"بيت واحد" للعبادة في برلين للمسلمين واليهود والمسيحيين

الديانات التوحيدية تحت سقف واحد في عاصمة ألمانيا

كثيرا ما يتم ربط الأديان بالنزاعات. ولكن يراهن في برلين مسيحيون ويهود ومسلمون على مشروع مضاد، فكرته: إنشاء مسجد وكنيس وكنيسة في "بيت واحد" للعبادة. كريستوف شتراك والتفاصيل من العاصمة الألمانية.

هناك في الخارج، المدينة صاخبة. تقع ساحة بيتري على واحد من أكثر المحاور المرورية ازدحامًا في برلين، إذ إن فيه ستة مسارات للتوقُّف والمرور. أمَّا هنا في الداخل - في الجزء الداخلي من جناح المعلومات المبني من الخشب وزجاج البلكسي، تصفِّر رياحُ شهر كانون الثاني/يناير الباردة من خلال الشقوق.

بعد فترة دامت نحو عام ونيِّف، ها هم حوالي مائة شخص تقريبًا جاؤوا كي يودِّعوا جناح المعلومات هذا. وذلك بسبب بدء التجهيزات لأعمال البناء في ساحة بيتري المحاطة ببنايات عالية مكوَّنة من عشرين طابقًا -يعود بناؤها لألمانيا الشرقية- وفنادقُ جديدة ومبانٍ قيد الإنشاء. سيتم في الأيَّام القليلة التالية تفكيك جناح المعلومات (المؤقت)، ثم تأتي الحفَّارات والجرَّافات.

كنيسة وكنيس ومسجد

من المقرَّر أن ينشأ هنا في غضون بضعة أعوام المشروع الأكثر فرادة من نوعه في جميع أنحاء العالم، أي: مشروع "بيت واحد". وهو بيت عبادة مشترك للمسيحيين واليهود والمسلمين، فيه كنيسة وكنيس ومسجد. ثلاث قاعات تحيط بقاعة اجتماعات مركزية. يقول الحاخام أندرياس ناخاما: "هذا البيت، يرسل رسالة تفيد بأنَّ التعايش والتشارك بين الديانات الثلاث يسير بنجاح".

قبل نحو عشرة أعوام، اتَّحد ممثِّلون ملتزمون عن الديانات التوحيدية الثلاث في مبادرة من أجل هذا البيت المشترك. وقد نشأ عن ذلك الآن في مدينة برلين مؤسَّسة محترمة. ومن هذه الفكرة نشأ مشروع. ولفترة طويلة كان يبدو هذا المشروع مثل حلم جريء للغاية. ذلك لأنَّ هذا البناء المعروض بالفعل كنموذج على مستوى دولي - في شيكاغو وباريس - يعتبر خاصًا من نوعه. 

فهو يحفظ في باطن أرضه بقايا أثرية من تاريخ المدينة ومن مختلف الكنائس، التي تم بناؤها هنا أو تم تدميرها أو أُعيد بناؤها أو تعرَّضت للقصف. ومن المقرَّر أن يرتفع إلى أعلى بارتفاع أربعين مترًا نحو السماء، وأن يصبح بالتالي رمزًا للتآلف والتعاون.

تبلغ التكاليف المخططة للبناء ثلاثة وأربعين مليون ونصف مليون يورو. لكن التبرُّعات بدأت تتدفَّق من بلدان عديدة. في الخريف تعهَّد البرلمان الاتِّحادي الألماني (البوندستاغ) بتقديم مبلغ عشرة ملايين يورو، إذا ساهمت في تكاليف البناء أيضًا ولاية برلين والمانحين من القطاع الخاص. والآن تم تحديد يوم الرابع عشر من نيسان/أبريل 2020 من أجل وضع حجر الأساس.

الإمام قادر سانجي والقس البروتستانتي غريغور هوهبرغ والحاخام أندرياس ناخاما (من اليسار إلى اليمين) أعضاء في مجلس أمناء مشروع "بيت واحد" للعبادة -في العاصمة الألمانية برلين- للديانات التوحيدية: الإسلام والمسيحية واليهودية. Foto: DW/Christoph Strack
مشروع هدفه الحوار: يعمل من أجل مشروع "بيت واحد" للعبادة في العاصمة الألمانية برلين ثلاثة ممثِّلين عن الإسلام والمسيحية واليهودية. الإمام قادر سانجي والقس البروتستانتي غريغور هوهبرغ والحاخام أندرياس ناخاما (من اليسار إلى اليمين) أعضاء في مجلس أمناء هذا المشروع.

{فكرة "البيت الواحد" المشتمل على مسجد وكنيس وكنيسة تناسب العاصمة الألمانية التي تفخر بطابعها العلماني وتنوعها الديني.}

أمثولة "الخواتم الثلاثة المتماثلة"

لقد تم اختيار هذا اليوم عن قصد، لأنَّ الرابع عشر من نيسان/أبريل عام 1783 قد شهد العرض الأوَّل لمسرحية "ناتان الحكيم" في برلين. على الأرجح أنَّ هذا العمل العظيم للفيلسوف الألماني غوتهولد إفرايم ليسينغ (1729-1781) هو أهم أعمال الأدب الكلاسيكي المكتوب باللغة الألمانية حول تعايش اليهود والمسيحيين والمسلمين. استخدم ليسينغ في هذا العمل "قصة الخواتم الثلاثة المتماثلة". ترمز هذه الأمثولة إلى أنَّ الله يحبُّ الديانات التوحيدية الثلاث. ولهذا السبب فإنَّ هذه الديانات الثلاث ملتزمة بواجب التسامح.

"قصة الخواتم الرمزية تناسب كثيرًا فكرة البيت الواحد"، مثلما قال في الاحتفال أولريتش خون، مدير المسرح الألماني في برلين. وأضاف أنَّ هذه الصلة تُعْجبه. ثم انتقل رجل المسرح المحترم هذا من الوضع في المدينة الصاخبة بين المباني الشاهقة إلى الحديث حول الديانات الثلاث. ومثلما قال فإنَّ قوة الديانات الثلاث في هذا المكان تكمن "ربَّما - مثلما هي الحال مع قوة الفنّ - في عجزها وضعفها الواقعي، وليس في إظهار القوة والإقصاء وأهمية السلطة".

تناسب فكرة "بيت واحد" والمكان والاحتفال مدينة برلين، التي تفخر بطابعها العلماني وتقدِّم مع ذلك تنوعًا من الأديان. يشاهد المرء في جناح المعلومات (أشخاصاً يرتدون) الـ"كيبا" اليهودية والطاقية الإسلامية. تجلس في الصف الأوَّل نائبة رئيس البرلمان الألماني الاتِّحادي (البوندستاغ)، بترا باو، من حزب اليسار بجوار الناشرة فريدِه شبرينغَر، وكذلك سوسن شبلي وهي سياسية ألمانية مسلمة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي تعمل وكيلة وزارة الخارجية في حكومة ولاية برلين. 

عزف مفوَّض الحكومة الألمانية الاتِّحادية لشؤون الحياة اليهودية في ألمانيا ومكافحة معاداة السامية على آلة الكمان في الفرقة الوترية الرباعية وشرح للحضور روحانية هذه الموسيقى.

كان الحاخام أندرياس ناخاما والقس البروتستانتي غريغور هوهبرغ والإمام قادر سانجي يصلُّون ويتلون أدعيتهم مُتَرَنِّمين وطالبين بكلماتهم البركة لهذا المشروع: "نحن نصلِّي من أجل الذين يتحمَّلون المسؤولية في السياسة والدين والمجتمع، من أجل برلين وبلدنا وأوروبا والعالم".

ثم تلاهم الخطباء. حيث قال وكيل وزارة الثقافة في حكومة برلين، السيِّد غيرّي فُوْب (من حزب اليسار) إنَّ المبنى المخطط بناؤه سيكون "موقعًا للتآلف والتعاون الديني واللقاء". وتحدَّث عن "هندسة معمارية مميَّزة في ساحة مركزية بالمدينة".

مهندس معماري في حوار مع الديانات الثلاث

المهندس المعماري البرليني فيلفريد كوهن مسرور، فقد فاز في المنافسة الدولية لتصميم البناء بعد أن قام بتخطيط المبنى، الذي يمدحه الجميع كثيرًا الآن. وقال في حديث مع شبكة دويتشه فيله الإعلامية: "تعتبر المباني الدينية بحدِّ ذاتها تحديًا كبيرًا، وهو واحد من أجمل التحدِّيات. وذلك لأنَّه يتعلق بمكان لا يستخدم لأغراض عملية، بل للمُثُل والأفكار، تمامًا مثل الفنّ والموسيقى".

فيلفريد كوهن المهندس المعماري المسؤول عن مشروع "بيت واحد".  Foto: DW/Christoph Strack
وضع حجر الأساس في شهر نيسان/أبريل 2020: يعتبر فيلفريد كوهن المهندس المعماري المسؤول عن مشروع "بيت واحد". يقدِّر القائمون على بناء مشروع "بيت واحد" أنَّ بناءه يستغرق ثلاثة أعوام وتبلغ تكلفته ثلاثة وأربعين مليون ونصف مليون يورو. تم تحصيل ثمانية ملايين ونصف مليون يورو من التبرُّعات والمساعدات، كذلك تعهَّدت الحكومة الألمانية الاتِّحادية بتقديم عشرة ملايين يورو بشرط أن يساهم كلٌّ من ولاية برلين والمانحون من القطاع الخاص بعشرة ملايين يورو إضافية. من المفترض أن يتم جمع المبلغ الباقي من التبرُّعات.

{تُعَبِّر المباني الدينية عن المُثُل والأفكار تماما مثل الفن والموسيقى.}

ثم تحدَّث حول العمل الجماعي على "برنامج توزيع المساحة" في مشروع "بيت واحد"، الذي أجراه دائمًا في حوارات مع ممثِّلي الديانات الثلاث. "في كلِّ مرة نناقش جميعنا كلَّ شيء سوية. وهذا يعني أنَّنا لا نتحدَّث مع الإمام حول المسجد ومع الحاخام حول الكنيس ومع القسيس حول الكنيسة، بل نتحدَّث مع الثلاثة حول جميع القاعات الثلاث. ومن خلال ذلك فقد نشأ حوارٌ مثير للاهتمام حتى في مرحلة التخطيط، أظهر مسبقًا في الواقع ما يميِّز مثل هذا المبنى".

من المخطط له أن يبدأ المبنى في الارتفاع اعتبارًا من شهر نيسان/أبريل 2020، وفي عام 2023 سيتم افتتاح مشروع "بيت واحد". وهو "بالطبع"، مثلما يقول المهندس المعماري فيلفريد كوهن ناظرًا إلى هذا المشروع الفريد من نوعه: "في  غاية الجمال أيضًا. لأنَّهم (الإمام والحاخام والقسيس) يعيشون مهنتهم (فيه) بطريقة عميقة المحتويات، من النادر أن تكون ممكنة في مكان آخر". على الرغم من صخب المدينة من حول موقع البناء.

 

 

كريستوف شتراك 
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: دويتشه فيله /  موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.