كان هذا التدريب أيضًا بمثابة مقدَّمة لأسس الديمقراطية، بالإضافة إلى تأهيل المتدرِّبين لسوق العمل في ألمانيا. أُعجب هاني مشمش بتجربته في المساعدة على التحضير للانتخابات الإقليمية والبرلمانية في ولاية بافاريا في عام 2018. وقد حصل بذلك على فكرة عن كيفية سير الانتخابات الديمقراطية على المستوى المحلي. وبالإضافة إلى ذلك فقد تمكَّن من المشاركة في اجتماع لمجلس المواطنين، كان موضوعه التخطيط لبناء حوض سباحة داخلي. وهكذا تعرَّف من خلال هذا المثال المحدَّد للغاية على كيفية عمل مشاركة المواطنين.

لم يكن هاني مشمش المتدرِّب الوحيد الذي سارت أحواله على هذا النحو. أحمد الحمود - مثلًا - لاجئ سوري مولود في مدينة حمص وعمره ثمانية وعشرون عامًا، يعيش في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة أعوام. لم يتمكَّن في مصر لأسباب سياسية من إكمال دراسة القانون التي كان قد بدأها في سوريا. لذلك هرب إلى ألمانيا عن طريق تركيا على أمل أن يكمل دراسته هنا. ولكن نظرًا لعدم توفُّر بعض الوثائق المهمة لديه، فقد تم استبعاد هذه الفرصة. وقَبِلَ بكلّ ودّ وسرور بالمشاركة في الدورة التدريبية بمدينة ماينتال: "لأنَّني رغبتُ في العمل مع النصوص القانونية ومعرفة كيف تعمل البلدية في ألمانيا".

ربح وفائد للطرفين

تحمَّسَ أحمد الحمود لمعايشته كيفية تنظيم العمليات الديمقراطية في مكتب البلدية، وخاصة كيفية مناقشة المجلس البلدي استخدام أموال المدينة، وقد تحمَّسَ لحقيقة أنَّ التعبير عن آراء مثيرة للجدل أمر طبيعي. وحول ذلك يقول: "لا توجد لدينا في سوريا مثل هذه النقاشات. الناس يخافون لدينا من التعبير عن آرائهم بحرِّية".

لكنَّ اللاجئين السوريين لم يكونوا وحدهم المستفيدين من هذه الدورة التطبيقية. يعتبر التواصل اليومي بالمهاجرين ذا قيمة عالية بالنسبة لموظفي الإدارات، لأنَّ الانفتاح بين الثقافات مُدرَج على جدول أعمالهم اليومي. والتواصل المباشر مع الناس أفضل وسيلة للتقليل من التحفُّظات، مثلما تقول مفوَّضة الاندماج في مدينة كريفيلد تغريد يوسف: "جميع الدراسات حول الاندماج تصل إلى هذه النتيجة".

 

 

أثناء المقابلات العديدة والأحاديث والدردشات غير الرسمية، التي كانت تجري خلال استراحة القهوة أو على الغداء وتتناول وضع اللاجئين المعيشي والأطفال وأفراد الأسرة، تطوَّر لدى الموظفين الإداريين فهمٌ أفضل لوضع اللاجئين، مثلما يقول كارل-هاينتس كوستر، منسِّق سياسة التنمية المحلية في منطقة دوناو-ريس.

"أصبح معنى التواصل بين الثقافات ملموسًا حقًا"، مثلما تقول مفوَّضة الاندماج فيرينا شتروب: بالنسبة للإدارات البلدية كان مكسبًا كبيرًا أن نرى كيف تساهم امرأة محجَّبة ورجل عربي مساهمات مفيدة في عملنا اليومي ويقدِّمان أفكارهما الخاصة: "هذه تجارب تعليمية مهمة للإدارات".

اللاجئون كزملاء عمل بمهارات مهنية

ومن خلال ذلك لم يُنظر إلى اللاجئين تلك النظرة المعتادة كمتلقين للمساعدات، بل كزملاء عمل بمهارات مهنية. تعلَّم سامي مراد خلال فترة تدريبة في "مكتب الشؤون الاجتماعية وكبار السنّ والإسكان" في مدينة كريفيلد كيف يتم إنجاز طلبات الحصول على الدخل الأساسي لتأمين نفقات المعيشة. وهو يعرف الآن ما هي المعايير التي يجب إيفاؤها، ومَنْ لديه حقّ الحصول على مساعدات من الدولة وكيف يتم حساب مقدار هذه المُخَصَّصات.

كانت هذه تجربة مهمة بالنسبة لسامي مراد، الذي كان كلاجئ في البداية لا يعرف الدوائر إلَّا من منظور مُقَدِّم طلب. يقول سامي مراد: "طبعًا لغتي الألمانية ليست سليمة من دون أخطاء. كلُّ شيء جديد بالنسبة لي. ولكنني استطعت مرة أخرى خلال الدورة التدريبية تحسين معرفتي اللغوية بشكل كبير".

مساعدة من أجل إعادة إعمار سوريا

كانت تجربة اللاجئين في تغيير الأدوار وتقديم المساعدة للآخرين مفيدة جدًا من أجل تعزيز ثقتهم بأنفسهم. على سبيل المثال، استمتع هاني مشمش كثيرًا بوقته في مكتب المعلومات السياحية بمدينة نوردلينغِن. فهناك استطاع هذا الوافد الجديد أن يشرح للسيَّاح معالم المدينة والأماكن السياحية فيها.

 

 

غير أنَّ هذا المشروع المموَّل من قِبَل وزارة التنمية الألمانية لا يهدف فقط إلى تسهيل اندماج اللاجئين السوريين في ألمانيا، ولكنه يهدف أيضًا إلى تمكينهم من المساعدة في إعادة إعمار سوريا. ولكن في الواقع ها هو بشار الأسد أشد تشبُّثًا بجلوسه على كرسي الحُكم من أي وقت مضى في سوريا، وفي إدلب ازدادت حدة الصراع مرة أخرى. ولذلك لا يمكن الحديث في المستقبل المنظور عن إعادة الإعمار - ناهيك عن البدء من جديد بدايةً ديمقراطية.

تقول مديرة المشروع جِنيفَر إشيكافا من "وكالة الخدمات البلدية في عالم واحد": "نحن لا نعرف متى وكيف سيتغيَّر الوضع السياسي في سوريا". ولكن يمكن للبلديات الألمانية أن تقدِّم للاجئين السوريين لمحة عن كيفية عمل الإدارات المحلية البلدية والديمقراطية على المستوى المحلي. "هذا المشروع استثمارٌ في المستقبل".

 

كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة