وكما جرى أيضًا افتتاح مبنى رواق "بيلِفنيلي" للفنون والذي شُيّد وسط مصنعٍ سابقٍ للمشروبات الكحوليّة في حيّ "مَسلَك" المالي. وبعد أن كان ذلك البناء الأبيض عند تشييده في ثلاثينيّات القرن الماضي محاطًا ببساتين الفواكه، ها هو يقفُ اليومَ تحت ظلال مجمّع للأبراج ذات الواجهات البرّاقة. إنّ وجود مبنى لمصنعٍ قديمٍ قُرب مبنًى عملاقٍ من الزجاج والصلب جنبًا إلى جنب هو أمرُ جذّاب للغاية مثلما هو مثيرٌ للتوتّر، ولكنّه يظهر بشكل جليّ كأشدّ ما يكون الجلاء الترابطَ الوثيق بين كلّ من الفنّ وبين التجارة والرأسماليّة. 

وهذا ليس بحالٍ من الأحوال من قبيل الصدفة، إذ يجري تمويل غالبيّة المتاحف الفنيّة الكبرى في تركيا من قِبَل مؤسّسات وقفيّة خيريّة. "قوتش"، "صابانجي"، "جَرانتي"، "إيجزاجي باشي" – وجميعها شركاتٌ عملاقةٌ عريقةٌ لها مراكزها الثقافيّة التابعة بها. إنّ العديد من المعارض والحفلات الموسيقيّة والمهرجانات المُقامة في جنباتها هي من الطراز الرفيع، ولكن يبقى موضوع رعاية تلك المؤسّسات لهذه النشاطات مثارَ جدل، وبالأخصّ مشاركة مؤسّسة قوتش بمهرجان البينالي والتي دائما ما تجلب الكثير من الانتقادات بسبب نشاط الشركة في قطاع التصنيع العسكري.  

مزيجٌ اجتماعي وثقافيّ قابل للانفجار 

وفي المقابل ما فتِئت مؤسّسة قوتش تؤكّد بأنّ موقع متحف آرتِر الجديد في كلٍّ من حيّي دولاب ديري وطَرلا باشي يشكّل فرصةً للتبادل الثقافي والمشاركة المجتمعيّة. إذ ينوّه "جيمي بيرسون" من مكتب جريمشاو للهندسة بأن التباين العميق بين المكعّب الحجري الزجاجي وبين محيطه أمرٌ مقصود، وذلك مثلما يصفهُ المهندس المعماري: "إنّ وضع هذا الشيء هنا لهو أشبه برمي حصاة في بقعةٍ ما ومراقبة كيف ستغيّر الأمواج من مظهرها".  

 

متحف آرتِر في حي دولاب ديري - اسطنبول - تركيا. Foto: Ulrich voon Schwerin
عندما يسير الفن والجنترة جنبًا إلى جنب: قد تُسهِم المتاحف الحديثة مثل مركز "آرتِر" الثقافي بتغيير صورة المدينة وبإنعاش الحياة الثقافيّة وكذلك بجلب الزوّار. ولكن هذا قد يؤدّي بدوره لارتفاعٍ حادٍ في أسعار العقارات وبالتالي لدفع الطبقات الضعيفة اجتماعيّا إلى النزوح. "فالمساحة التي تبقّت للمهمّشين في تناقصٍ مطّرد" كما يعتقد المؤرّخ السيّد ملِيح إيسن.

 

ولكنّ المدير المؤسس السيّد فيريلي على وعي تام بأنّ المتحف الجديد سيتسبّب بارتفاعٍ حادٍّ في أسعار الإيجارات وكذا أسعار العقارات في الجوار. وعلى الرغم مم ذلك فقد أبدى السكاّن سرورهم بهذا التطوّر، كما يعبّر فيريلي عن ذلك. فقد كان السكّان في السابق يبادرون لمغادرة الحيّ بعد أن يعجزوا عن مجاراة تكاليف الحياة فيه، كما يضيف مدير المتحف. بيْدَ أنّه يتوجّب علينا اليوم قبل كلّ شيءٍ الحيلولة دون حلول "مستثمرين عقاريّين عديمي الرحمة" قد يسارعون لتشييد أبراجٍ ضخمة في هذا الحي.    

ولحيّ طَرلا باشي بالتحديد تجاربُ مريرةٌ مع ظاهرة الجنترة. فقد قامت حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيّب إردوغان منذ سنة 2006 ورغم المعارضة الواسعة بتمرير حزمةٍ من مشاريع التنمية الحضريّة والتي ترتّب عليها هدم مئات المنازل لكي تُقام مكانها مكاتبُ وشققٌ سكنيّة للطبقة الوسطى وبطابعٍ يحاكي النمط المعماري العتيق. ولم يتبقَّ اليوم من ذلك الحيّ التاريخي سوى بضع كنائس وواجهات مبانٍ قديمة.  

ولم يحظَ في السنوات الأخيرة حيّ آخر من أحياء إسطنبول بكلّ هذا الاهتمام من قِبَل وسائل الإعلام والباحثين وعالَم الفنّ، كما يؤكّد المؤرّخ السيّد إيسن. فالحيّ ذو التركيبة الاجتماعيّة والثقافيّة سريعةِ الاشتعال "فقيرٌ لكنّه جذّاب" [شعارٌ استخدمته حكومة ولاية برلين الألمانيّة قبل سنوات لجذب المستثمرين]. والآن ستستعى المؤسّسات الثقافيّة الكبرى "لاستغلال" تاريخ الحيّ، إذ أنّ "المساحة التي تبقّت للمهمّشين في تناقصٍ مطّرد" كما يعتقد السيّد إيسن، ولكن في نهاية المطاف لن تكون الصورة سوداء بالكامل أو بيضاء. 

 

 

أولريش فون شفيرين 

ترجمة: صهيب زمّال

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.