"لدينا دليل على أن (الأسد) متورط في صنع القرار. لن أقول إننا أثبتنا ذلك بأنفسنا، لكن لدينا بالتأكيد بعض المعلومات التي تشير إلى تورطه في هجمات السارين". هذا ما أكده ستيف كوستاس، وهو رجل قانون مخضرم يعمل مع فريق التقاضي بمبادرة عدالة المجتمع المفتوح.

ووفقًا للوثائق المتوفرة، فإن ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري كان قد أعطى وقتها الأمر الرسمي على مستوى العمليات. وفقاً لهذا الأمر، كانت مجموعة النخبة داخل مركز البحوث/ SSRC التي يطلق عليها اسم "الفرع 450" قد قامت بتحميل العوامل الكيميائية (الغاز) على الرؤوس الحربية وكان اللواء 155 الصاروخي سيطلق صواريخ أرض-أرض تحت إشراف مباشر من ماهر الأسد.

يقول كوستاس: "لقد أظهرنا أن هناك وحدة محددة تسمى "الفرع 450" داخل مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا (SSRC)، والتي شاركت بشكل كبير في التخطيط لهجمات السارين وتنفيذها". وأضاف: "لقد أظهرنا التسلسل القيادي المتورط في تلك الوحدة وصلتها بالقصر الرئاسي".

حتى الآن، تعتبر الشهادات التي تصف التسلسل القيادي أقوى دليل متاح يربط بشكل مباشر بين الأسد واستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.

إدانة على أعلى المستويات

لكن هل يكفي ذلك ليصدر المدعون الألمان لائحة اتهام؟ بالنسبة لخبراء القانون الدولي، لا يلزم وجود أدلة قاطعة لإصدار لائحة اتهام من هذا العيار.

على مر التاريخ ، كانت هناك لحظات اتخذت فيها البلدان بشكل جماعي خطوات لإقرار العدالة ضد مرتكبي الفظائع الجماعية، مثل محاكمات نورنبرغ وطوكيو في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

كان المفهوم التأسيسي لمثل هذه المحاكم التي تحركها الأمم هو أن الأفراد الذين يشكلون جزءًا من هيكل القيادة يمكن تحميلهم المسؤولية عن الفظائع المرتكبة، حتى لو لم يرتكبوها شخصيًا.

وبما أن جرائم الحرب غالبًا ما تُرتكب من خلال شكل نظامي للقوات المسلحة، فإن القانون الدولي يقر بأن التسلسل الهرمي للقيادة يسمح بوقوع مثل هذه الانتهاكات، بحسب ما قال روبرت هاينش، مدير منتدى كالشوفن-جيسكيس حول القانون الدولي الإنساني في جامعة لايدن ، في حديث لـ دويتشه فيله.

ويضيف هاينش: "يمكن توجيه لائحة اتهام ضد الأشخاص الذين أصدروا أوامر لجنود عاديين أو أي شخص مسؤول عن شن الهجمات بسبب إصدار هذا الأمر - أو حتى إذا لم يأمر الشخص بذلك بنفسه ولكنهم كانوا على علم أو كان ينبغي أن يكونوا على علم بهذه الأمور.

وتابع: "بسبب وظيفتهم كقادة عسكريين، فإنه من الممكن تحميلهم المسؤولية - وهذا أمر مهم للغاية، وهو مدرج أيضًا في التوصيف القانوني الألماني للجرائم ضد القانون الدولي، لأنه من دون ذلك لن تكون قادرًا على تحميل هؤلاء الأشخاص المسؤولية".

في ألمانيا، تم استخدام القانون الذي أنشئت الولاية القضائية العالمية وفقاً له مرة واحدة فقط لإدانة الجاني. في عام 2015، وجد قضاة ألمان أن زعيم المتمردين الهوتو الروانديين إجناس مورواناشياكا ومساعده مذنبان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أُلغيت إدانة مورواناشياكا بعد ثلاث سنوات وتوفي أثناء انتظار إعادة المحاكمة.

المحاكمة الوحيدة الأخرى التي استخدمت فيها الولاية القضائية العالمية لمحاكمة الجناة هي "قضية كوبلنز" التي استهدفت شخصيات بارزة في النظام السوري بزعم ضلوعها في عمليات تعذيب.

"ربما هذه هي البداية"

بصفته رئيس سوريا، يقود بشار الأسد القوات المسلحة السورية. وفي عدة مناسبات أوضح أنه بصفته القائد العام، فإن السلطة النهائية تكمن في مكتبه، وقال خلال لقاء تليفزيوني مع محطة سي سي تي في CCTV الصينية الحكومية في سبتمبر 2013 إنه "صانع القرار الرئيسي في تحريك وقيادة القوات المسلحة في سوريا".

لكن هناك عوامل أخرى حاسمة أيضًا للتمكن من الوصول إلى عقد محاكمة فعلياً.

حتى إذا قرر المدعون الفيدراليون تجاوز هذا الحاجز وتوجيه الاتهام إلى أعلى شخصيات النظام السوري المشاركة في عملية صنع القرار، فإن قضايا أخرى يمكن أن تعرقل القضية، بما في ذلك الحصانة السيادية، والتي بموجبها تتم تقليديًا حماية من هو في موقع رئاسة الدولة من الملاحقة القضائية.

وبالنسبة لأولئك الذين يسعون لتحقيق العدالة ضد كبار الشخصيات في النظام السوري، فإن هذا المسعى يمثل مهمة عصية على التنفيذ. لكن هذا لم يثنهم بعد عن الاستمرار في العمل.

يقول مازن درويش رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير: "نحن نعلم أن هذه العملية ستستغرق 10 أو 20 أو حتى 30 عامًا. لذلك يجب علينا أيضًا أن نحاول إعداد أنفسنا لاستراتيجية طويلة المدى. نعلم من جميع تجاربنا أن هذا ليس شيئًا سيتم الانتهاء منه في غضون يوم واحد"، "ربما تكون هذه هي البداية فقط".

ومنذ عام 2011، كلفت وحدة جرائم الحرب الألمانية ما يقرب من 12 من المدعين العامين بإجراء تحقيق تفصيلي في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

يعيش في ألمانيا الآن ما يقدر بنحو 600 ألف سوري، غالبيتهم العظمى ممن فروا من بلادهم هرباً من الصراع الوحشي. خلال طلبات اللجوء الخاصة بهم، كثيرًا ما يتم استجوابهم حول دورهم في الفظائع، سواء كضحايا أو جناة.

لكن ألمانيا ليست الولاية القضائية الوحيدة التي يخطط المدعون لمقاضاة مرتكبي الهجمات بالأسلحة الكيميائية في سوريا من خلالها، إذ يخطط اتحاد المنظمات غير الحكومية لتقديم شكاوى جنائية في ولايات قضائية أوروبية أخرى بحلول العام المقبل 2021.

وقال ستيف كوستاس من مبادرة "المجتمع المفتوح": "نأمل أن نتمكن من تحفيز المدعين العامين في الولاية القضائية العالمية للتحقيق في هذه الهجمات والاستماع إلى الأدلة التي قدمناها حتى يتمكنوا من بناء ملفات تحقيقات جنائية تدعم الملاحقات القضائية في المستقبل".

التوق إلى العدالة

 

الرئيس السوري بشار الأسد وشقيقه الأصغر ماهر الأسد.
وفقاً للوثائق التي اطلعت عليها دويتشه فيله، يُعتقد أن الرئيس الأسد قد فوض شقيقه بتنفيذ الهجوم الكيماوي: تشير الدلائل إلى أن ماهر الأسد الأخ الأصغر للرئيس بشار الأسد، والذي يُعتبر على نطاق واسع ثاني أقوى شخص في سوريا، كان القائد العسكري الذي أمر مباشرة باستخدام غاز السارين في هجوم الغوطة في أغسطس 2013. غير أن إفادات الشهود المرفوعة مع الشكوى الجنائية تشير إلى أن نشر الأسلحة الاستراتيجية، مثل غاز السارين، لا يمكن تنفيذه إلا بموافقة الرئيس الأسد.

 

تقع مكاتب مبادرة "الأرشيف السوري" في الطابق الأرضي من مبنى عادي في برلين، ولا يُزَيِّنها أكثر من سبورة بيضاء، وقد نجحت في عكس طابع الزهد لمؤسسها. بالنسبة إلى هادي، الذي يقيم الآن في ألمانيا، لم يكن هناك شيء أكثر أهمية من السعي لتحقيق العدالة في سوريا.

على الرغم من أن الجهود الدولية ركزت على إنشاء آلية مساءلة لمكافحة الإفلات من العقاب في النزاعات، إلا أنه بالنسبة لهادي ولكثير من السوريين الآخرين، فإن الهدف لا يزال بعيداً بقدر بعدهم عن الوطن.

قال هادي: "إن هذه الآليات التي تضمن المساءلة مهمة للغاية ... كما أنها تضمن أن يفهم الناس أن العدالة لن يطويها النسيان"، ويضيف: "إنها آليات مهمة – إلى أن يأتي الوقت الذي يمكن تحقيق العدالة والمحاكمة في سوريا، الأمر الذي سيكون له معنى مختلف للغاية بالنسبة للجميع هناك".

ويوافق على هذا الرأي مازن درويش رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، الذي اعتقل عدة مرات بسبب أنشطته المناصرة للقضية وتغطيته للصراع السوري.

وقال درويش: "هذه ليست عدالة". هذه هي الخيارات البديلة، لأننا في يوم من الأيام سننشئ نظام عدالة انتقالية محترَمًا في سوريا.

بالعودة إلى منزل إيمان ومحمد في مكان غير مصرح بالكشف عنه بألمانيا، فإن ذكريات ذلك اليوم تداعب كل لحظات يقظتهم. ومع ذلك، فإن هذا اليأس لم يردعهم عن الأمل في تحقيق العدالة يومًا ما ضد منفذي هجوم الغوطة.

تقول إيمان: "لقد علّمنا الظلم أن نكون شجعانًا. ولكن بقدر ما لدينا من الشجاعة، فإننا ضعفاء وما حدث أمامي لا يفارق ذهني".

تضيف: "هذه هي أمنيتي في هذه الحياة: أن تتم محاسبة [الأسد] - هو وجميع أولئك الذين أجرموا في حقنا وفي حق كثيرين آخرين، الذين ظلموا العديد من الأطفال وتركوا الكثيرين من دون مأوى".

 

 

لويس ساندرز وَ بيرغيتا شولكه وَ يوليا بايَر

ترجمة: ع.ح

حقوق النشر: دويتشه فيله 2020

 

 

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة