أركب سيارتي الحمراء الصغيرة وأسير على مهل، أفكر بكل ما علي فعله اليوم، تعكر فكرة أن علي العودة إلى البيت مع مغيب الشمس صفو تفكيري. أسير على عجل في الطريق السيّار، أقضي اليوم متنقلةً بين مشاريع لم يكتمل أحدٌ منها بعد، أُحدّث نفسي بأن عليّ ترتيب أفكاري وتوجيه طاقتي إلى مشروعٍ واحد. يُخرجني زحام الطريق من زحام أفكاري، يمر من أمامي وجه طفلةٍ مبتسمةٍ في المقعد الخلفي لسيارة، أرد عليها بابتسامة، أتذكر أني أريد إنجاب طفلة وأن أسميها لويزة مثل أختي الكبرى.

أريدها أن تكون ذكيةً كخالتها لكن أن تدرس، عكس خالتها التي لم يحالفها الحظ لا لشيء سوى أن جدتي وجدي -الله يسامحهما- استأنسا برفقتها وفضّلا أن لا تغادر إلى المدينة كسائر إخوتي وأخواتي آنذاك.

أريد أن تتعلم لويزة وتكبر في محيطٍ لا يذّكرها أنها فتاة كلما فكرت في اللعب خارجا، أو تشاجرت ودافعت عن نفسها. أريدها أن تتعلم من أخطائها وأن لا تشعر بالذنب بسبب وبدون سبب، أريدها أن تدافع عن أفكارها وأن تكون صادقة مع نفسها ومع من حولها، وأن تصنع قرارها بنفسها وتختار الحياة التي تجعلها سعيدة. أريدها أن لا تشعر بالخوف، هل سأتمكن من مساعدتها؟

طفلة تحمل علم الجزائر. (photo: E.W. Scripps School of Journalism, CC BY-SA 2.0 via flickr.com)
تكتب مخرجة الأفلام الجزائرية ظريفة مزنر: "أتذكر أني أريد إنجاب طفلة وأن أسميها لويزة مثل أختي الكبرى. أريدها أن تكون ذكيةً كخالتها لكن أن تدرس، عكس خالتها التي لم يحالفها الحظ لا لشيء سوى أن جدتي وجدي -الله يسامحهما- استأنسا برفقتها وفضّلا أن لا تغادر إلى المدينة كسائر إخوتي وأخواتي آنذاك. أريد أن تتعلم لويزة وتكبر في محيطٍ لا يذّكرها أنها فتاة كلما فكرت في اللعب خارجا، أو تشاجرت ودافعت عن نفسها. أريدها أن تتعلم من أخطائها وأن لا تشعر بالذنب بسبب وبدون سبب، أريدها أن تدافع عن أفكارها وأن تكون صادقة مع نفسها ومع من حولها، وأن تصنع قرارها بنفسها وتختار الحياة التي تجعلها سعيدة. أريدها أن لا تشعر بالخوف، هل سأتمكن من مساعدتها؟".

انتظري حتى تجدي أباها أولاً، أضحك وأنا أحاول الخروج من كومة السيارات المتدافعة أمامي، أجد مخرجاً، وأفكر بأنّي محظوظةٌ بأمي، عدا إلحاحها عليّ بشأن الزواج. كانت ولا زالت تستمع إليّ دائماً وتُشعرني بأني مميزة. لم تحكم عليّ يوماّ؛ أستطيع أن أحدثها في الكثير من الأمور دون أن أخشى ردّة فعلها، ثقتها بي لا حدود لها، غير أن الثقة تصبح ثقلاً أحياناّ؛ ثقل التقاليد والمحظورات التي لا تنتهي.
تزوجت أمي من أبي بعد طلاقها من زوجها الأول، كان قرار طلاقها قراراً شجاعاً، ولم يكن لقب "مطلقة" يحمل ما يحمله اليوم من وصمات نبذٍ واستهجان. تزوجت من أبي الذي كان أباً لستة أبناء. لست أدري من أين استمدت القوة لتربي أبناءه جميعاً وتمنحهم رعايتها في كل وقت، ثم أن تحافظ على اهتمامها بالجميع بعد مجيء أطفالها إلى العالم. لابد أنها لم تكن تستغرق في التفكير في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ مثلي، هي تنتمي لجيلٍ يُنجز قدر ما يستطيع في آنه، لكنها قادرةٌ أيضاً على العطاء بسخاءٍ ودون انتظار مقابل؛ دون حساب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.