إنه بهذه التصرفات والتصريحات ينقص من شعبيته ويؤجج مشاعر الكراهية والحقد داخل الجمهورية الفرنسية التي قد تتحول في المستقبل إلى ساحة حرب بين المدن والضواحي، لا كما كانت في السابق يتهم بها شباب من الجيل الثالث أدمنوا تعاطي الحشيش أو أخفقوا في دراساتهم كما يصمهم ساسة اليمين الفرنسي، ولكن من قبل جيل من المثقفين والمحترفين الذين يؤذي مشاعرهم سب ديانتهم والتطاول على نبيهم لا بالعلم والنقد ولكن بالحقد والضغينة والأحكام العنصرية  التي مللنا من تكرارها.

أيضا المسلمون يصنعون مجد فرنسا

فرنسا التي بها آلاف الأطباء من المسلمين والمئات من الباحثين في المعاهد العلمية الفرنسية  والمركز الوطني للبحث العلمي،  وفي كافة الجامعات والمراكز العلمية المرموقة مسلمون يساهمون في صناعة مجد فرنسا العلمي والثقافي والفني والصناعي، ولا داعي لذكر الأرقام فهذه مسألة لا يشك فيها أحد حتى من اليمين المتطرف نفسه.

فهل يريد السيد ماكرون أن يتوقف كل شيء؟ إن هؤلاء الذين يطعن ساسة فرنسا في دينهم بالسخرية بحجة النقد والفكر الحر المستلهم من ديدرو ومونتيسكو وفولتير وفلاسفة الأنوار هم الذين يصنعون مجد هذا البلد، ولو أنهم وجدوا الحريات والبنى التحية للمعرفة والصناعة والحرية والديمقراطية في بلدانهم ما لجأوا إلى فرنسا وهم لا يعيشون مجرد عالة على الفرنسيين، حتى أباؤهم من الجيل الأول هم الذين اشتغلوا في أحلك الظروف وساهموا في رخاء فرنسا الاقتصادي باعتراف الفرنسيين أنفسهم.

قد يقول قائل إنها حرية الفكر وحرية السخرية من الدين وفرنسا بلد الحريات، ولكن نذكر الجميع بأن فرنسا نفسها التي تتغنى بالحرية يقول فيلسوفها  فولتير "حرية أصابعك تنتهي عند عيون الآخرين"، فهناك فرق بين نقد الفكر ونقد الدين من حيث هو نقد يراد به البحث عن الحقيقة وبين الحقد وبث الكراهية والسخرية كما فعلت شارلي إيبدو وهذا المدرس.

 

 

فرق بين المستشرقين ومجلة شارلي إيبدو

لقد كان المستشرقون الفرنسيون ينتقدون الإسلام في مؤلفاتهم ومحاضراتهم وندواتهم الجامعية والتلفزيونية، فما تعرض لهم أحد بشيء بل كانوا يأتون إلى العالم الإسلامي مرحبا بهم، وبعضهم يكتب بشيء قليل أو كثير من الموضوعية والآخر بشيء من  الاستعلاء العنصري أو التبعية لوزارة الخارجية الفرنسية، ومع ذلك فإن كتبهم مترجمة إلى العربية. هل نذكر ساسة فرنسا بـِـ سلفستر دي ساسي ولويس ماسينيون وبلاشير وجاك بيرك ومكسيم رودنسون وغيرهم؟

الهجوم على الإسلام كحصان طروادة للفوز بالانتخابات

كما أن اتخاذ الهجوم على الإسلام كحصان طروادة للفوز بالانتخابات مرة ثانية من قبل الرئيس ماكرون والتغطية على مشاكل فرنسا الاقتصادية والاجتماعية باتخاذ الإسلام كبش فداء مسالة غير أخلاقية وغير ناجعة لأن السحر سينقلب على الساحر.

مفتاح ديمومة السلم الاجتماعي في فرنسا

إن فرنسا -التي تعلم الناس معنى العقد الاجتماعي في فلسفة روسو وفضيلة الدين في الحياة الاجتماعية عند دوركايم وأهمية التجربة الروحية بغض النظر عن صلتها بالواقع العلمي والخبر ة الحياتية كما عند لوسيان غولدمان ومدرسة الحوليات- مجبرة على سن تشريعات توقف خطابات السخرية والكراهية والاستعلاء ضمانا لديمومة السلم الاجتماعي وإلا فهي مقبلة على حرب أهلية تدفع ثمنها غاليا، فلم يعد يعيش على أراضيها بضعة آلاف من المهاجرين بل الملايين وهؤلاء لا يرضون بالسخرية من معتقداتهم.

وعلى ساسة فرنسا النظر في عمق المشكل: لِمَ كان في فرنسا ظلاميون وأصوليون تعطيهم فرنسا كل شيء ويعطونها العنف والقتل؟

انتهاك لحقوق الإنسان باسم الحرية الفكرية المزعومة

إن الدين مسألة شخصية داخل المجتمع الفرنسي وهو غير قابل للنقاش. إن لكل شخص الحق في ممارسة اعتقاده وطقوسه في إطار فضاء المواطنة وعلى كل شخص أن يحترم غيره وألاَّ يسخر من عقيدته وطقوسه ورموزه الدينية وإلا عدنا إلى القروسطية ونحن ندعي الحداثة والمدنية والتقدم كما يدعي ساسة فرنسا دائما، فهناك انتهاك لحقوق الإنسان باسم الحرية الفكرية المزعومة. ولا يخفى على الحصيف الفرق بين النقد البريء الباحث عن الحقيقة والسخرية والكراهية والعنصرية.

 

 

إبراهيم مشارة

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة