نظم حزب الشعب الجمهوري ومواطنون احتجاجا على ارتفاع فواتير الكهرباء والغاز الطبيعي في منطقة كاديكوي، إسطنبول، تركيا في 12 / 02 / 2022.

تركيا
هل تستطيع المعارضة التركية هزيمة إردوغان بعد عقدين في السلطة؟

معركة استمالة الناخبين في تركيا: رغم أزمة اقتصادية وسجل غير ديمقراطي متزايد لتركيا ما زال حزب إردوغان هو المفضل وفق استطلاعات. فما الذي يعيق المعارضة؟ تقرير عائشة كارابات من إسطنبول لموقع قنطرة.

أصدرت تركيا في آذار/مارس 2022 معدل التضخم السنوي الرسمي للبلاد. ولم يصدّق العديد من المواطنين الأتراك هذا الرقم (61%)، بما فيهم النائب عن حزب الحركة القومية (MHP) باكي إرسوي. فقد اشتكى إرسوي، مثل العديد من الأتراك، من ارتفاع الأسعار في الفترة الأخيرة، قائلاً إنّه ينبغي على الحكومة التوقّف عن غضّ النظر عن الواقع. ونتيجة لهذا، أُجبِر على الاستقالة من حزب الحركة القومية (MHP)، الحزب الذي يشكّل حليفاً قوياً لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان.

ومباشرةً بعد صدور معدل التضخم الرسمي عن معهد الإحصاء التركي (TÜİK)، أصدرت المجموعة المستقلة لأبحاث التضخم (ENAG) رقماً آخر. فقد وجدت هذه المجموعة من الاقتصاديين الأتراك المستقلين البارزين أنّ معدّل التضخّم السنوي في البلاد قد بلغ 142% في آذار/مارس 2022. وقد تواجه المجموعة المستقلة لأبحاث التضخّم تداعيات خطيرة بسبب تحدّيها الأرقام الرسمية لمعدل التضخّم السنوي. إذ ينتظر التصديقَ حالياً مشروعُ قانون لحزب العدالة والتنمية يقترح عقوبة السجن لأولئك الذين ينشرون إحصائيات بديلة من دون استخدام منهجية مُوافق عليها من قبل معهد الإحصاء التركي (TÜIK).

بيد أنّ معايير أخرى تشير كذلك إلى إجهاد متزايد في حكومة إردوغان. إذ يتجاوز معدّل البطالة الرسمي 10%، كما غادر أكثر من 1400 طبيب البلاد بسبب ظروف العمل السيئة، وإضافة إلى ذلك تستمر جرائم قتل النساء بالازدياد يوماً بعد يوم. وكشف استطلاع حديث أجرته جامعة يدي تيبه Yeditepe وشركة ماك MAC التركية للاستشارات والأبحاث أنّ 64% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 يرغبون بمغادرة تركيا لأنهم لا يرون أملاً كبيراً في المستقبل.

بينما تشير استطلاعات أخرى إلى أنّ حزب العدالة والتنمية، الذي يتولى السلطة منذ عام 2019 ويشهد تضاؤلاً في شعبيته، لا يزال متقدماً بنحو أربع أو خمس نقاط على حزب الشعب الجمهوري، المعارض الرئيسي.

من السياسة القائمة على الهوية إلى السياسة الطبقية

تركيا مجتمع شديد الاستقطاب، ويستند بشكل كبير إلى أنماط حياة وهويات مختلفة. كما ينعكس هذا في السلوك الانتخابي للسكان. وبصرف النظر عن مستويات الدخل، يصوّت معظم المواطنين المتدينين المحافظين وبعض القوميين لحزب العدالة والتنمية ولحليفه حزب الحركة القومية (MHP)، بينما يدعم المواطنون ذوو الأفكار العلمانية وأنماط الحياة الحديثة المعارضةَ التي يهيمن عليها حزب الشعب الجمهوري (CHP). ويعود تاريخ هذا الانقسام المجتمعي إلى تأسيس تركيا الحديثة في عام 1923.

 

امرأتان عند مخبز في سوق في أنقرة - تركيا - ديسمبر  / كانون الأول 2021. Women shop for bread at a market in Ankara, December 2021 (photo: Adem Altan/AFP)
الكثير من الأسباب لعدم التصويت لحزب العدالة والتنمية: وجدت المجموعة المستقلة لأبحاث التضخم في تركيا أنّ معدل التضخم السنوي في تركيا 142% في آذار/مارس 2022، وهو أكثر من ضعف الرقم الرسمي الذي أصدرته الهيئة الحكومية TÜIK. كما تصل نسبة البطالة رسمياً إلى أكثر من 10%، وقد غادر 1400 طبيب البلاد بسبب ظروف العمل السيئة، وتزداد أعداد جرائم قتل النساء يومياً. كما كشفت إحصائية حديثة أنّ 64% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يودون مغادرة تركيا لأنهم لا يرون أملاً في المستقبل.

 

فحزب الشعب الجمهوري (CHP)، الذي أسّسه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، دعم حظر الحجاب في الأماكن العامة والجامعات في تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين. وفي عام 2010، كان حزب العدالة والتنمية هو من أزال هذا الحظر. وحزب العدالة والتنمية الحاكم ماهر في تذكير الشارع بالمظالم السابقة التي سبّبها حزب الشعب الجمهوري، حتى أنّ زعيم المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو انتقد أخطاء حزبه السابقة عدة مرات، مثل حظر الحجاب.

كما أقرّ بالأخطاء التي ارتكبتها الدولة التركية، بما في ذلك الضرائب القاسية التي فُرِضت على الأقليات غير المسلمة خلال العقود الأولى من الجمهورية، والتي يعتقد الكثيرون أنّ حزب الشعب الجمهوري كان متواطئاً فيها. وقد وعد كيليتشدار أوغلو، إن وصل حزبه إلى السلطة في الانتخابات القادمة، بالمصالحة والاعتراف بهذه الأحداث. بيد أنّه لم يقدم أي تفاصيل حول كيفية اعتزام حزبه القيام بهذا.

وفقاً لكيليتشدار أوغلو، ينبغي أن تكون هناك نهاية للسياسة التي تعتمد على تأجيج التوترات والاستقطاب. وقد قال في مقابلة: "إنهم يحاولون البقاء في السلطة من خلال جمع الجماهير باستخدام التوترات والاستقطاب. وينبغي أن ينتهي هذا الأسلوب السياسي".

يقول بكير أغيردير، المحلل السياسي الشهير والمدير العام لشركة كوندا KONDA للأبحاث والاستشارات، إنّ السلوكيات السياسية القائمة على نمط الحياة وعادات التصويت تتغير. إذ كشفت استطلاعات الرأي التي أجرتها الشركة ذاتها أنّه: "مع زيادة نسبة البطالة والفقر وعدم المساواة في توزيع الدخل، تبرز التوترات الطبقية وتحلّ مكان التوترات المرتبطة بالهوية".

ومن ناحية أخرى، لا يزال من الصعب التأكيد على أنّ الانتقال إلى حزب الشعب الجمهوري وزعيمه كيليتشدار أوغلو، والذي ينتمي إلى طائفة شيعية مضطهدة تاريخياً إذ يتميز بأصوله العلوية، سيكون سهلاً على المحافظين من ذوي الدخل المنخفض. ومن جانبه، يحرص كيليتشدار أوغلو على عدم ذكر أصوله العلوية أو الكردية، مفضلاّ إظهار تضامنه مع الناس في القضايا الطبقية، مثل الفواتير غير المدفوعة، بدلاً من الهوية.

فواتير غير مدفوعة

في 20 نيسان/أبريل من عام 2022، بدأ كيليتشدار أوغلو أسبوعاً من الجلوس في الظلام في شقته في أنقرة. إذ قُطِعت الكهرباء عن شقته بعد رفضه تسديد الفواتير احتجاجاً على الزيادة بقيمة 127% في أسعار الكهرباء. وقد قال إنه أراد التضامن مع 4 ملايين أسرة تركية قيل إنها لم تكن قادرة على دفع فواتير الكهرباء العام الماضي.

 

كمال كيليتشدار أوغلو - زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض - أمام هيئة اللحوم والألبان التركية في أنقرة - 08 / 04 / 2022.  Kemal Kilicdaroglu, leader of the opposition CHP,  (photo: Demiroren News Agency)
استقطاب على أسس ثقافية ودينية وأيديولوجية: رغم مطالبته بنهاية لسياسة تأجيج الانقسام ودعوته للمصالحة يتعين على زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو تقديم تضامن أكثر مع الطبقة العاملة ويُعَد الالتزام بالدعم الاجتماعي المستمر للفئات الضعيفة و"نظام برلماني قوي" بداية جيدة. لكن كيليتشدار أوغلو أعلن بالمقابل بأنه سيرحل كل اللاجئين إلى بلدانهم إذا تولى حزبه مقاليد الحكم في تركيا وهذا أثار مخاوف من التحريض ضد اللاجئين ومن أن يصبحوا هدفا لحملة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في حزيران/يونيو 2023. وتستضيف تركيا حوالي خمسة ملايين لاجئ على أراضيها معظمهم سوريون وأفغان. ورغم محدودية وقوع حوادث نشأت توترات على مر السنين لاسيما في صيف 2021 بين لاجئين وسكان محليين يواجهون أزمة اقتصادية ومالية حادة. من جانبه أعلن إردوغان أن تركيا "تستعد لعودة مليون" لاجئ سوري على أساس طوعي إلى مناطق سورية آمنة ووعد بأن 100 ألف منزل على الأقل ستكون جاهزة لهم بحلول نهاية 2022. واعتبر الحزب القومي المتحالف مع حزب إردوغان أنه لا ينبغي السماح للسوريين الذين ذهبوا للاحتفال بعيد الفطر ببلادهم بالعودة إلى تركيا.

 

ولا تختلف الأمور كثيراً عند الحديث عن الغاز. فقد ازدادت الأسعار بنسبة 93% في العام الماضي؛ لتكون أكثر من مليون أسرة غير قادرة على دفع فواتيرها. ورداً على ذلك، قدمت الحكومة دعماً للغاز: وقد تقدّمت أكثر من 200 ألف أسرة بطلب للحصول عليه خلال الأيام الثلاثة الأولى. وتأتي هذه الإعانة الاجتماعية الجديدة إضافة إلى ما يقدّر بنحو 22 مليون شخص يعتمدون بالفعل على الدولة. ويفخر حزب العدالة والتنمية على وجه التحديد بالزيادات في المزايا الاجتماعية التي حققها منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002. بيد أنّ المعارضة تزعم أنّ المواطنين لن يضطروا إلى الاعتماد على الدولة إن استُخدِمت السياسات الاقتصادية الصحيحة.

يخشى البعض من فقدان المزايا هذه إن خسر حزب العدالة والتنمية السلطةَ. كما أنهم يخشون فقدان وظائفهم في القطاع العام. إضافة إلى وجود اعتقاد شائع بأنه من أجل الحصول على وظيفة في القطاع العام، والتي عددها ستة ملايين وظيفة من أصل 22 مليون وظيفة في البلاد، فهناك حاجة إلى وجود علاقات جيدة.

بينما يحاول حزب الشعب الجمهوري إقناع الناس أنّ هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة. ففي نهاية المطاف، حين فاز الحزب المعارض بالانتخابات المحلية في أنقرة وإسطنبول في عام 2019، لم يُقَل أو يُستبدَل الموظفون المعيّنون من قبل سلطات حزب العدالة والتنمية السابقة. كما أدخلت البلديات التي يرأسها حزب الشعب الجمهوري برامجَ الدعم الاجتماعي مثل "الفاتورة المعلقة"، وهو موقع إلكتروني تحمّل عليه الأسر المحتاجة فواتيرها ليقوم متطوعون بدفعها.

