احتجاجات شعبية في السودان على الانقلاب العسكري.

تأثير الأخبار المضللة على ثورة السودان
السودان: هل يُلدغ الثوري من جحر مرتين؟

من شأن الاعتراف بحجم خطر تداول الأخبار الزائفة في قضية تسليم الحكم للمدنيين الإسهام في تحصين إنجازات الشعب السوداني الحر من الانقلابات. تعليق محمد بدوي مصطفى.

جس نبض الشارع والفيك نيوز: حقيقة يا سادتي أننا كلنا نعاني في الوقت الحالي من الأخبار الكذوبة والكاذبة، ومن آثار النشرات المضللة للرأي العام، فصرنا وحدث ولا حرج ضحايا هذا العالم المريب الغريب الذي انبنى وكأنه قصر واهن من البطاقات أو الكرتون أو كما العهن المنفوش.

صرنا نعاني نفسيًا وبشدة، ونجاهد بصبر وجلد أن نعي ونفهم ماهية الراهن السياسي والاجتماعي في بلادنا بدون زيف وعلى أرض الحقيقة. طفقنا نحارب بث الأساطير من جهة وانتشار البغضاء والحقد بين الشعوب من جهة أخرى وياما قامت حروب افتراضية شعواء لا يشق لها غبار، نالت العرض والشرف والسمعة، ولا نزال نراها قائمة بين الشعوب، لا سيما العربية، على سبيل المثال لا الحصر: بين السودان ومصر، بين المغرب والسعودية، بين سوريا وتركيا، بين العراق وأمريكا، إلخ، نعم، إننا نعاني بشدة من تلك الأساطير، دعونا نطلق عليها مصطلح "أساطير الآخرين بدلًا من الأولين".

ما بالنا نبث كل ذلك عن شعوب أو مجتمعات أو أناس لا علاقة لهم البتة بتلك الأخبار التي تسيء إليهم وإلى شرفهم، عن السودانيين والصعايدة والمغاربة والأتراك والمصريين، ووو إلخ؛ ولو بحثنا لوجدنا أن هذه الأساطير قد خلقت لكل فئة ملفًا، صُنفوا فيه بكل أسف كالأنعام، أو أشد بؤسًا.

حقيقة يا سادتي كل ذلك يُكتب، ينشر أو يبث عن تلك الأمم التي صارت تعاني من النظرة النمطية إليها دون ذنب اغترفته، فهل من سبيل إلى حلّ ناجع وطريق فاجع يردع كل من سولت نفسه أن يشاهر بشرفها وأمنها وأمانها؟

وسائل التواصل الاجتماعي تشهد أعدادا مأهولة من الأخبار المضللة

 

وهكذا الحال في بلدنا السودان، فالأخبار الكاذبة المضللة تظل حديث الساعة، لا سيما لدى الحكماء العقلاء الذين يتوخون فيها المصادر الأساسية والصحيحة.

فالوازع الذي دعاني لكتابة هذه المقدمة هو بالأساس الخبر الذي نُسب لقناة فرانس ٢٤، التي يُنقل فيه ويزعم، إن حقيقةً أم بهتانا، أن الفريق عبد الفتاح البرهان قد صرّح بأن العسكر سوف يقدمون أنفسهم للانتخابات القادمة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، بما في ذلك قوات الدعم السريع.

ونجد أن هذا الخطاب بائن من عنوانه، فإن كان الفريق قد صرّح بذلك فعلًا، إذن فهي المصيبة والطامة الكبرى، وإن كان قد نفى الخبر بعد حين، فيعني ذلك أنهم في المجلس السيادي وفي قيادات الحركات المسلحة، التي ارتكزت كلها على اتفاق جوبا، أنهم في الطريق إلى سرقة إنجازات الثورة. فإن عزموا على حكم البلاد عسكريًا، كما هي الحال في بلدان مجاورة، فعلى الدنيا السلام. فكلنا يا سادتي ضحايا في هذا العصر الرقمي، الذي تتخبط فيه الأخبار خبط عشواء. فلا نقدر أن نفرق بين الحقيقة والخيال؟

نعود لنقول إنّ قضية بث مثل هذه الأخبار من مؤسسات حكومية وعامة ينبغي أن يُتَوّخى في شأنها الحكمة والعقل، إذ أنّ هذه المهازل قد صارت في الآونة الأخيرة كشرب الماء. لقد أدخلتها مواقع التواصل الاجتماعي إلى صالون السياسة من أوسع الأبواب وعلى أكبر نطاق، كما وعممها الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بإسهاب فصارت مع كل أسف العادة لا الطفرة، بيد أنها من قبل، كانت حقيقة قابعة في أوساطنا، حتى قبل عصر العولمة والتواصل الرقمي، بيد أنّها لم تعرف بمصطلحها الآني المتداول لدى الكل كَـ: فيك نيوز.

على أيّة حال يجب أن نذكر بخطورة هذا الأمر وأن وسائل التواصل الاجتماعي تشهد أعدادا مأهولة من الأخبار المضللة والتي يمكن أن نطلق عليها مزيفة وهي تخدم بالأساس أجندات جماعات بعينها، وقد تختلف في طرق خلقها وبثها والتعامل معها.

نجد في الآونة الأخيرة، أنه صار لكل فرد منّا وازع لا يستهان به في بثّ العديد منها، بحسب انتقائه، تقبله وثقته بها.

ذلك دون أدنى رقيب أو حفيظ فيما تحتويه من مضامين ضارة كانت أم نافعة، صادقة كانت أم كاذبة، كل ذلك دون رقابة أي مؤسسات أو أطر أو معايير مهنية تُعنى بنقلها وتمحيصها أو نقل الأخبار عموماً وتغطية أخبار الشارع العربي.

 

عبد الله حمدوك رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان. sudanesische Premierminister Hamduk FOTO PICTURE ALLIANCE
تحصين الثورة: الاعتراف بحجم الخطر المداهم للثورة من تداول هذه الأخبار الزائفة في قضية تسليم الحكم للمدنيين سيساهم بشكل جذري وبقوة في مكافحة التضليل وتحصين الثورة والمجتمع والفرد على حد سواء من مآلات الثورات المضادة وسياسة التمكين والانقلاب على إنجازات الشعب السوداني الحرّ. وسائل التواصل الاجتماعي تشهد أعدادا مأهولة من الأخبار المضللة والتي يمكن أن نطلق عليها مزيفة وهي تخدم بالأساس أجندات جماعات بعينها، وقد تختلف في طرق خلقها وبثها والتعامل معها. وفق ما يكتب محمد بدوي مصطفى.

 

للأسف لقد عزز هذا الأمر من تكاثر الاستخدام العشوائي الذي كان له دور بيِّن وأثر ملموس في بانوراما الحسابات السياسية والمجتمعية؛ فأحدث حالة من الضرر البالغ والإيذاء الجماعي والجمعوي البيّن في عصرنا الحاضر على حد سواء.

هناك خبران قرأتهما في الآونة الأخيرة وهما يثيران الشك والريبة، انتشرا في الآونة الأخيرة كانتشار النار على الهشيم؛ الأول منهما يُعنى بتصريح البرهان لدى قناة فرانس ٢٤، الذي جاهر فيه – بحسب الرسالة، بأحقية العسكر في الاشتراك بالانتخابات القادمة؛ والثاني يقول أن رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك رجع إلى بيته وعزف تمامًا عن العمل، وأنّه لن يرجع إليه إلا بشرط، أن تطبق كل شروطه "المستحيلة"، بحسب الخبر، فالعلم لله إن كانت تلك أخبار كاذبة أم صادقة.

لذلك أكرر وأقول أننا نشهد في الفترة منذ اندلاع الثورة وإلى الآن حربا شعواء قوامها الأخبار الكاذبة وهذه بحد ذاتها تعتبر عقبة من العقبات الكبيرة التي ينبغي أن نتصدى لها وهي تقف كإحدى التحديات دون أدنى شك في طريق رئيس الوزراء، وكحجر عثرة في طريق تحقيق أهدافه، كإحدى التحديات العارمة التي لن يستطيع التغلب عليها إلا بسند ومرجعية ثورية وجماهرية كبرى.

إنّ هذا الارتفاع العظيم في نسبة الأخبار الكذوبة المتداولة هو دون أدنى شك سلاح من عزموا أن يحكموا السودان وحتى وإن كلفهم ذلك مال الدنيا وما فيها.

يمكرون ويتداولون -وكما تقول الأغنية يتغامزون- الأخبار المضللة للشعب وللثوار وهي كلها مزيفة من الأصل، تُبث بمختلف أشكالها وأنواعها ليصلوا إلى شيء واحد: حكم السودان والتمكن من كل صغيرة وكبيرة فيه، ومن ثم استنزاف ثرواته التي يعيشون هم وأهلوهم عليها، وما فقدوا الأمل قَطُّ في مواصلة المشوار إلى أن يشاء الله. لكن هل يخلفون الله على الأرض -كما زعموا- وهل سيحسنون العمل كما أشاعت أكاذيبهم تلك؟

وهل يلدغ الثوريّ من جحر مرتين وهي يستطيعون مجابهة الطوفان الثوري الذي انبرى لهم منذ سنتين ونيف؟ وهل هم على استعداد وإن كلفهم الوصول إلى الحكم قتل نصف الشعب؟ يا إلهي هل هذا كابوس أم حقيقة؟

لماذا لا ينصاعون لمشيئة الرب وأنّه يؤتي الملك لمن يشاء، ولقد آتاه الله لمن أراد التغيير ولمن أراد أن يعيش كريمًا عزيزًا في وطنه. أليسهم أهل لذلك؟

حرب ضروس لا تأتي فقط من مواقع التواصل الاجتماعي فحسب بل حتى من علياء المنابر

 

في الحقيقة تعجز الكلمات عن وصف هذه الحرب الضروس التي لا تأتي فقط من مواقع التواصل الاجتماعي فحسب بل حتى من علياء المنابر ومن جماعات وأقران شيوخ الزيف وأهل الملق والتملق الذين رقصوا كما رقص كبيرهم الذي علمهم السحر، بشير بلا بشارة وعمر بلا عُمْر، وحسن بلا أدنى حُسن يذكر، بل هو أشد بؤسًا من ذلك.

نعم، كبيرهم ونبيهم ووليهم، فكم من مرّة ركعوا له ولدولاراته المسروقة من خزائن الدولة ومن حرّ مال الشعب ومما أعطى الله الوطن من دعم خارجي.

كلها دخلت أجربتهم وجيوبهم وهذه لا تزال تقول: هل من مزيد؟ فلله درك يا بلدي ولله دركم ودرّكن يا ثوار ويا ثائرات فالطريق لا تزال وعرة والمشوار لا يزال طويلا ولكل مجتهد نصيب. ولا يسعني ألا أن أقول في هذا المقام والمقال قولة الشاعر التونسي البار ببلده، أبو القاسم الشابي، أبو الشعراء الثائر:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر (وقد استجاب هذا الأخير وسيستجيب أوله وآخره)؛ ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر (والقيد انكسر وسينكسر ثانية وثالثة والثورة ستستمر والله حليفك يا عازة والله مع الصابرين.)

يجب أن نحذر ... التأثير على صنع القرار - في السودان بلد المليون ميل مربع المبتورة

 

إن حملات بني كوز مستمرة ولم تتوقف قط وهم في دأبهم يعمهون، فإن تداعيات هذا الكم الهائل والتدفق المريع من المعلومات الكاذبة على الثورة (على شاكلة حدث ما حدث) ثقل الكاهل، ولا تزال قضية فض الاعتصام شوكة في نحورهم ولن يفلت الخائنون من عقابها وعواقبها.

لقد تجاوزت المحنة وبلغ بها السيل الزبى فصارت تصب في مجالات أخرى عديدة، تتموقع في خطاب يدعو إلى الكراهية وأن الثوار حفنة من الصعاليك الغدرة، وكل ذلك يهدف بدوره إلى التأثير على مراكز القرارات السياسية وعلى المنظومة الانتخابية، وهي بالأساس خطة مدروسة بعمق وذكاء خارق للعادة، فيجب أن نتوخى الحذر، وأهلنا يا سادتي بسطاء أوفياء وفقراء وكثير منهم دون أدنى مقومات التعليم أو الاستنارة، لذلك نراهم يصدقون كل من يأتي إليهم ببضع شوالات من العيش أو الذرة، ليقول لهم بكل تكبر (انظر قصيدة الشاعر نزار قباني في أسفل المقال) أنا ربكم الأكبر، أنا الأوحد الذي سيخرجكم من الظلمات إلى النور، أنا الأول والآخر والأجمل والأمثل من بين الكائنات، على حد قول الشاعر أعلاه في السيرة الذاتية لسياف عربي، يا للإبداع.

فكيف وصفهم بأدق الصفات ونحرهم بقلمه وبسيفهم الذي يشهرونه على الكل حتى يكون السلطان والكلمة الأخيرة لهم ولا لأحد غيرهم. منادين أنها إرادة البارئ وحكم الخالق في خلقه وما عليهم إلا البلاغ المبين وما علينا نحن الشعب، إلا أن ننصاع لذلك.

لكن هيهات فالبرهان -أقصد برهان ربي- وليس الذي انفرد بالقصر والصولجان والكرسي، في سبيل الوفاء بنبوءة أبيه سيفعل المستحيل لكن الأيّام دول.

ونقول لهم جميعا، كل من عليها فانٍ في هذه الدنيا وتبقى فقط أعمالنا الصالحة وحبنا لأوطاننا ونكراننا للذات في سبيل الحرية، والسلام والعدالة، فهلا يفقهون؟!

سوف يستمرون ويحاولون مرارًا أن يختلسوا السانحة في إحداث البلبلة بين فئات الشعب المختلفة وإثارة الضجات والكوارث ليلطخوا شرف الثورة والثوار بالدنس.

فرغم ذلك فإن الثورة مستمرة إلى أن يشاء الله، وحتى يبعث الرب فينا حكما ديموقراطيا عادلا ينعم به كل فرد في هذا البلد المعطاء.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة