أسوأ الدكتاتوريات في العالم كانت "منتخبة"

أول متضرّر اليوم من هذه التعديلات الدستورية هو أردوغان نفسه الذي يُعتقد أنه المستفيد الأول منها أيضا، فالنموذج "الأردوغاني" المبني على الحكم الفردي، والذي طالما جذب معجبين كثيرين به هو اليوم في طريقه إلى التأسيس لدكتاتورية جديدة، "دكتاتورية منتخبة". ومن يعود إلى قراءة التاريخ يكتشف أن أسوأ الدكتاتوريات في العالم وأكثرها ضررا للبشرية كانت هي "المنتخبة".

عاش أردوغان، أخيرا، تجربتين عصيبتين، المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصيف الماضي، والاستفتاء على التعديلات الدستورية لتوسيع صلاحياته رئيساً، وفي الحالتين خرج أردوغان منتصرا، لكنه انتصارٌ بطعم الخسارة، حتى لا أقول "بطعم الهزيمة" كما وصفت ذلك "بي بي سي"، والخاسر الأكبر في الحالتين هو النموذج الديمقراطي التركي الذي كان أردوغان مؤسسه وعنوانه.

تركيا أمام مفترق طرق كبير

وبهذه التعديلات الدستورية، وضع أردوغان بلاده وشعبه أمام مفترق طرق كبير وحاسم، إما أن يختار أن يكون موحّدا ليعيد ترميم التجربة الديمقراطية التي بدأت تتآكل، حتى قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة، أو أن تؤدي نتائج الاستفتاء إلى تعميق حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع التركي، المنقسم على نفسه، ما قد يمهد لحكم استبدادي طويل، أو قد يُسرع بمحاولة انقلابية جديدة، تعود بالبلاد إلى حكم العسكر الذي لم يودّعه الشعب التركي إلا قبل سنوات قريبة.

فتركيا الحديثة، وعلى الرغم من تجربة حزب العدالة والتنمية التي حاولت أن تصالح بين العلمانية والديمقراطية، ما زالت لم تفطم بعد، وتاريخها الاستبدادي الذي رعته، ونظرت له "أصولية علمانية"، في سياق تاريخي وثقافي معقد، تحول فيه الجيش فيه إلى حارس للعلمانية ومناهض للديمقراطية. وخلال فترة حكم "العدالة والتنمية" (حزب أردوغان) بدا وكأن تركيا أصبحت قادرةً على المصالحة بين "الإسلام السياسي" و"العلمانية" و"الديمقراطية".

لكن، اليوم هناك مخاوف مشروعة من أن المحاولة الانقلابية الفاشلة وخطر تكرارها الذي مازال قائما، والاستفتاء على التعديلات الدستورية التي زادت من تقسيم المجتمع التركي، سيعيدان أكبر بلد سني في الشرق الأوسط إلى المربع الأول، ويضعانه أمام خيارين صعبين: العودة إلى "الأصولية العلمانية" أو الخضوع لأصولية جديدة هي "الأصولية الدينية الديمقراطية" التي يخيف شبحها كثيرين في العالم، في منطقة تشهد مخاضا تاريخيا، يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في أغلب بلدانه. وما بين الخيارين، يوجد خيار ثالث هو خيار الديمقراطية التي تتطلب تنازلاتٍ، وتُبنى على توافقات يفتقدها المجتمع السياسي التركي اليوم.

من المؤسف أن يتحوّل أردوغان الذي كان يُعتبر، بدون منازع، أول قائد للتجربة الديمقراطية التركية الفتية، ونموذجا للإسلام السياسي الديمقراطي، إلى أكبر خطرٍ يهدّد نموذجه وتجربته، وأكبر خطرٍ على الديمقراطية نفسها المهدّدة اليوم في تركيا!

 

علي أنوزلا

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط ).#

نشر هذا المقال في موقع العربي الجديد. موقع قنطرة يعيد نشره بالاتفاق مع الكاتب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.