وقد رحّب الجمهور بهذه الجهود، بيد أنه ما زال ينبغي على المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري نشر أجندة اقتصادية شاملة توضّح كيف تنوي تحسين الوضع. وهذا من الأسباب الأخرى لعدم توجّه الناخبين إلى حزب الشعب الجمهوري حتى وإن كانوا غير راضين عن الحكومة الحالية. وقد كشفت استطلاعات رأي مختلفة أنّ ما يقارب من 20% من المؤهلين للتصويت لم يحسموا أمرهم بعد.

ويتفق حزب الشعب الجمهوري وخمسة أحزاب معارضة أخرى، أي "تحالف الأمة"، على أنّ السبب الرئيسي لمشاكل تركيا الحالية هو النظام الرئاسي، الذي اعتُمِد بعد استفتاء دستوري في عام 2018. ولذلك فالتعهّد الرئيسي للتحالف، حتى الآن، تغيير النظام إلى ما يُسمونه "نظام برلماني قوي".

 

 

متظاهرة تحمل علم قوس قزح خلال احتجاج على هجوم على مكتب محلي لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد وقتل امرأة تعمل في المكتب، في اسطنبول، تركيا، 17 يونيو 2021.  A demonstrator carries a rainbow flag during a protest against an attack on a local office of the pro-Kurdish Peoples' Democratic Party (HDP) and the killing of a female working in the office, in Istanbul, Turkey 17 June 2021 (photo: Reuters/Dilara Senkaya)
لا تتجاهلوا حزب الشعوب الديمقراطي الكردي: بالنظر إلى أنّ حزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان لا يزال يتمتع بفارق خمس نقاط على الأكثر على المعارضة في استطلاعات الرأي، فمن المرجح أنّ ينتهي الفشل في إشراك الأكراد في أي حملة انتخابية بالهزيمة. إذ أنّ حزب الشعوب الديمقراطي وناخبيه يستحقون أن يُؤخذوا على محمل الجد مع حصوله على 10% من الأصوات، لا سيما إن كان حزب الشعب الجمهوري جاداً في موضوع المصالحة داخل تركيا.

 

وهذا ينصّ على تجريد المكتب الرئاسي من سلطاته واسعة النطاق، ليتحقّق بذلك فصل السلطات. كما تعد المعارضة بإنشاء سلطة قضائية مستقلة، مع وجود ضوابط وتوازنات لضمان حظر الأحكام ذات الدوافع السياسية.

حزب كردي مستبعد - لا وجود لمرشح رئاسي

وعلى الرغم من أنّ قادة تحالف الأمة قد أكّدوا للجمهور أنهم سيستمرون بالعمل سوية لهزيمة حزب العدالة والتنمية الحاكم، بيد أنّهم ما زالوا يستبعدون حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، والذي يستقطب حوالي 10% من الأصوات، وغالبيتها من المناطق المأهولة بالسكان الأكراد. وتحاول الحكومة، ولا سيما حزب الحركة القومية، تجريم حزب الشعوب الديمقراطي، الذي سُجن العديد من رؤساء البلديات والنواب المنتخبين التابعين له. وتردُّد المعارضة -حين يتعلق الأمر بإدراج حزب الشعوب الديمقراطي إليها- يمنعها من الحصول على 10% أخرى من الأصوات على الأقل، وهو هامش حاسم إن كانوا يريدون هزيمة حزب العدالة والتنمية.

وفي الوقت ذاته، عزّزت الحرب في أوكرانيا من شعبية الرئيس رجب طيب إردوغان، والتي كانت في تدهور مستمر. إذ يعتقد الجمهور أنّ جهوده الدبلوماسية لتحقيق الاستقرار والأمن الإقليميين مهمة خلال أوقات مضطربة كهذه.

ولم تقدّم المعارضة حتى الآن مرشحاً رئاسياً مشتركاً. ويقولون إنهم سيقررون المرشح بمجرد الإعلان عن موعد الانتخابات. ولكن بحلول وقت تحديد موعد الانتخابات، قد يكون الأوان قد فات بالنسبة للمعارضة للقيام بحملتها الانتخابية، وقد يضيع الزخم الذي كان لديها بشكل لا رجعة فيه.

 

 

عائشة كارابات

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة