تحقيق حول معاناة مسلمي الأويغور في الصين

"إعادة تأهيل أقلية الإيغور المسلمة في الصين": نزيل سابق يكشف أساليب التعذيب

ذكر حقوقيون أن أكثر من مليون صيني مسلم محتجزون في معسكرات إعادة تأهيل صينية حكومية. وقال شاهد إن البدلة الحديدية وكرسي النمر ليسا إلا بعض أدوات التعذيب فيها. الحكومة لم تعد تنفي وجود المعسكرات لكنها ترفض اتهامات التعذيب. تحقيق عن معاناة مسلمي الأويغور.

عندما تحدث خيرت ساماركان عن أساليب التعذيب التي كان يستخدمها حراسه أمسك بقلم، ظل صوته هادئا، وبدأ يرسم. رسم شخصا، بدا هذا الشخص وكأنه يرتدي سترة أكبر منه بكثير. بدا هذا الشخص وكأنه فزاعة، ذات ذراعين مبسوطتين و قدمين بارزتين للخارج "هذه هي البدلة الحديدية"، بحسب ما قال خيرت ساماركان، وبهذا الاسم سمى الشاب البالغ من العمر 30 عاما الأداة التي يعذب بها الناس.

كان من يحشر داخل هذا الكورسيه يضطر للبقاء في نفس الوضع لمدة ساعات. علم ساماركان في رسمه بأسهم على كتفه الأيسر وعلى خصره وقال: "كان أشد الوجع هنا". ينحدر خيرت ساماركان من إقليم سنجان "شينجيانغ" الواقع غرب الصين، وأصبح يعيش الآن في كازاخستان المجاورة للصين، وتحدث معنا في مطعم بمدينة ألماتي، عن مصيره.

"اعتقالات تعسفية وتعذيب وإساءة معاملة"

ليست هناك بيانات رسمية من الحكومة الصينية، ولكن، ووفقا لمنظمات حقوقية وحكومات أجنبية فإن ما يصل إلى مليون صيني، بل وأكثر، محتجزون في معسكرات إعادة التأهيل، في هذه المنطقة غير الهادئة.

"القاسم المشترك بين هؤلاء المحتجزين هو أنهم ليسوا من قومية الهان التي ينتمي لها أغلب شعب الصين، ولكنهم في الغالب من الأقليات الإسلامية".

أغلب المحتجزين من مسلمي الأويغور وهي الأقلية الصينية التي يبلغ تعدادها نحو عشرة ملايين نسمة، وهم على قرابة من الأتراك، في حين أن آخرين، ومنهم على سبيل المثال خيرت ساماركان، من شعب الكازاخ، أو الأوزبيك أو القيرغيز. ظل ساماركان ستة أشهر في أحد هذه المعسكرات "و فكرت في الانتحار"، بحسب ما يستعيد الشاب الثلاثيني ذكرياته.

 

شكلت أقلية الأويغور المسلمين الناطقين بالتركية تقليدياً أغلبية السكان في إقليم شينجيانغ الذي يقع في أقصى غرب الصين.
معزولون ومهمشون: شكلت أقلية الأويغور المسلمين الناطقين بالتركية تقليدياً أغلبية السكان في إقليم شينجيانغ الصحراوي الواقع في أقصى غرب الصين. لكن الأويغور باتوا يشعرون -منذ التوطين الممنهج لصينيي الهان- بالظلم والتمييز على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

 

{تعتبر حكومة الصين البطش وسيلة فعالة تساعد على المزيد من الاستقرار. ولكن قصص القمع مثل تلك التي يحكيها صينيون مسلمون تبين أن العكس هو ما يحدث في الغالب، حيث يزداد الغضب من الحكومة الصينية.}
 

طالب وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، خلال زيارته لبكين في تشرين الثاني / نوفمبر 2018 بمزيد من الشفافية، فيما يتعلق بالصراع مع الأويغور وبحقوق الإنسان، مؤكدا على أن ألمانيا لا يمكن أن ترضى بوجود معسكرات إعادة التأهيل. 

شعور بالقهر الاقتصادي والسياسي والثقافي والاستغلال

أما صوفي ريتشاردسون، مديرة منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، فرع الصين، فلخصت مأساة حقوق الإنسان في الصين قائلة: "ترتكب الحكومة الصينية في شينجيانغ انتهاكات بحجم لم نشهده منذ عقود. هناك حديث لا يتوقف من قبل الأويغور مع خبراء أجانب، عن الاعتقالات التعسفية والتعذيب وإساءة المعاملة. واستخدمت الأمم المتحدة هي الأخرى كلمات حادة لانتقاد هذا الوضع، حيث وصفت لجنة الأمم المتحدة ضد التمييز العنصري، المعروفة اختصارا بـ CERD، شينجيانغ على سبيل المثال بأنها "منطقة خالية من القانون". 

ولم يعد القابضون على السلطة في بكين ينفون حقيقة وجود المعسكرات، ولكنهم يرفضون اتهامات التعذيب، حيث أصبحت تتحدث بدلا عن ذلك عن "مراكز التأهيل الوظيفي"، قائلة إن هذه المراكز تستخدم كـ "أحدث وسيلة" في مكافحة الإرهاب.

وبالفعل فإن شينجيانغ تعتبر إقليما مستقلا، وهي بؤرة صراع منذ وقت طويل، حيث تكررت كثيرا الاحتكاكات بين الأويغور وغيرهم من الأقليات الأخرى، والصينيين من عرق الهان. ومات نحو 200 شخص خلال اشتباكات  التي وقعت عام 2009 في مدينة أورومتشي، عاصمة الإقليم، والتي تقع على بعد نحو 2400 كيلومتر جوا من بكين.

تشعر الأقليات السكانية القاطنة في الإقليم بالقهر الاقتصادي والسياسي والثقافي والاستغلال من قبل صيني الهان الذين يحكمون الإقليم. وفي المقابل فإن الحكومة الصينية تتهم مجموعات من الأويغور بأنها تسعى للانفصال عن الصين.

تحاول بكين منذ التسعينيات بشكل قومي من خلال استراتيجية "جو ويست"، أي تطوير المناطق المتخلفة في الغرب من خلال الاعتماد على سياسة سكانية، حيث ينتقل الكثير من الصينيين من عرق الهان بأموالهم من المدن الساحلية شرق الصين إلى إقليم شينجيانغ.

 

 
 

فكرة "طريق الحرير الجديد"

كما يدفع رئيس الدولة والحزب الحاكم في الصين شي جين بينغ بفكرة "طريق الحرير الجديد"، تصبح شينجيانغ من خلاله عند تقاطع طرق للتجارة مع آسيا الوسطى، وذلك لأن شينجيانغ تقع على الحدود مع الهند وباكستان وطاجيكستان وقيرغيزيا (قيرغيزستان) وكازاخستان وروسيا ومنغوليا.

قال حاكم شينجيانغ، شوهرات زاكير، في مؤتمر صحفي في آذار/مارس 2019 بمناسبة المؤتمر الشعبي الشيوعي، وهو ملتقى البرلمان الصيني غير المنتخب: "فعلا، تشبه مراكزنا المدارس الداخلية التي يعيش فيها التلاميذ ويأكلون بشكل مجاني"، مضيفا أن مزيدا من نزلاء هذه المراكز يغادرونها تباعا ويعودون إلى حياتهم الطبيعية.

ولكن تحليل صور الأقمار الاصطناعية الذي قام به المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية، أسفر عن أن الصين تتوسع في هذه المراكز. وجد خبراء المعهد أن مساحة المعسكرات في شينجيانغ ارتفعت أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه منذ عام 2016.
 
وأُغلِقَت العديد من المعسكرات بالقرب من مراكز المدن، بحسب ما أوضح الخبراء، في المقابل تم إنشاء معسكرات أخرى في مناطق نائية، أو توسيع معسكرات قائمة بالفعل هناك. هكذا الحال أيضا في مدينة ينينغ، وهي مدينة محاطة بالجبال، يعيش فيها نحو 580 ألف نسمة، وهناك واجه فريق وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) صعوبات كبيرة في التحرك بحرية. فبمجرد وصول المراسلين إلى المطار، يتم استقبالهم من قبل امرأة ورجلين. تقدم المرأة نفسها على أنها موظفة في "مكتب شؤون الأجانب"، وتقول إنها تريد "تسهيل الزيارة"، ويرفض الرجلان الإفصاح عن هويتهما، ويتتبعان المراسلين في سيارة داكنة اللون. ولم نتمكن من إجراء مقابلات إلا في ساعة متأخرة من المساء، وبعد الهروب المتعجل من الباب الخلفي لأحد المطاعم.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.