تحليل: حزب الله اللبناني وإسرائيل لا يريدان محاربة بعضهما بل يدرسان أفضل خيارات منع اندلاع حرب

27.05.2020

عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بعد سنوات طويلة من العمليات العسكرية ضد قواتها والقوات المتعاملة معها كان حزب الله رأس الحربة فيها، كان جلال في الثالثة من عمره. اليوم (من مايو / أيار عام 2020)، وبعد مرور عشرين عاماً، يقول إن هذا "النصر" لا يزال في صميم ولائه الحزبي.

ويقول جلال (23 عاماً)، وهو اسم مستعار، لوكالة فرانس برس إنه يشعر اليوم بـ"عز وفخر بهذا الانتصار التاريخي وبطرد العدو الإسرائيلي" في 24 أيار/مايو 2000.

ويضيف "يتمنّى الجميع لو كانوا إلى جانبهم (مقاتلو حزب الله) يومها زمن الحرب والصعوبات وقاتلوا معهم وقدّموا أنفسهم فداءً لتراب أرضهم"، مضيفا أن عائلته كما أهالي الجنوب "أبوا الاستسلام والخضوع للهزيمة والذلّ".

وتأسس حزب الله عام 1982 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي بدعم من الحرس الثوري الإيراني، وانضم الى مجموعات يسارية تصدّت للقوات الاسرائيلية عبر سلسلة عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات على مدى سنوات، وتحول الى أبرز قوة ساهمت في تحرير الجنوب بعد نحو 22 عاماً من الاحتلال.

بعد عشرين عاماً على انسحاب اسرائيل، يفخر جلال الذي يقاتل شقيقه إلى جانب حزب الله في سوريا دعماً للرئيس بشار الأسد، بهذا "التحرير" الذي أصبح له عيد وطني في لبنان في 25 أيار/مايو، والذي حظي حزب الله على أساسه بإجماع محلي وعربي.

ويقول الأستاذ الجامعي بشير سعادة، مؤلف كتاب "حزب الله وسياسات التذكر"، لوكالة فرانس برس "يحتاج الحزب دائماً للقفز إلى الماضي، إما من خلال إحياء ذكرى الشهداء أو عبر مواجهة السرديات التاريخية في بيئته السياسية، أو تاريخ استعادة أراضيه، لإضفاء معنى على وجوده السياسي ورؤيته".

ويضيف "يُترجم الماضي إلى قوالب إيديولوجية متتالية، تُستخدم ويُعاد استخدامها لعكس عقيدة موحّدة".

قصص الحرب

وتخليداً للمواجهات التي خاضها ضد الإسرائيليين، افتتح حزب الله في ذكرى تحرير الجنوب العاشرة، "متحف مليتا للسياحة الجهادية" في منطقة إقليم التفاح، حيث كان يوجد موقع عسكري استخدمه مقاتلو الحزب قاعدة لشنّ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي والمليشيات المحلية المتعاملة معه.

قرب مدخل المعلم الذي يمتدّ على مساحة شاسعة ويضم أسلحة وعتاداً وبقايا دبابات وآليات إسرائيلية غنمها مقاتلو الحزب، تُعرض دبابة "ميركافا" إسرائيلية مدفعها معكوف قرب مدافن وهمية لجنود إسرائيليين. 

وتحت أشجار سنديان، تبدو مجسمات لمقاتلين، أحدهم بزي عسكري ممدد على حمالة واثنان يتشاركان في حمل عتاد ثقيل.

وفي المكان، نفق محفور في الصخر بطول مئتي متر، استغرق إنجازه ثلاث سنوات واستخدمه مقاتلو الحزب في حينها لقتال الاسرائيليين وإخفاء سلاحهم.

ويوضح الدليل السياحي في معلم مليتا محمد لمع لفرانس برس أن هدف المتحف أن "نقدّم للأجيال التي ستأتي في ما بعد دليلاً ملموساً على ما حصل" وإظهار أن "المقاومة نجحت والنضال محقّ".

ويرى أنّ ما يميّز هذا المعلم عن سواه "أننا لا نتحدّث عن متحف يُخلّد قضية أغلقت، بل قضية ما زالت مفتوحة، وإسرائيل ما زالت موجودة".

ويؤكد حزب الله بقيادة أمينه العام حسن نصرالله باستمرار أن "المقاومة" ستهزم إسرائيل.

في تموز/يوليو 2006، شنّت إسرائيل هجوماً مدمراً على لبنان استمر 33 يوماً، وجاء بعد خطف حزب الله جنديين إسرائيليين على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

وتسبب النزاع بمقتل 1200 شخص في لبنان معظمهم مدنيون و160 إسرائيلياً معظمهم جنود، إلا أن إسرائيل لم تنجح في تحقيق هدفها المعلن في أول الحرب والمتمثل بالقضاء على حزب الله، ما أظهر هذا الأخير في نهاية الحرب بموقع المنتصر.

وحظي حزب الله مجددا بتعاطف شعبي في دول عربية وإيران على أنه القوة التي تتجرأ على الوقوف في مواجهة إسرائيل، إلا أن شعبيته تراجعت الى حد كبير، داخلياً على خلفية توجيه أصابع الاتهام له في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وخارجياً مع تدخله العسكري في النزاع السوري الذي قسم العرب.

ومع تصاعد العداء بين إيران، حليفة حزب الله، ودول عربية عدة على رأسها السعودية ومصر تتهم طهران بالتدخل في شؤون العراق واليمن والبحرين وغيرها، لم يعد الحزب يتمتع بهالة الإجماع ذاتها. وهو يخضع لعقوبات غربية.

في العام 2000، كان انسحاب إسرائيل مقدّمة لدخول حزب الله إلى العمل السياسي. وتحوّل على مرّ السنوات لاعباً رئيسياً نافذا متحكّما الى حد بعيد بمفاصل الحياة السياسية في لبنان.

وطوّر الحزب الذي تدعمه إيران بالمال والسلاح، خلال السنوات العشرين الأخيرة ترسانته العسكرية وقدراته وأسلحته نوعاً وكمّاً، بما يتخطى قدرات الجيش اللبناني. ويقول محللون إنه يشكل اليوم قوة تهديد حقيقية لإسرائيل.

"جيل بعد جيل"

لكن المحللين يجمعون على أن الجانبين لا يريدان الحرب، بل يدرسان خياراتهما بأفضل طريقة تحول دون اندلاعها.

وتحلّ ذكرى التحرير على لبنان في خضم انهيار اقتصادي تحمّل شريحةٌ واسعة من اللبنانيين الطبقةَ السياسية وبينها حزب الله المسؤولية المباشرة عنه.

ويعمل الحزب على كسب حاضنته الشعبية وجذب الشباب إلى صفوفه من خلال شبكة مؤسساته الاجتماعية والطبية والتعليمية الثقافية وتخصيص رواتب للعاملين والمقاتلين في صفوفه ومساعدات للمحتاجين.

ويقول عباس (24 عاماً)، أحد مناصري حزب الله وقد استخدم اسماً مستعاراً، لفرانس برس عبر الهاتف، "عند التحرير كنت صغيراً ولم أفهم شيئاً، لكن أخبرني أهلي أن ما حدث كان عظيماً.. وتعلمنا جيلاً بعد جيل أن نقاتل الطغاة أينما كانوا".

ويضيف "ترعرعنا على هذا المبدأ، وطموح كل واحد منّا أن يحمل بندقية لنصرة المستضعفين ورفع راية الحق التي يمثلها حزب الله". أ ف ب 24 / 05 / 2020

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة