تأثير أوروبا والغرب في الشرق من مصر والجزائر إلى تركيا وإيران

إرث نابليون بونابرت ـ"الأبدي"ـ

غزو نابليون بونابرت لمصر عام 1798 كان أول محاولة حديثة لدمج المجتمع الإسلامي في إطار أوروبي، ورغم إخفاقه العسكري الذريع لكنه ترك إرثا دائما بالمنطقة، إذ دفع الحكومات المصرية والعثمانية والإيرانية للتدخل أكثر في حياة رعاياها اليومية وتشكيل إداراتها وجيوشها بصورة أوروبية. تحليل ألكسندر ميكابريدزي.

"في البدايةِ كان نابليون" - هكذا استهلّ الراحلُ توماس نيبردي كتابه الشهير "ألمانيا من نابليون إلى بسمارك" حولَ تاريخ ألمانيا في القرنِ التاسع عشر. ولكن رغم أنّ نيبردي كان يشيرُ إلى الدورِ المركزي لنابليون بونابرت في إنشاءِ أوروبا الحديثة، فإنّ كلامه ينطبقُ أيضاً، من نواحٍ عديدةٍ، على الشرقِ الأوسطِ الحالي.

كان غزو نابليون بونابرت لمصر في عامِ 1798 بمثابةِ المثال الأول لليبرالية الإمبريالية وسلّط الضوءَ على السرعة التي تجاوزت بها الثورةُ الفرنسيةُ حدودَ فرنسا – وأوروبا. ورغم أنّ الحملةَ كانت عبارةً عن فشلٍ عسكري ذريعٍ، إلا أنها خلّفت إرثاً دائماً في المنطقةِ.

أدواتُ السيطرة الغربية

بدايةً مثّل الغزو المحاولةَ الحديثةَ الأولى لدمجِ المجتمعِ الإسلامي بالإطارِ الأوروبي، كما شكّل اللحظةَ التكوينيةَ لخطابِ الاستشراق، حين التقت كل مكوناته الأيديولوجية واستُخدِمت ترسانةٌ كاملةٌ من أدوات الهيمنة الغربية لحمايته.

لم يفعل الاحتلال بحدّ ذاته شيئاً يُذكرُ لتحديثِ المجتمعِ المصري، لأنّ المبادئ الثورية التي حاولَ الفرنسيونَ تقديمها كانت شديدة الراديكالية وأجنبية للغاية، ولاقت مقاومةً محليةً حازمةً.

 

دورية عسكرية فرنسية في الجزائر بتاريخ 21 / 01 / 1958. (photo: dpa)
محاولةٌ أخرى لدمج المجتمعِ الإسلامي في الإطارِ الأوروبي: في عام 1830، غزت القواتُ الفرنسيةُ، بعضهم من قدامى المحاربين في الحملةِ المصريةِ، الجزائرَ العاصمة على أساسِ خطط الطوارئ التي وُضِعت في عهدِ نابليون قبل عقدين من الزمنِ، وأرستِ الأساس لفترةِ من الحكم الاستعماري الفرنسي الذي دام لعام 1962.

 

غير أنّ نابليون خلق فراغاً سياسياً في مصر سرعانَ ما ملأه محمد علي باشا، الذي بدأ خلال عقدٍ بعد رحيلِ الفرنسيين في إرساءِ أسس مصر الخاضعة للإصلاحِ والتحديث والتي لعبت لاحقاً دوراً مهماً للغايةِ في الشرقِ الأوسطِ.

كما قلبت حملةُ نابليون المصرية السياسات الأوروبيةَ التقليديةَ تجاه المنطقةِ. فبدلاً من توجيه ضربتها المُزمَعة للقوةِ الإمبرياليةِ البريطانيةِ، دفع الغزو الفرنسي الإمبراطوريةَ العثمانيةَ -الحليف التقليدي لفرنسا- إلى تحالفٍ مع خصمتيها السابقتين روسيا وبريطانيا، وغيّر طبيعةَ التنافسِ الفرنسي-البريطاني في الشرقِ.

وحتى تلك اللحظةِ، كانت فرنسا تقليدياً قد شنّت غزواتٍ على الهندِ من قواعدها في جزرِ المحيطِ الهندي، معتمدةً على القوةِ البحريةِ التي كان من شأن البريطانيين مواجهتها بأسطولهم الخاص. بيدَ أنّ محاولةَ نابليون احتلالَ مصر برياً غيّرت هذه المعادلةَ تغييراً كبيراً من خلال إجبارِ بريطانيا على أن تأخذ بعينِ الاعتبارِ أيضاً، إمكانية توجّهِ قوى أخرى إلى الهند عبر الأراضي المجاورة لشبهِ القارةِ الهنديةِ.

وهذا ما دفعَ بريطانيا إلى السعي بشكل دائمٍ لتأمينِ المزيدِ من أراضي دول الدومينيون [المستقلة ذاتيا والتابعة للسيادة البريطانية] من أجل حمايةِ ممتلكاتها الهنديةِ من أي هجومٍ بري. وكما علّق مسؤولو شركة الهند الشرقيةِ البريطانية في عام 1798: "لقد كسبنا إمبراطورية بالقوةِ المسلحةِ، وينبغي أن تستمرَ بالاعتمادِ على القوةِ المسلحةِ، وإلا فستسقط بالأساليبِ ذاتها أمام قوةٍ متفوقةٍ". وقد عزّزَ هذا الاعتمادُ على القوةِ الراجَ البريطاني (الحكم البريطاني في الهندِ) حتى عام 1947 ودعم التدخلات البريطانية في مصر واليمن وعُمان وإيران وأفغانستان.

"المسألة الشرقية"

أثّرت الحروبُ النابليونية الأوسع تأثيراً كبيراً في المعقلِ الإسلامي. وبالرغمِ من أنّها ذات طبيعةٍ أوروبيةٍ في الأساسِ، إلا أنّها صاغت علاقةَ أوروبا مع العالمِ الإسلامي للقرن التالي.

إذ لم تجد الإمبراطوريةُ العثمانيةُ نفسها هدفاً للطموحاتِ الإمبرياليةِ الروسيةِ فحسب، ولكن أيضاً للمخططاتِ البريطانيةِ والنمساويةِ والفرنسيةِ التي ساهمت في استمرارِ خسائرها الإقليميةِ وظهورِ "المسألةِ الشرقيةِ". وإضافةً إلى ذلك فإنّ أوجه التشابه بين أساليب -وخطاب- نابليون وبين تلك المستخدمة في التدخلاتِ الغربية -في القرنِ العشرين في الشرقِ الأوسط- تؤكّدُ على التأثير طويلِ الأمدِ لإرثه.

في عام 1810-1812، وقبل قرن من ظهورِ "لورنس العرب"، كان وكلاء نابليون يسعون إلى تشجيعِ القبائل العربية في سوريا والعراق للتوحّدِ في ثورة ضد العثمانيين. ولاحقاً حقّقت الحكوماتُ الفرنسيةُ رؤيةَ نابليون بإمبراطوريةٍ استعماريةٍ فرنسيةٍ.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة