تلميذة مسلمة محجبة في صف مدرسي في مدرسة ألمانية ابتدائية مع معلمة وتلاميذ وتلميذات آخرين.

تحجيب طفلات المسلمين بألمانيا
حجاب الأطفال: تعويد على الإسلام أم عزل عن مجتمع الألمان؟

قيم الديمقراطية والدساتير الأوروبية الحديثة تسمح بحرية اللباس والتعبير عن الهويات الثقافية المختلفة لكن هذا لا يُقابَل بالضرورة برضى في أوساط المجتمع الأوروبي بدليل الجدل حول الحجاب. ملاحظات منصور حسنو.

في سبت عظيم من أيام برلين خرج ثمانون ألف متظاهر برليني لدعم حرية المرأة الإيرانية في صورة من أعظم صور التضامن مع الشعوب الشرقية وحرية النساء فيه ومع هذه الصورة العظيمة تذكرت صورة أخرى احتفلت بها جماهير وأنصار الثورة السورية لامرأة سورية في الغوطة الشرقية من دمشق كان قد نزل صاروخا قد دمر البنيان وحوله إلى حطام والمرأة عالقة بين الأنقاض ترفض الخروج وهي مغطاة بالدماء قبل أن تضع حجابها!

لقد كانت بعض تعليقات السوريين على هذا المشهد: هذه هي العفة والطهارة والشرف عند نسائنا، ورغم أنّه يمكننا تفهم ديمومة العادة والعرف في المجتمعات وما يمكن أن تفعله من تجذر وتشبث مع الزمن إلاّ أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك فحسب بل الذي حدث مع تطورات الثورة السورية هو تطورات في الزي والحجاب في المناطق الخارجة عن سلطة الدولة حتى أنّ المناطق المسماة (محررة) في الشمال السوري أصبح الخمار الأسود الذي يغطي الفم والأنف والنقاب الذي يغطي كامل الوجه هو أبرز الملاحظات على وضعية المرأة السورية بعد 2011.

لم يقتصر الأمر على انغلاق ونقاب المرأة السورية، بل وصل الأمر إلى تحجيب الأطفال في المخيمات والمدارس ومنع الاختلاط وإذا كان هناك اضطرار للاختلاط فيجب أن تجلس النساء المخمرات أو المنقبات في الصفوف الخلفية وراء الرجال.

"الثورة السورية تعود بالمرأة السورية إلى ارث ثورة الخميني الإيرانية"؟

مع هذه الصورة المتناقضة بين النساء الايرانيات اللواتي ينتفضن على ارث الثورة الاسلامية الايرانية التي قامت عام 1978 نجد الثورة السورية عام 2011 تعود بالمرأة السورية إلى ارث الثورة الإيرانية وبهذا المعنى نستطيع أن نفهم عدم خروج أي مظاهرة باريسية أو برلينية تناصر ثورة السوريين رغم آلامها وحقانيتها لأنّ النظام السوري وإرث الإسلام الراديكالي عمدا إلى خلط الأوراق وتشويه الصورة بحيث كان معه التردد الغربي واضحا من فهم الثورة السورية.

العودة بالمرأة السورية إلى الحجاب والجلباب وتحجيب الأطفال لم يقتصر على الواقع السوري فمع قدوم عشرات الآلاف من العائلات السورية ومئات آلاف اللاجئين إلى أوروبا نلاحظ عودة واضحة إلى الحجاب والنقاب والجلباب في أوساط النساء السوريات وغير السوريات في بلاد اللجوء.

وإذا كانت قيم الديمقراطية والدساتير الأوروبية الحديثة تسمح بحرية اللباس والتعبير عن الهويات الثقافية المختلفة فيجب أن ننتبه أنّ هذا الأمر لا يقابل برضى داخلي في أوساط المجتمع الأهلي والمدني والمنظمات الحقوقية في أوروبا، فلا يزال هناك جدل كبير في أوروبا حول الحجاب في أماكن العمل والتعليم والجامعات.

تهدف هذه الإضاءة إلى دق جرس التحذير لسوء فهم الديمقراطية والحرية عند قسم كبير ممن حطت رحالهم أوروبا من اللاجئين.

 

جدل ارتداء التلميذات المسلمات للحجاب في ألمانيا. Deutschland Schülerin mit Kopftuch Debatte NRW FOTO dpa
جدل في ألمانيا بعد اقتراح بمنع التلميذات الصغيرات من ارتداء الحجاب: ثار جدل واسع في ألمانيا في سنوات ماضية بعد اقتراح بمنع التلميذات تحت سن الـ 14 عاما من ارتداء الحجاب. الاقتراح قوبل بدعم من بعض الأطراف ورفض من أطراف أخرى. فهل يعد هذا الاقتراح تعديا على الحرية الدينية أم حماية من التعرض للعنصرية؟

 

تحدثت سابقا في موقع قنطرة عن الحجاب وحرية المسلمة في نزعه أو ارتدائه دون قسر أو إكراه ولكن لم يعد سرا أنّ ما يجري على أرض الواقع هو انتهاك واستغلال وسوء تقدير وفهم للدستور والقوانين الغربية.

حجاب الأطفال في رياض الأطفال ومدارس التعليم الأساسي

لم يعد خافيا لكل من يتجول في المدن الألمانية انتشار الحجاب الكبير بين المسلمات من كل الجنسيات والقوميات ولكن الملاحظ أكثر وهو ما لا يستطيع الأوربي فهمه أو تفهمه هو انتشار الحجاب بين الأطفال، يستطيع أي باحث أن يتجول في المدارس الألمانية في كل الولايات الألمانية وشمال الراين خصوصا ليرى حجم الكارثة، وبهذا المعنى أستطيع القول في رؤية عميقة لمظاهرة برلين الكبيرة المناصرة لحرية المرأة الايرانية في كشف شعرها ونزع حجابها هي أيضا مظاهرة كبيرة ورسالة ألمانية تتضمن معاني الرفض الكامل لانغلاق النساء المسلمات في ألمانيا والرفض الكامل لغسيل الأدمغة التي تقوم بها مؤسسات دينية واعلامية ومقاطع يوتيوب دعوية مجنونة مهلوسة بالخوف من الغرب والجنس والتحرر لحث الأهالي على تحجيب أطفالهن بداعي الشرف والغيرة والخوف عليهن من التحرش الجنسي مستقبلا!

حجاب الأطفال لا يحمي النساء في المستقبل ولا يجعل هؤلاء الأطفال أصحاء سلوكيا ونفسيا بل يعرضهن للعزلة والتمييز والنبذ ولقد شاهدت رحلة مدرسية إلى حديقة الأطفال لطلاب الصف الثالث والأطفال يدردشن مع بعضهن بسرور في الحافلة عدا طفلة محجبة لا تضحك ولا يتحدث معها أحد في مشهد تراجيدي دفعني لأقول بيني وبين نفسي عن أهلها: قتلوها قتلهم الله!

تحجيب الأطفال اليوم في ألمانيا يشبه العادة الجاهلية التي استنكرها الإسلام يوم كان العربي يشعر بالعار عندما تلد زوجته أنثى ثم يقوم بعض هؤلاء الحمقى الجاهليين بدفنها في التراب وهي حية!

 (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت)

تحجيب الأطفال ليس في ألمانيا فحسب بل في الشرق والغرب هو قتل لهن، قتل للطفولة والبراءة واللعب والبسمة، قتل للنمو الطبيعي للطفل، قتل للنمو العقلي والنفسي، تحجيب الأطفال هو تعريضهم للتنمر والتمييز والكراهية وحرمانهم من بناء صداقات جميلة في المدرسة والحي والمدينة ثم إنّه ليس دينا ولا ثقافة ولا عادة بل هو نوع من الهوس المرضي والهيستريا الدينية!

ولا يخفي كاتب السطور أنّه ينظر بعين الريبة والشك ليس للتيارات الدينية التي تدعوا لحجاب الأطفال، بل حتى للشخصيات والأقلام الغربية التي تدافع عن حق الأهالي في تحجيب أطفالهم وهم لعمري يفعلون ذلك وهم على يقين أنّهم يكرسون التخلف عند المسلمين في أوروبا ويعرقلون آليات الاندماج والانخراط في المجتمعات الغربية أولاً ويساهمون في نمو رصيد أصوات أحزاب اليمين المناهضة للمسلمين والأجانب في أوروبا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة