بناة الجسور - سوري امتلك مفاتيح الأدب الألماني
رفيق شامي: غايتي سرد قصص دمشق الرائعة للألمان

"نسختُ بيدي لعامين أفضل روايات الألمان من غوته إلى توماس مان كلمة بكلمة حتى ترسخت لدي اللغة الألمانية الأدبية" - رفيق شامي راوي قصص عظيم من أنجح الكتاب بالألمانية نقل فن الرواية العربي إلى الألمانية حاصدا جوائز تقديرية ولم يستطِع زيارة وطنه سوريا إلا في قصصه. جيداء نورتش تقدمه لموقع قنطرة.

يوجد مَثَلٌ عربي مفاده أن الصَّبر والدّعابة أشبه بَجَمَلين يمكن بهما عبور كلِّ صحراء، وهو مَثَل مكتوب في بداية رواية رفيق شامي "صوفيا أو بداية كل القصص"، وهذا المَثَل معلقٌ أيضًا على جدار مكتبه لأنَّه يعني له الكثير.

 رفيق شامي يعيش ويكتب منذ نصف قرن في منفاه بألمانيا، ولم يعد يستطيع زيارة وطنه سوريا إلَّا في قصصه. حصل رفيق شامي على جوائز لا حصر لها تقديرًا لكتبه البالغ عددها أكثر من سبعين كتابًا، والتي تُرجمت إلى أكثر من ثلاث وثلاثين لغة، واليوم تملأ قراءاتُه لمقاطع من رواياته قاعات الاستماع الكبيرة.

الغلاف الإنكليزي لرواية "صوفيا، أو كيف تبدأ كل الحكايات" للكاتب السوري الألماني رفيق شامي.
وُلِدَ رفيق شامي ونشأ في دمشق، واضطر إلى الهرب إلى ألمانيا في عام 1970، حيث تعلم اللغة الألمانية وبذل جهدًا شاقًا في تعليم نفسه اللغة الألمانية الأدبية. وهو يكتب جميع كتبه -ومنها كتابه الأكثر مبيعًا "صوفيا، أو كيف تبدأ كل الحكايات"- بلغة غوته. يقول رفيق شامي: "أرى سردَ القصص بالألمانية مرتبطًا -في سيرتي الذاتية- بحرِّية الكتابةِ والسردِ مثلما تتطلب القصة أو الرواية وليس كما يريدها شيخ العشيرة أو رقابة الديكتاتورية".

 وُلِدَ في عام 1946 لأسرة مسيحية آرامية سريانية في دمشق، وسُجِّل في السجل المدني باسمه الحقيقي: سهيل فاضل. درس في دمشق الكيمياء والرياضيات والفيزياء. وأسَّس في عام 1966 الصحيفة الجدارية الأدبية النقدية "المُنْطلق" التي حُظِرَتْ في عام 1970، وفي العام نفسه اضطر للهرب من الخدمة العسكرية والحياة تحت الرقابة بحقيبة مليئة بكتاباته عن طريق لبنان إلى مدينة هايدِلبِرغ الألمانية، حيث تعلَّم اللغة الألمانية وتابع دراسته وحصل في عام 1979 على درجة الدكتوراه في الكيمياء.

غير أنَّ قلبه بقيَ معلقًا بقصص وحكايات وطنه سوريا، بالشوارع والروائح إبَّان طفولته في حيّ باب توما المسيحي بدمشق، وهو ما جعله يعود من خلال قصصه إلى هذه الأماكن، التي لم يعد يستطيع زيارتها بنفسه، مُطْلِقًا على نفسه منذ ذلك الحين اسم "رفيقٌ شاميٌّ"، بما يحمله هذا الاسم من معنى بأنه صديق للآخرين قادم من بلاد الشام.

وفي تلك المرحلة لم يكن حتى يتصوَّر أنَّه قد يُدخِل ذات يوم فنَّ الحكايات والرواية الخيالية العربي إلى الأدب المكتوب باللغة الألمانية وينشر العديد من الكتب الأكثر مبيعًا باللغة الألمانية -أو بالتحديد الأدب العربي في المهجر الذي يسحره منذ أيَّام دراسته في دمشق على غرار الأدب العربي الذي نشأ في الولايات المتَّحدة الأمريكية- على خُطى الكتَّاب العرب الذين أبعدتهم عن أوطانهم القوى الاستعمارية، ومن أشهرهم الفيلسوف والشاعر خليل جبران (1883 - 1931) الذي وُلِد في لبنان وهاجر في وقت لاحق إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية.

آمن رفيق شامي بأن مصيره هو مصير أدباء المهجر ورأى نفسه كاتبًا عربيًا في المنفى، وحَوْلَ ذلك يقول رفيق شامي إن "عهد الديكتاتوريين العرب أسوأ من زمن جميع سلاطين العثمانيين، فالكاتب تُحظَرُ أعماله الأدبية في كلِّ مكان إن لم يكن تابعًا للنظام الحاكم" في العالم العربي، ورَفَضَت جميع دور النشر هناك أن تنشر روايته "حكواتي الليل" ما لم تخضع للرقابة.

وبالنتيجة امتلك رفيق شامي اللغة الألمانية الأدبية امتلاكًا دقيقًا، وفي هذا السياق يقول متذكِّرًا: "نسختُ بيدي طيلة عامين أفضل الروايات الألمانية من روايات غوته إلى روايات توماس مان كلمةً بكلمة حتى ترسَّخت لديّ اللغة الألمانية الأدبية".

"بعد ذلك بدأتُ أنقل بحذر قصصي وحكاياتي الخيالية ورواياتي المكتوبة بالعربية إلى الألمانية". وقد فعل ذلك بنجاح. فروايته "حكواتي الليل" -الصادرة بالألمانية عن دار نشر دويتشه تاشِنْبُوخ DTV في عام 1989- حقَّقت له إنجازًا خارقًا ونجاحًا عالميًا. ومنذ ذلك الحين أصبح يكتب جميع رواياته باللغة الألمانية. وفي هذا الصدد يقول: "أرى سردَ القصص بالألمانية مرتبطًا -في سيرتي الذاتية- بحرِّية الكتابةِ والسردِ مثلما تتطلب القصة أو الرواية وليس كما يريدها شيخ العشيرة أو رقابة الديكتاتورية".

رحلات سردية رائعة

إلقاؤُهُ لمقاطع روياته أمام الجمهور لا يشترك إلا بالقليل مع الفعاليات الأدبية الكلاسيكية المعهودة، فأثناء الإلقاء لا يجلس رفيق شامي -الراوي الموهوب للغاية- خلف طاولة تحت مصباح قراءة في قاعة ضوؤها خافت بل إن هذا المؤلف -ذا النظارات المستديرة والسترة المطرَّزة- يأخذ منذ أكثر من أربعين عامًا جمهورَه في رحلات سردية رائعة أصبحت بالنسبة للكثيرين تجربةً لا تُنسى، مُطلِقًا على قراءاته لمقاطع رواياته أمام الجمهور اسم "أفلام سماعية".

 

 

 يقود جمهوره عبر أزقة دمشق ويجعلهم يرون ويسمعون ويتذوَّقون ويشتَمُّون ما يعيشه أبطاله. قصةٌ تلد الأخرى وأبوابٌ تنفتح فجأة على مشاهد ومشاهد جانبية في سلسلة لا تنتهي من حلقات ذات تجدد دائم. يحبُّ الجمهور الناطق باللغة الألمانية هذه القصص والحكايات، التي يرويها لهم رفيق شامي شفويًا.

 لقد أصبح رفيق شامي منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا على نحو متزايد وجهًا لسوريا أيضًا وسفيرًا لوطنه المفقود، فهو لا يكتب فقط قصصه وحكاياته الدمشقية باللغة الألمانية بل ويقرأها أيضًا بِحُرِّية وباللغة الألمانية للجمهور، وهو لا يرى ذلك نوعًا من الموازنة ثقافيًّا ولغويًا بل إثراءً له وللغة الألمانية على حد سواء، كما يقول:

"لقد تعلمت أنَّ الجُمَل التي تبدو ’عادية‘ في اللغة العربية يُصبح وقعُها مُبَهْرَجًا بشكل مبالغ فيه وزائد عن الحد حِينَ تُتَرجَم حرفيًا إلى الألمانية. الأدبُ الألماني اكتسب من خلالي قصصًا وحكايات لم تكن موجودة فيه من قبل":

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة