفاهمٍ روسي-تركي في نهايةِ المطافِ، في حين تحتفظُ روسيا بالمرتزقةِ في وسط ليبيا حيث قامت مؤخراً بتجهيز طائراتٍ مقاتلةِ لدعم حفتر. ولا يزال الدعمُ العسكري الروسي الإماراتي مهمٌ لبقاء حفتر عبر كبحِ تقدّم حكومةِ الوفاقِ الوطني في المناطق الواقعة خارج طرابلس.

تُظهِرُ هزيمةُ حفتر في غربِ ليبيا كيف أصبحَ الدعمُ الخارجي بالغَ الأهميةِ لكلا الجانبين منذُ أن بدأ حفتر هجومه في نيسان/أبريل في عام 2019. فالدعمُ العسكري من الإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا إضافة إلى الدعمِ السياسي من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا منحَ حفتر ميزةً كبيرةً. أمّا تركيا، الحليفُ البارزُ الوحيد لحكومةِ الوفاقِ الوطني، فقد قدّمت مساعدةً محدوداً في الأشهرِ الأولى للحربِ، وعلّقت مساعداتها خلال خريفِ عام 2019، مما سمح لقواتِ حفتر بإحرازِ تقدُّمٍ في طرابلس.

ولم تستأنف تركيا دعمها إلا بعد أن أجبرت حكومةَ الوفاقِ على توقيعِ اتفاقٍ بشأنِ حقوقِ الملاحةِ في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2019. وخلافاً للدعمِ الأجنبي الخفي لحفتر، كان التدخّلُّ التركي علنياً، وسرعانَ ما غيّرَ موازينَ القوى بعد تصاعدِ القتالِ في أواخرِ آذار/مارس من عام 2020. وقد أثبتَ الدعمُ الإماراتي السري، والمتمثِّل في طائرات بدون طيار وأنظمةِ دفاعٍ جوي، عدم فعاليته في مواجهةِ الأعمالِ العسكريةِ التركيةِ.

 

خريطة ليبيا.
انقساماتٌ مجتمعيةٌ عميقةٌ وتدّخلٌ أجنبي: تتغيرُ النزاعاتُ الليبيةُ بسرعةٍ. ومع هزيمةِ حفتر في هجومه الذي استمرَ عاماً على طرابلس، ترتبط محاولاتُ روسيا وتركيا لاقتطاعِ مناطق نفوذ بالتصادم مع مصالحِ القوى الأجنبيةِ الأخرى – ومع مائعية المشهدِ السياسي في ليبيا.

 

مشهدٌ متغيرٌ

ولهزيمةِ حفتر في طرابلس تأثيراتٌ كبيرةٌ على مشهدِ النزاعِ في ليبيا. فالمعسكرانِ المتحاربانِ هما عبارة عن تحالفات قائمة على المصلحةِ، وستعيدُ نهايةُ محاولة حفتر الوصول إلى السلطةِ تشكيلهما. إذ تشكِّلُ الجماعاتُ المسلّحةُ من غربِ ليبيا، التي تعودُ لحربِ عام 2011 ضدَّ القذافي، الجزءَ الأكبرَ من القواتِ التي تحاربُ حفتر. وكان العديدُ منهم في منافسةٍ فيما بينهم قبل أن يتّحدوا ضد حفتر، وعلى الرغمِ من أنّهم موالون شكلياً لحكومةِ الوفاقِ، بيد أنّهم غالباً ما يشعرون بالاستياءِ الشديدِ من ذلك.

أما حفتر فقد حشدَ، بدورهِ، تحالفاً غير متجانسٍ من القوى التي كانت تأملُ في الوصولِ إلى السلطةِ معه. وتضمُّ الوحدات التي أنشأها في السنواتِ الأخيرةِ في شرقِ ليبيا، فضلاً عن مجموعاتٍ مسلحةٍ من الغرب والجنوب الليبيين والتي غالباً ما يُشَكُّ بولائها له. ومن بين هذه المجموعاتِ، يشكّلُ السلفيون المتشدِّدون ومؤيدون سابقون لنظامِ القذافي مجموعاتٍ فرعية بارزة.

وسيتوقفُ الكثيرُ على ما إن كانت القواتُ المسلحةُ العربيةُ الليبية التابعة لحفتر سينتهي بها المطافُ أيضاً بخسارةِ منطقةِ الجفرة وسِرت في وسطِ ليبيا. وبعد تراجعٍ فوضوي من غربِ ليبيا، تسعى القواتُ المسلحةُ العربيةُ الليبيةُ جاهدةً لوقفِ المزيدِ من التقدمِ الذي تحقّقه حكومةُ الوفاقِ الوطني.

فقد تدخّلت الطائراتُ الروسيةُ والإماراتيةُ إضافةً إلى المرتزقةِ الروسِ للتصدي لهجومِ حكومةِ الوفاقِ على سرت. بينما تنشرُ تركيا السفنَ الحربيةَ والطائرات بلا طيار وغيرها من الإمكانات لدعمِ حكومةِ الوفاقِ في سرت. وستسعى روسيا وتركيا إلى تجنّبِ المواجهةِ المباشرةِ، لكن يبدو أنهما على استعدادٍ لتركِ وكلائهما الليبيين يتقاتلون، بوصف ذلك جزءاً من مفاوضاتهما حول المكانِ الذي ينبغي أن تكونَ فيه حدود مناطقِ نفوذهما.

ومن شأنِ سيطرة حكومةِ الوفاقِ على سرت والجفرة أن يؤدي إلى زوالِ ما تبقى من سيطرةِ حفتر على جنوبِ ليبيا بسرعة، كما يمكن أن يشجّعَ القوات المتحالفة مع حكومةِ الوفاقِ على التقدّمِ شرقاً إلى منطقةِ "الهلالِ النفطِي"، بما فيها من موانئ تصديرِ النفطِ التابعة له. وبإمكان ذلك أيضاً أن يسرِّع من تآكلِ سلطةِ حفتر في الشرقِ.

وفي حالِ احتفظ حفتر بالسيطرةِ على الجفرة أو حتى على كلتا المنطقتين، فإنّ لديه فرصةً أفضل إلى حدٍ ما للصمودِ أمام التحدياتِ في الشرقِ، والحفاظِ على موطئ قدمٍ في الجنوبِ.

وبغض النظرِ عن المكان الذي ستُرسَمُ الحدودُ فيه في نهايةِ المطافِ، فقد برزت تركيا بوصفها القوة الأجنبية المهيمنة في غربِ ليبيا، كما برزت القوةُ العسكريةُ الروسيةُ بوصفها الرادعَ الأساسي بوجه هجماتِ حكومةِ الوفاقِ في اتجاهِ الشرقِ.

وعلى الرغمِ من دعمِ تركيا وروسيا لجانبين متعارضين، إلا أنّهما قادرتانِ على الاتفاقِ –على النقيضِ من الداعمين الأجانب الآخرين لحفتر، أي مصر والإمارات العربية المتحدة، اللذين يعارضان بشدة التدخلَ التركي في ليبيا. وهذا يثيرُ إمكانيةَ التوصلِ إلى اتفاق تركي-روسي لتقسيمِ ليبيا إلى مناطقِ نفوذٍ، وتهميشِ القوى الأجنبية الأخرى.

تداعيات في شرق ليبيا وجنوبها وغربها

المحاولاتُ التركيةُ والروسيةُ لتجميدِ النزاعِ من شأنها الاصطدام بالتداعياتِ السياسيةِ لهزيمةِ حفتر في طرابلس. ومن المرجّحِ أن يترتبَ على ذلك إعادة تنظيمٍ واسعة النطاقِ للولاءاتِ والتحالفاتِ. أما الهيئاتُ التي شكّلت أطرافَ الحوارِ لروسيا وتركيا –حكومة الوفاقِ والقوات المسلحة العربية الليبية التابعة لحفتر- فستتعرضُ لضغوطٍ وقد تنهارُ في نهايةِ المطافِ.

ففي غربِ ليبيا، كان هجومُ حفتر بمثابةِ تهديدٍ موحِّدٍ. وبينما كانت قواتُ حفتر تتقدّمُ معتمدة على استغلالِ الانقساماتِ بين أعدائه، كبحَ العديدون غضبهم إزاء الفسادِ في حكومةِ الوفاق وأبقوا طموحاتهم السياسية تحت السيطرةِ. وستبرزُ الآن هذه الإحباطات والمنافساتُ إلى الواجهةِ. وليس بالضرورةِ أن يكون هذا أمراً سلبياً فحسب.

فاستحالة إصلاحِ حكومة الوفاقِ من دون إعادةِ فتحِ الاتفاقِ السياسي الليبي لعام 2015 -والذي تشكّلت الحكومةُ وفقه- قد سمح منذ وقتٍ طويلٍ لسياسيين لا يخضعون لأي مساءلةٍ وليس لديهم أي أساسٍ ذي معنى بمواصلة نشاطاتهم الساعيةِ وراء الريعِ. ولكي تكون أكثر فاعلية، ينبغي على الحكومةِ في طرابلس أن تكون أكثر مساءلة أمام القوات في الميدانِ.

وفي معظمِ أرجاءِ جنوب ليبيا، كان نفوذُ حفتر ضعيفاً حتى في أوجِ قوته. إذ أعلن السياسيون والمجموعاتُ المسلحةُ في الجنوب ولاءهم لحفتر، متوقعين منه أن يقدِّم التمويل والخدمات، ومراهنين على أنّه سيهيمنُ على طرابلس. والآن وبعد عدم تمكنه من تقديمِ أيٍّ من ذلك، سيسعى الكثيرون لإصلاحِ العلاقاتِ مع حكومةِ الوفاقِ.

ومن المرجّح أنّ تكون عملية إعادة الاصطفاف هذه طويلة الأمدِ وتميلُ إلى إثارةِ النزاعِ، بما أنّ المنطقة مقسمة وفق خطوطٍ محلية وبين المجموعاتِ المسلحةِ المتنافسةِ. ويمكن للدعمِ العسكري الإماراتي والروسي لحفتر أن يثني المجموعات المسلحة في الجنوبِ عن تغيير ولائها، أو يمكن أن يؤدي إلى نزاعاتٍ عقب هذه التغييرات. وبالطبعِ إن خسر حفتر منطقةَ الجفرة، فمن غير المحتملِ أن يحتفظ بنفوذٍ كبيرٍ في المنطقةِ على الإطلاقِ.

بيد أن قبضةَ حفتر أقوى في شرقِ ليبيا، حيث يرى العديدُ من السياسيين وقادة الميليشياتِ أنّ مصيرهم مرتبط بمصيره. إذ يشعرُ جزءٌ كبيرٌ من المجتمعِ الليبي في الشرقِ بالحذر من عدم الاستقرارِ الذي قد يأتي مع زوال حفتر. غير أنّ صورةَ حفتر بوصفه رجلاً قوياً قد تحطّمت بعد هزيمته، كما يلومُ العديدون في الشرقِ حفترَ لدفعهم في مغامرةٍ عسكريةٍ مكلفةٍ في طرابلس. كما أنّ المقاتلين الذين يعودون بخيبةِ أملٍ من حربٍ خاسرةٍ في طرابلس قد ينقلبون عليه. ويمكنُ لقادةِ ميليشيات بنغازي -الذين كانوا لفترةٍ طويلةٍ غير مخلصين له بشكلٍ خفي- أن ينتهزوا الفرصةَ لإعادةِ ترسيخِ أنفسهم.

كما يمكنُ أن تتجمّعَ المعارضةُ السياسيةُ حول رئيسِ البرلمانِ الرديف الذي مقره في الشرقِ، عقيلة صالح، أو حول حركةٍ تسعى إلى الحكمِ الذاتي في الشرقِ قمعها حفتر في السنواتِ القليلةِ الماضيةِ. ويمكنُ للعديدِ من السياسيين، ورجال الأعمالِ والمقاتلين الذين فروا من الشرق الذي يسيطرُ عليه حفتر في الماضي القريب أن يتحالفوا مع خصومِ حفتر من أجل العودةِ.

 

 

وما لم ينجح حفتر في نهايةِ المطافِ في محاولاته بيع النفطِ بشكلٍ غير قانوني، فإنّ هذه النزاعات ستتكشّفُ في الوقتِ الذي يواجه فيه صعوبات متزايدة في جمعِ االأموالِ. إن انهار هيكلُ حفتر، فإنّ المظالم الكبيرة التي سببها صعوده العنيف ستعودُ إلى الواجهةِ. وقد يتبعُ ذلك نزاعاتٍ عنيفة.

تحديات السيادةِ المشتركةِ

كما تبرُزُ المزيد من التساؤلات حول ديمومةِ اتفاق تركي-روسي في ليبيا، وهي تساؤلاتٌ تتعلقُ بمصالحهما في تسويةٍ سياسيةٍ ليبيةٍ، وتتعلق بالمعارضة التي قد يثيرها -اتفاق كهذا- لدى القوى الأجنبية الأخرى.

وكما يُظهِرُ النزاعُ الجاري حول سرت، فإنّ التفاهمَ الروسي-التركي لا يعني بالضرورةِ إنهاءَ القتال، ولن يكون بمنأى عن انهيارٍ وإعادةِ تفاوض دوريين. لكن بمجردِ تسويةِ وضعِ سرت والجفرة، فإنّ الردعَ المتبادلَ من قبل روسيا وتركيا قد يضع حداً للأعمالِ العدائيةِ الواسعةِ النطاق. وحتى مع سيناريو كهذا فإنّ احتمالات عقدِ مفاوضاتٍ سياسيةٍ ضئيلةٌ. فمنذ أن بدأ حفتر هجومه على طرابلس، لم يعد معظم الفاعلين السياسيين في غربِ ليبيا يرونه شريكاً تفاوضياً جديراً بالثقةِ.

وسيتعرّضُ أولئك الذين يوافقون على التفاوضِ معه لضغوطٍ شديدةٍ من جماعاتٍ تؤيدُ موقفاً أكثر تشدداً. وعلاوة على ذلك، سبّبت الحربُ صدعاً عميقاً بين غربِ وشرقِ ليبيا، حيث عارضت أصواتٌ قليلةٌ الحربَ. وكلما اتضحت عبثية هجوم حفتر اكتسبت مشاعرُ الانشقاق مكانةً أكبر في الشرقِ.

ويشكّلُ التدخل الروسي والتركي عقبات تحول دون التوصلِ إلى تسويةٍ سياسيةٍ. ففي المفاوضاتِ، قد تطالبُ الأطرافُ الليبية داعمي خصومها بسحبِ العناصر الأجنبية، بما في ذلك المرتزقةُ الروس والسوريون، والطائرات الإماراتية المُسيَّرة، والمقاتلات الروسية، والإمدادات العسكرية التركية.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ التوصل إلى اتفاقٍ يعيدُ تشكيلَ حكومة واحدة وقيادة عسكرية واحدة وبنك مركزي واحد من شأنه أيضاً أن يخفف النفوذَ التركي والروسي. وقد تسعى حكومةٌ موحّدةٌ في نهايةِ المطافِ إلى طردِ أي وجودٍ عسكري أجنبي. وعلى هذا فإنّ المصالح التركية والروسية تكمن في تجميدِ النزاعِ بدلاً من حلّهِ.

أما فشلُ حفتر في طرابلس فلا يفيدُ في تخفيفِ الضغطِ المالي المتزايدِ على كلا الطرفين. فقد أوقفَ حفتر تصديرَ النفطِ في المناطقِ الخاضعةِ لسيطرته منذ كانون الثاني/يناير من عام 2020. وهو بذلك يمنعُ عودةَ الإيراداتِ إلى البنكِ المركزي في طرابلس، الذي رفضَ منحَ السلطات الشرقيةِ المرتبطةِ بحفتر وصولاً أكبر إلى التمويلِ.

بيد أنّ استئنافَ الصادراتِ من حقولِ النفطِ الجنوبيةِ، الخاضعةِ لسيطرةِ حكومةِ الوفاقِ، لن يحلَّ المشاكلَ الماليةَ لحكومةِ طرابلس، لا سيما بالنظرِ إلى الأسعارِ المتدنيةِ للنفطِ. وإلى هذا التاريخ استخدمت الدولُ الغربيةُ عقوبات الأممِ المتحدةِ على صادراتِ النفطِ غير القانونيةِ لمنعِ محاولاتِ حفتر المتكررةِ لبيعِ النفطِ بصورةٍ مستقلةٍ. ولا بد لأي اتفاقٍ بين الطرفينِ لاستئنافِ صادراتِ النفطِ أن يتضمّن إصلاحاً لإدارة البنكِ المركزي التنفيذية يمثّلُ اتفاقاً بشأنِ توزيعِ الإيراداتِ.

وفي ظلِّ غيابِ مثل هذه الصفقةِ، ستسوءُ الظروفُ الماليةُ لكلٍ من حكومةِ طرابلس والسلطاتِ الشرقيةِ المرتبطةِ بحفتر. ومن شأنِ هذا أيضاً أن يحدَّ من قدرتهما على الدفعِ للمرتزقةِ والعتادِ العسكري الأجنبي، إضافةً إلى مكافأةِ مموليهم الأجانبِ بفرصٍ في قطاعِ الطاقةِ. وتواجهُ روسيا وتركيا معضلةً: فالتفاوضُ حول تسويةٍ سياسيةٍ من شأنه أن يُهدِّدَ بالحدّ من نفوذهما، بيدَ أنّ مجردَ تجميد النزاعِ من شأنه تقويض الجدوى الاقتصادية لتدخلاتهما.

وتنبثق التحدياتُ الإضافيةُ من القوى الأجنبية. إذ قد يهمّشُ اتفاقٌ تركي-روسي الداعمين الأجانبَ الآخرين لحفتر –الإمارات العربية المتحدة ومصر وفرنسا- ويقوّي تركيا، التي تعارضُ الدول الثلاث السابقة سياساتها الإقليمية. وما مبادرةُ وقفِ إطلاقِ النار التي قدمتها مصر في 6 حزيران/يونيو 2020 إلا محاولة لاستعادةِ أهميتها وإحباط صفقة تركية-روسية. كما تشعرُ الولاياتُ المتحدة بالقلقِ من نشرِ روسيا لطائراتٍ مقاتلةٍ ويمكن أن تعزّز الموقفَ العسكري التركي في سبيلِ منعِ روسيا من إقامةِ قواعد دائمة في ليبيا.

وستحاولُ جميع القوى الأربع منعَ أو تقويض اتفاقٍ تركي-روسي في ليبيا. ويمكن أن يؤدي هذا إلى تفاقمِ النزاعاتِ إن دعمت قوى أجنبية مختلفة الفاعلين المحليين المتنافسين. كما ستمنعُ المنافساتُ، بين القوى العظمى والوسطى، الأممَ المتحدةَ من استعادةِ دورها كوسيطٍ موثوقٍ بين المصالحِ الأجنبيةِ والمحليةِ المتضاربةِ.

 

 

أوروبا مهمّشة

وقف الأوروبيون مكتوفي الأيدي وشاهدوا الحربَ الليبية تستعرُّ ووصلَ التدخُّلُ الأجنبي إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ. وتتمثّلُ الأسبابُ الأساسيةُ لتقاعسهم عن أي فعلٍ في سياسةِ فرنسا الراميةِ إلى حمايةِ حفتر، ودعمِ الولاياتِ المتحدةِ الضمني الأولي لحفتر وما تبع ذلك من عدمِ اكتراثها بالحربِ، وإحجامِ الأوروبيين عن مواجهةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ ومصرَ حول دعمهما لهجومِ حفتر. كما اتّسمت الدبلوماسيةُ الألمانيةُ أيضاً بعدم الرغبةِ في ممارسةِ التأثير.

وكانت نتيجةُ هذه السياسة أن ملأت تركيا وروسيا الفراغَ، في حين فقدَ الأوروبيون المصداقيةَ والنفوذَ. وهذا سيحدُّ الآن من قدرتهم على التوسّطِ وحثِ حكومةِ الوفاقِ على اتخاذِ الخطواتِ المطلوبةِ بصورةٍ عاجلةٍ، كتقويةِ قاعدتها والمساءلة، واحتواءِ المجموعاتِ المسلحةِ المُمَكَّنةِ حديثاً.

والآن بعد أن أصبحت العواقبُ الوخيمةُ لتقاعسِ الأوروبيين جليةً ولم تعد أمام حفتر فرصة للاستيلاءِ على السلطةِ، فإنَّ تحولاً سياسياً ممكنٌ ولا غنى عنه. إذ أنَّ سيادة مشتركةً تركية-روسية لن تعيد توحيدَ ليبيا ولن تخدمَ مصالحَ الاتحادِ الأوروبي كذلك، حتى إن تمتّعت بالديمومةِ. بيدَ أنّه في الوقت ذاته لن تنجحَ معارضةُ روسيا وتركيا، لأنّ هذا من شأنه أن يدفعَ الدولتين للتقاربِ أكثرَ.

وينبغي أن يوجّه هدفان رئيسيان السياسةَ الأوروبية: أولاً، ضمانُ وحدةِ ليبيا؛ وثانياً، مواجهةُ النفوذِ الروسي في ليبيا بوصفه من الأمورِ ذات الأولويةِ. وتؤيدُ الولايات المتحدة كلا الهدفين. بيد أنّ الأوروبيين لن يتمكنوا من العمل بتناغمٍ إلا إن تحوّل الموقفُ الفرنسي عن تسامحه النسبي إزاء روسيا وموقفه العدائي تجاه تركيا.

إذ يشكّلُ الوجودُ العسكري الروسي في ليبيا تهديداً أكبر بكثير لأوروبا من التدخّل التركي. كما أنّ تقليصَ الوجودِ الروسي من شأنه أن يؤدي إلى الحدّ من اعتمادِ حكومةِ الوفاقِ على الحمايةِ التركيةِ، وبالتالي معالجة مخاوفِ الدولِ الأعضاء التي تعارضُ حكومةَ الوفاقِ بسبب نزاعها (هذه الدول) مع تركيا حول حقوقِ الملاحةِ في شرق المتوسطِ.

من بين الأدواتِ المتاحةِ تحت تصرف الأوروبيين فإن القوة الخشنة ليست مناسبة لتحقيقِ هذه الأهداف، فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تعد تتمتعُ بالموثوقيةِ المطلوبةِ لتلعبَ دوراً عسكرياً مهماً في ليبيا ولن تؤدي إلا إلى زيادةِ ارتباكِ المتدخلين الأجانب في البلدِ.

أما العمليةُ البحريةُ الأوروبيةُ IRINI فلا تقومُ بالكثيرِ لمنعِ شحناتِ الأسلحةِ من الوصولِ إلى ليبيا. بيد أنه يمكن استخدامها كرادعٍ في مواجهةِ الصادراتِ غير القانونيةِ للنفطِ –وهو أمرٌ حاسمٌ للحيلولةِ دون التقسيمِ.

غير أنّ النفوذَ الغربي أقوى في الاقتصادِ وفي استخدامِ العقوباتِ. وينبغي على الدولِ الغربيةِ مواصلة استخدام نفوذها في المؤسساتِ الماليةِ الدوليةِ إضافةِ إلى القطاعِ المصرفي العالمي، وصناعات الطاقةِ والتأمينِ لمنع صادراتِ النفطِ غير القانونيةِ وللعمل باتجاهِ إصلاحات في البنكِ المركزي، وإعادةِ توحيده في نهايةِ المطافِ.

كما أنَّ الشللَ في مجلسِ الأمن يزيدُ من الحاجةِ إلى استخدامٍ أوسع نطاقاً للعقوباتِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ ضد الشركاتِ والأشخاصِ المتورطين في أعمالِ انتهاكاتِ حظرِ الأسلحةِ ومحاولاتِ تصديرِ النفطِ بشكل غير قانوني. ومحاكمةُ جرائمِ الحربِ، في إطارِ الاختصاص القضائي العالمي، أمرٌ أساسي لتشكيل رادعٍ للمجموعاتِ المسلحةِ التي مكَّنها الممولون الأجانبُ.

ولكبحِ النفوذ الروسي، ينبغي على الاتحادِ الأوروبي فرضَ عقوباتٍ لتقويضِ حفتر، الذي تعتمدُ عليه روسيا كمضيفٍ وشريكٍ. وبالتوازي، ينبغي على الدولِ الغربيةِ أخيراً أن تدفعَ بمصالحها -المتمثلة في استقرارِ ليبيا- بقوةٍ أكبر عند التعاملِ مع داعمي حفتر الأجانب الآخرين، لا سيما مصر والإمارات العربية المتحدة، لثنيهم عن استمرارِ التعاونِ مع روسيا.

 

فولفرام لاخر

ترجمة: يسرى مرعي

حقول النشر: المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية / موقع قنطرة 2020

 

 
هذه المقالةُ نسخةٌ محدّثةٌ من مقالةِ "التقسيمِ الكبيرِ" المنشورةِ على
الدكتور فولفرام لاخر باحثٌ في قسمِ الشرقِ الأوسطِ وأفريقيا بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ومؤلفُ كتاب "تفتيتُ ليبيا: البنيةُ والسيرورةُ في النزاعِ العنيفِ".

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة