ومضى إلى القول: "جمع القمامة مشكلة متعددة الجوانب، البلديات لا تؤيد بشكل رسمي وجود هذه المشكلة، أما الواقع فهو أن هؤلاء الأطفال واقعون تحت رحمة المقاولين المتعاقدين مع البلديات، والذين يقومون بجمع وتصنيف وفرز القمامة ثم تدويرها في المقالع على أطراف طهران الجنوبية، لاسيما أن هؤلاء الأطفال يسكنون في تلك المقالع".

الفقر يدفعهم لسلوك طريق القمامة!

لكنّ كل هذا لم يحل مشكلة الفقر المدقع الذي يهرب منه سكان الريف، ليجدوا في أزقة العاصمة وأحزمتها الفقيرة ومدن الصفيح جنوبها مكانا لجمع رزقهم ومسكنا لهم.

بقيت اتنقل في شوارع العاصمة، وحيثما شاهدت أطفال القمامة، حاولت أن أحاورهم، لكن حتى بغياب مراقبي العمل، وجدتهم يرفضون الحديث ويخافون وسائل الاعلام.

وهكذا مضى شوط كبير من الليل، ليفاجئني منظر رجل قد تجاوز الخمسين، وهو يحاول بمقشته أن يجمع كل ما خلفه المارة على رصيف ميدان ونك. رياح الخريف الباردة تطير بمعطفه العسكري البالي، فتظهر ملابسه الرثة. هو ليس البالغ الوحيد بين جيوش صبيان القمامة في طهران، لكنه بدا لي وقورا بشكل ملفت للنظر.

انصرفت عنه مؤقتا لأتجول في المنطقة وأزقتها، والتقطت صوراً لجيش الصبيان وهم يجمعون القمامة من أرصفة العاصمة العملاقة، وفي نفسي ألف سؤال منها، أحقا أن هؤلاء هم صبيان العاصمة العملاقة، وأين يذهبون بعد انتهاء العمل مع انتصاف الليل؟

بعد انتصاف الليل بنحو أربعين دقيقة، تجمع الصبيان والبالغين، في نقطة متفق عليها، وجاءت سيارات صغيرة وكبيرة وشاحنات مكشوفة وحتى عربات تسحبها جرارات زراعية فأقلتهم - وأنا معهم- إلى بارك قريب، حيث تجمعوا في ظهر باحة مسجد كبير يطل على البارك.

أطفال في إيران يعملون في جمع القمامة - بيروقراطية الفساد تحمي مافيا النفايات في طهران.
أطفال في إيران يعملون في جمع القمامة: أغلب من التقيناهم في طهران أكدوا أن القانون لا يبيح وجود شيء اسمه مقاول القمامة، فالبلديات هي التي تتكفل بذلك. لكنّ البلديات، بكادرها القليل جداً لا تستطيع قطعاً أن تصنف القمامة وأن تجمعها وتدورها، لذا تترك الأمر لاتفاق غامض غير معلن حول تدوير القمامة. وفقا لدراسة صدرت عن "جمعية الإمام علي للإغاثة الطلابية - الشعبية"، فإنّ كل صبي يجمع خلال اليوم 60 كيلوغراما في المعدل، وهم يعيشون في ورش تفريق وتصنيف وفرز القمامة.

وصل شخص متوسط العمر بسيارة أنيقة، ترجل منها وبيده حقيبة، وبدأ يقرأ أسماءهم، ويعطي كلا أجره. متوسط الأجر هو 10 آلاف تومان (نحو 3 دولارات وقت كتابة هذا التحقيق).

الكهل الذي لفت نظري و اسمه (أ. ع) منحه الشخص المسؤول 8 آلاف تومان، وهو يقول: "نحن نراعيك أيها الحاج لكبر سنك، ونرجو أن تتفهم موقفنا، فأجرك لا يمكن أن يكون مثل أجور الباقين، لأنك تعمل ببطء" .

بعد انتهاء مراسم توزيع الأجور، استقل الجيش الجرار نفس وسائط النقل التي أوصلته إلى المكان، لتبدأ رحلة العودة إلى حيث ينام جند القمامة المجهولون، رحلت معهم الى بيوتهم ممتطياً عربة يسحبها جرار.

بيوت الكرتون والصفيح والمُشمَّع!

بعد رحلة استغرقت ساعة كاملة في شوارع طهران الخالية ليلاً، ترجلنا أمام مبنى مهجور، يعيش كل الجمع في أرجائها. في الليل يبدو المكان ثكنة تضجّ بالحركة.

مشيت مع الحاج أ.ع ، لأصل معه إلى حيث يعيش. فوجدتها بقايا ثكنة مهجورة، تهدمت جدرانها، وقد بنى الحاج من علب الصفيح جدارا وسقفا لها، غلفه من الخارج ببقايا قطع النايلون الضخمة المستخدمة في تغليف أطوال القماش وأطوال الورق وأطوال المشمع الكبيرة المنتشرة على أرضيات  أسواق الجملة، فيما رُقِمَ الداخل بالكارتون للتقليل من تساقط أتربة السقف والجدران الرطبة.

جلس الحاج أ. على صندوق عتيق، ودعاني إلى التمتع بالجلوس على أريكة خشبية ينام عليها ليلا مفترشاً لحافا رثاً، وملتحفا ببضع بطانيات سوداء وكاكية بالية. ما إن جلسنا حتى أوقد لفافة تبغ، وبدأ يتحدث بلوعة مبررا وجوده في هذا المكان: "أعرف أنّ هذا العمل لا يليق بي، فأنا أحمل شهادتين، في الزراعة وفي تلقيح المزروعات، من جامعتي بهشتي في طهران، وآزادي آراك، لكن بعد خروجي من السجن، لم يقبل أحد أن يشغلني، فكان علي أن أرضى بأي عمل حتى تستقر الأوضاع".

فاجأتني صراحته، فسألته "متى غادرت السجن، ولماذا دخلته أصلا"؟ قال وهو يبتسم بمرارة: "غادرت السجن قبل شهرين، لفقوا لي تهمة لأني لا أشاركهم في مناسباتهم الدينية ولا أحضر صلواتهم في المشتل الذي كنت أعمل فيه، ولا أطلق لحيتي، وهكذا اتفقوا ولفقوا لي تهمة سرقة سموم مكافحة الحشرات العائدة للدولة وبيعها لحسابي. حقيقة الأمر غير ذلك، لكنّ الحال هو هكذا في الجمهورية الإسلامية، الموظف الحكومي مطالب بالحفاظ على مظاهر الإسلام بدقة، لكنهم سرقوا الوظيفة، وألغوا عقد العمل الذي أعيش عليه منذ 15 سنة، وتركوني عاطلا على الرصيف".

وعدت أسأله: " كم قضيت في السجن؟" قال حُكمت بخمس سنوات سجن، قضيت منها سنتين ونصف وشملني عفو المرشد لمن قرأوا وحفظوا القرآن في السجن فخرجت بنصف مدة الحبس". فاجأني ما قاله، فسألته مرة أخرى: "هل يُعفى من يحفظ القرآن من السجن؟"

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

تعليقات القراء على مقال : قصص جيش القمامة و"تجارة الولدان" في طهران

مقال متحامل على ايران لأنها شيعية وتبث الثورة الاسلامية للعالم العربي النائم.

عبد الحسين علمدار03.08.2018 | 11:36 Uhr

ما يحدث في ايران هذه الأيام من مظاهرات واحتجاجات، اكبر من هذا الربورتاج. في كل امة يوجد فقراء وزبالة وعاطلين وايتام، ما الجديد لكي يركز الكاتب على الأطفال ودورهم في جمع قمامة طهران؟ يحدث هذا في كل مكان.

محمد عدوان05.08.2018 | 11:15 Uhr

كل ما يحدث في إيران صدر إلى الدول ألعربيه العراق لبنان اليمن
ونحن نرى الحل يأتي من الداخل الإيراني فإذا هوى نظام الملالي سوف تسقط كل الأنظمة المستمده شرعيتها بسبب وجوده سواء حليف أو عدو

علي طاهر26.06.2019 | 17:35 Uhr