أجندة طائفية هندية ضيقة وتهميش للأقليات والمسلمين وتعزيز للشوفينية الهندوسية
 
وقد ذهب مودي، سواء عن وعي أو بغير وعي، إلى تكييف صيغة إردوغان مع جهوده لإعادة تشكيل الهند. فسعى إلى تهميش المسلمين وتعزيز الشوفينية الهندوسية. ويشعر المنتمون إلى الأقليات عموما بأنهم محاصرون، حيث لم تستبعدهم قومية مودي فحسب، بل وتصورهم أيضا على أنهم خونة.
 
علاوة على ذلك، في الهند في عهد مودي، تُشتَرى الولاءات السياسية غالبا، وتهدم المؤسسات لخدمة أجندة طائفية ضيقة. وقد واجه المعارضون في وسائل الإعلام والجامعات الترهيب. المنطقة الوحيدة التي تعثر فيها مودي هي نمو الناتج المحلي الإجمالي، نظرا لسوء الإدارة الاقتصادية المروع من قِبَل حكومته.
 
سياسات خارجية ناشطة تهدف إلى تعزيز صورة الحاكم في الداخل
 
على المسرح الدولي أيضا، هناك أوجه تشابه بارزة بين الطريقة التي يتصرف بها إردوغان ومودي. فكل منهما يلاحق سياسات خارجية ناشطة تهدف إلى تعزيز صورته في الداخل، وكل منهما استقطب دعم الجاليات الهندية في الخارج. وربما تستعدي خُطَب إردوغان في البلقان الولايات المتحدة وأوروبا، بل وحتى الصرب والكروات، لكنها ترفع أسهمه بين الأتراك. وعندما يخاطب مودي مدرجات إستاد مكتظة بالمغتربين الهنود في زياراته إلى الخارج، فإن خطاباته تستهدف بشكل مباشر الجماهير في الوطن.
 
مؤخرا، عَلَّق سونر كابتاجاي، وهو محلل تركي ومؤلف كتاب عن إردوغان قائلا: "نصف أهل البلاد يكرهونه ويعتقدون أنه لا يستطيع أن يفعل أي شيء بشكل صحيح. ولكن في الوقت نفسه، النصف الآخر يعبدونه، ويعتقدون أنه من غير الممكن أن يفعل أي شيء بشكل غير صحيح". ويصدق نفس القول على مودي في الهند.
 
رئيس وزراء الهند نارندرا مودي.
مودي سياسي قومي هندوسي مستعين بالاستقطاب الشعبوي وبالنجاح الاقتصادي: رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ظهر في عام 2014 كمرشح عن حزبه لمنصب رئاسة وزراء الهند، مستعينا بالاستقطاب الشعبوي وبالنجاح الاقتصادي. ويقول مراقبون لموقع قنطرة إن أيديولوجية الهندوتفا الهندوسية تمثِّل شكلاً حصريًا من أشكال القومية الثقافية، وتعود أصولها إلى حقبة العشرينيات. وطبقًا لهذه الأيديولوجية تعتبر الهند أرض الهندوس؛ التي لا مكان فيها للأقليات مثل المسيحيين أو المسلمين. ولكن في الواقع إنَّ حزب بهاراتيا جاناتا وغيره من حركات الهندوتفا لا يحدِّد الهندوسية من خلال الدين بقدر ما يحدِّدها من خلال الثقافة. ومع ذلك فإنَّ المشكلة الوحيدة هي أنَّ الهندوس المنقسمين في مختلف الطبقات والطوائف لا يشكِّلون في الحقيقة وحدة ثقافية.
بطبيعة الحال، هناك اختلافات مهمة بين تركيا والهند. فبادئ ذي بدء، يعادل عدد سكان تركيا (81 مليون نسمة) أقل من نصف عدد سكان ولاية هندية واحدة، أوتار براديش، التي يتجاوز عدد سكانها 210 ملايين نسمة. وتركيا مسلمة بأغلبية 98%، في حين تمثل الهندوسية في الهند 80% من السكان فقط. ويمثل التعصب الإسلامي -كما يؤكد الشوفينيون الهندوس بلا كلل أو ملل- ظاهرة عالمية؛ أما التعصب الهندوسي فليس كذلك. وتركيا ليس لديها ما يعادل المهاتما غاندي، ورسالته في نبذ العنف والتعايش السلمي التي تُزرَع في رأس كل طفل في المدارس الهندية.
 
"تركيا دولة متقدمة نوعا ما مقارنةً بالهند" ونوبات حكم عسكري في تركيا مقابل ديمقراطية هندية راسخة
 
علاوة على ذلك، تُعَد تركيا دولة متقدمة إلى حد ما، في حين لا يزال الطريق أمام الهند طويلا قبل أن تبلغ هذه النقطة. وعلى النقيض من الهند، لم تستعمر تركيا أو تقسم قَط على أساس ديني، كما حدث مع الهند لخلق باكستان (وإن كان تبادل السكان الذي رافق انفصال تركيا عن اليونان قريب الشبه).
 
أما ما مرت به تركيا ولم تمر به الهند فهو نوبات من الحكم العسكري. والواقع أن الديمقراطية في الهند راسخة بعمق، الأمر الذي يجعلها أقل عُرضة للوقوع أسيرة حاكم منفرد. ويفسر هذا جزئيا لماذا يصعب للغاية على كثيرين من الهنود أن يتخيلوا دولتهم تسير على خطى تركيا لكي تتحول إلى ديمقراطية أغلبية غير ليبرالية يتولى السلطة فيها حاكم منفرد.
 
ولكن برغم أن مودي وحزب بهاراتيا جاناتا لم يحققا تلك الدرجة من "أَسْر الدولة" التي بلغها إردوغان وحزب التنمية والعدالة، فربما يعود هذا إلى أنهما متأخران بإحدى عشرة سنة. والمسار الذي يسلكه مودي وحزبه الآن مماثل بالقدر الكافي لتبرير المقارنة، واستثارة القلق والانزعاج.
 
والآن تدق أجراس الإنذار: فمثلها كمثل الليرة التركية، فقدت الروبية الهندية أكثر من 5% من قيمتها في الشهر الأخير. ومع اقتراب الانتخابات في كل من البلدين ــ في تركيا هذا الشهر ( الأحد 24 / 06 / 2018)، وفي الهند في ربيع عام 2019 - فهل ينتبه الناخبون إلى نُذُر الخطر؟
 
 
 
شاشى ثارور
ترجمة: إبراهيم محمد علي
حقوق النشر: بروجيكت سنتديكيت 2018
 
 
شاشي ثارور ، مساعد سابق للأمين العام للأمم المتحدة ووزير دولة هندي سابق لتنمية الموارد البشرية ووزير دولة سابق للشؤون الخارجية. وهو عضو البرلمان الهندي عن حزب المؤتمر الوطني الهندي ورئيس اللجنة الدائمة للبرلمان المعنية بالشؤون الخارجية. وهو مؤلف كتاب عن الهند وعالم القرن الحادي والعشرين.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.