الأغلفة العربية لثلاث روايات أدبية من اليمن: جوهرة التَّعْكَر ونصف إنسان و الحقل المحترق:  فمن خلال السّرد في هذه الرّوايات الثّلاث يغوص الرّوائيون في تاريخ اليمن والاستعمار الخارجيّ والمحلّي للمعرفة التي تشابك فيها الدينيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، وتأثير ذلك على الوضع السياسيّ والاجتماعيّ وجذور العنف والفقر في المجتمع اليمنىّ المعاصر، عبر حبكات روائيّة يتشابك فيها المتخيّل، والأحداث، والشّخصيات التاريخيّة والمعاصرة.

تطور أدبي في اليمن رغم واقع متدهور
الرواية اليمنية ما بعد الربيع العربي

رغم واقع سياسي اقتصادي متدهور أنتج مآسيَ إنسانية تطور المشهد الأدبي في اليمن وشهد رواجا ملحوظا خصوصا جنس الرواية الذي حصد جوائز مرموقة عديدة في العالم العربي. أماني الصيفي قرأت ثلاث روايات يمنية.

يستعرض هذا المقال ثلاثة أعمال روائية يمنية صدرت بعد أحداث الربيع العربي، اعتمدت على استرجاع الماضي، وناقشت التشابك بين السلطة السياسية والدينية وأثر ذلك على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية في اليمن، هذه الأعمال هي: "جوهرة التَّعْكَر" للرّوائي والقاصّ والشّاعر همدان دماج، و"الحقل المحترق" للشّاعر والرّوائي ريان الشّيباني، و"نصف إنسان" للروائي والأكاديمي نجيب نصر.

رغم أن تلك الرّوايات الثّلاث تختلف في زمن السّرد ونوع الرواية، إلّا أنّه يمكن تناولها من خلال عاملٍ مشترك وهو النظرة النّقدية للماضي ووقائعه، سواء كان بصورة مباشرة أو مبطنة. واسترجاع الماضي في تلك الأعمال الرّوائية لا يعتبر – هنا – نوعًا من النوستالجيا، بل هو قراءة نقديّة لأحداث الماضي، تسعى إلى تفكيك وتحدّي روايات سائدة لوقائع وأحداث تاريخيّة وانعكاساتها على الحاضر من خلال أحداث الحبكة الروائية التي تجعل الحاضر نتيجة لوقائع الماضي من جهة، ومن جهة أخرى تعيد كتابة الماضي من خلال معرفة الحاضر وتأثيرها على وعي الروائي وموقفه من تلك الأحداث والوقائع الماضية.

تطور المشهد الأدبي في اليمن رغم تدهور الواقع السياسي والاقتصادي

مرَّ على ثورات الربيع العربي أكثر من عقد من الزّمن، وما زالت بلدان عديدة تشهد مشاهد يومية من القتل والتّناحر حول الرّؤى السّياسية والمعرفية التي يقوم عليها المجتمع، بعد أن خلخلت تلك الثورات المجتمعات العربية سياسيًّا ومعرفيًّا. وفي هذا المناخ المضطرب والغامض حيث يحتدم الصّراع السياسي على السّلطة يغيب الأمن والاستقرار، وينتشر الفقر، وتتعثّر سبل تنمية المجتمع، فتقدِّم بعض الفئات المتناحرة حول السّلطة السّياسية نفسَها داخليًّا وخارجيًّا على أنها ممثلة للدّين والمؤمنين ولا غرض لها سوى تحقيق رخاء واستقرار المجتمع والأفراد، ولعلّ اليمن أكثر الأمثلة التي يظهر فيها بوضوح التّشابك الدّيني والسياسي والاقتصادي؛ إذ أكَّد تقرير البنك الدولي في آخر تحديث  له في  شهر  يونيو لعام  2022 أنّ اليمن – الذي يعدُّ من أفقر البلدان وأقلّها نموًّا في منطقة الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا على مدى سنوات- يواجه حاليًا أسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم؛ بسبب هذه الحالة من الصراع على السّلطة السياسيّة وغياب الأمن والاستقرار منذ انتفاضة عام 2011 [1]، والذي تصاعدت وتيرته مع الحرب التي شنتها السعودية وثماني دول أخرى – غالبيتها من العرب السُّنَّة – بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد الحوثيين، بهدف معلن هو استعادة حكومة عبدربّه منصور هادي لزمام الأمور في اليمن؛ خشيةَ استمرار زحف الحوثيين الذي يؤدّي إلى تثبيت قدم إيران الشيعيّة، وهي القوّة الإقليمية المنافسة للسعودية.

وعلى الرّغم من الواقع السّياسي والاقتصادي المتدهور وما نتج عنه من صعوبات إنسانية ومآسٍ فإن المشهد الأدبي في اليمن يشهد رواجًا وتطوّرا ملحوظًا وخصوصًا جنس الرّواية، والتي استطاعت أن تحصد العديد من الجوائز المرموقة في الوطن العربي، ففي عام 2015 حصلت رواية “جوهرة التَّعْكَر” للرّوائي همدان دماج على جائزة الشّارقة في فنّ الرّواية، كما وصلت رواية “ أرض المؤامرات السّعيدة” لوجدي الأهدل إلى القائمة الطويلة لجائزة الشّيخ زايد للكتاب في عام 2018، وفي العام التّالي حصلت رواية “حصن الزّيدي” للغربي عمران على جائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، وكذلك رواية “وحي” لحبيب السّروري على جائزة كتارا للرّواية العربية، كما حصلت رواية “نصف إنسان” لنجيب نصر على الجائزة نفسها (كتارا)، كما وصلت رواية “حصن الزيدي” للغربي عمران إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ في عام 2021، وفي العام نفسه وصلت رواية “البندرية” للغربي عمران للقائمة القصيرة لجائزة توفيق بكّار في دورتها الثالثة.

وقد شهدت الرّواية اليمنية بعد الحرب كذلك تطورًا ملحوظًا وتنوّعًا جليًّا على مستوى موضوعاتها وتقنياتها ممّا أهَّلها إلى حصد تلك المراكز المتقدمة في العديد من الجوائز المرموقة محليًّا ودوليًا. وبشكل عامّ لم تناقش الرّواية بعد الحرب القضايا البسيطة والمتكرّرة حول مآسي الحرب وأهوالها، بل ناقشت الحرب من خلال طرح فلسفيّ أكثر تعقيدًا تشابك فيه الحاضر مع أحداث ووقائع تاريخيّة حول الصّراع السّياسي على السّلطة وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية معتمدة على شخصيات تاريخيّة واقعية، بالإضافة إلى أماكن وشخصيات متخيّلة تخدم الثّيمة الرئيسية والحبكة الرّوائية. ولعل ما تقدم يجيب عن سؤال: ما سبب استدعاء الروائي اليمني للتاريخ؟

لمحة تاريخية: تمثيل التاريخ والواقع الاجتماعي والسياسي في الخطاب الروائي اليمني

قد انشغلت الرواية اليمنية منذ بدايتها في عشرينات القرن الماضي برصد التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، فجاءت الأعمال الأدبية مكرسة في بدايتها لخطاب نهضوي وتربوي يلامس واقع الحياة اليومية للدولة الوطنية الساعية للاستقلال والحرية وبناء مجتمع حديث متطور أكثر منه كونه خطابا روائيا متخيلا، ما يمكن أن يطلق عليه نمط من “الرواية التعليمية” أو الرواية التي” تهتم بتشجيع الإصلاح الاجتماعي أو تصحيح ظلم أو خطأ محدد” [2]. ومرحلة البدايات تلك قد بدأت بأعمال لمصلحين ومفكرين من الصحفيين والمثقفين من أمثال أحمد عبد الله السقاف في روايته “فتاة قاروت” 1927، وتصويرها للصراع بين المسلم والمستعمر ومحمد على لقمان في رواته “سعيد” 1939، والتي يصفها لقمان بكلمات واضحة أنها “رواية أدبية تاريخية أخلاقية” ورواية “كملاديفي”، التي عرّبت عن رواية هندية تحمل نفس العنوان.  ويدور مضمون أحداث الرواية حول فتاة هندية تقاوم الحاكم المستبد مدافعة عن الحرية والعدالة. وحتى وإن كانت أحداث الرواية في الهند إلا أنها تحمل موقف لقمان من الدفاع عن قضية الحرية والعدالة في مجتمعه. فالتجربة الهندية الخاصة هنا قادرة على نقل انطباع خالص عن التجربة الإنسانية عمومًا، كما يقول إيان وات في كتابه “صعود الرواية: دراسات في ديفو “The Rise of the Novel: Studies in Defoe”.

ويرى وات أن الرواية من خلال نقلها لأحداث ووقائع في حياة شعب معين تعد بمثابة شهادة على تاريخ هذا الشعب في سياقه الاجتماعي، الثقافي والسياسي من ناحية، ومن ناحية أخرى فمن خلال فصل الأفكار عن السياق الزمكاني لأحداث الرواية يمكن للرواية أن تنقل أفكارا عامة عن مأساة ومعاناة شعب أخر في ظروف مشابهة [3].

وبحسب الناقد الدكتور عبدالحكيم محمد صالح باقيس في كتابه “ثمانون عاماً من الرواية في اليمن: قراءة في تأريخ تشكل الخطاب الروائي اليمنى وتحولاته “(2014) [4] فإنه لم يصدر بين عامي 1948 و1966 سوى ثلاث أعمال روائية هي “حصان العربة ” و”مذكرات عامل” لعلي محمد عبده و”مأساة الواق واق” للمحمد محمود الزبيري. بينما صورت رواية الزبيري رحلة متخيلة للآخرة، ووثقت روايتي على محمد عبده التهميش والفقر والظلم والاجتماعي في القرى اليمنية في الأربعينات.

اشتبكت الرواية اليمنية مع السلطة السياسية والدينية في مرحلة الرواية اليمنية الواقعية في الفترات التاريخية بداية من السبعينيات ووصولًا إلى الذروة في تسعينيات القرن الماضي. ونذكر من تلك الأعمال التي اهتمت بقضايا الواقع اليمنى في تلك الفترة مثلًا روايات “يموتون غرباء” و”صنعاء مدينة مفتوحة” لمحمد عبدالولي، و”الميناء القديم” لمحمد الصغيري، و”قرية البتول” لمحمد حنيبر، و”الرهينة” لزيد مطيع دماج.

في تلك الأعمال الأدبية يصور اليمن عمومًا كدولة قفزت من دولة ما بعد الاستقلال إلى دولة تقع تحت حكم استبدادي دكتاتوري يحكمه إمام يليه آخر باسم الدين ومعه أقلية سيطرت على البلاد ومقدراتها لقرون من الزمن، حتى وإن جاء زمن الرواية مختلفا في العادة عن زمن الراوي بسبب القمع السياسي والديني. ويرى باقيس أن التاريخ السياسي ظل ملازمًا للرواية اليمنية منذ بداياتها وحتى التسعينيات دون أن يعني هذا كتابة الرواية التاريخية [5] كما هو متعارف عليها مثل رواية “رؤيا شمر يرعش ملك سبأ وذو ريدان وحضر موت ويمنات” لأنوى محمد خالد، و”طوفان الغضب” لمنير طلال.

أما المرحلة الثالثة للخطاب الروائي اليمني فيمكن تأريخها بداية من جيل التسعينيات. وعلى خلاف الجيل السابق من الروائيين اليمنين من المدافعين عن الحرية والعدالة والديمقراطية الذين انطلقوا إلى البحث ليس فقط في تاريخ الأدب الوطني ولكن أيضا في البحث عن التاريخ السياسي، فجيل التسعينيات، والذي  يطلق عليه الدكتور باقيس أنه “جيل  انفراط العقد” [6]، قد جمع  بين تجاربه المحلية والانفتاح على معرفة العالم وتجاربه وقيمه كما يظهر في رواية “إنه جسدي” لنبيلة الزبير و“الملكة المغدورة” لحبيب عبد الرب سروري. وفي تلك الأعمال كذلك استمر الاشتباك مع السلطة السياسية والدينية ورصد آثار استبدادهما على بنية الفرد والمجتمع كما يؤكد إبْراهِيم أبوطَالِب في دراسته المعنونه “الرّوَايَة اليَمَنِيَة وإشكَالِياتِهَا” والمنشورة في مجلة نزهة عدد أبريل لعام (2013).

درس أبوطالب أعمال عديدة تمثل هذه الفترة منها نبيلة الزبير ووجدي الأهدل وحبيب سروري وهند هيثم وعبد الناصر مجلي وسامي الشاطبي وأحمد زين ونادية الكوكباني. ويرى أبوطالب أن معظم كتابات حقبة التسعينات لم تنفصل عن الأعمال الروائية السابقة من حيث الجنوح “إلى الكتابة الملاصقة للواقع، ملاصقة مرآوية بعيدة عن الفن” [7]. وبحسب الناقد محمد الحوثي في دراسته الموسومة بـ”مسار الرواية اليمنية الحديثة”، فقد انتقد روائيو هذه المرحلة القمع السياسي والديني دون أن يضطروا إلى تمويه خطابهم من خلال الرمزية. وعبّرت رواية هذا الجيل عن حالة الفوضى والتشرذم والتناقض والتنافر التي ميزت الواقع اليمني منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990 وما تلاها من أحداث مأساوية [8].

استمر هذا الاشتباك مع الواقع اليمنى في فترات تالية قد شهدت فيه الرواية اليمنية تغييرًا ملحوظاً من حيث الكم المنشور وكذلك الاهتمام غير المسبوق محليًا وعربيًا بالرواية اليمنية. فرغم أن الرواية اليمنية بدأت مبكراً نسبيًا قياسًا مع ظهور الرواية في بلدان عربية مجاورة، إلا أنها ظلت مهمشة لعقود سواء كان ذلك بسبب عدم مواظبة الكتاب على الكتابة (فقط كتب معظم الأوائل ومن تلاهم عملا أدبيا واحداً أو عملين قبل الانقطاع عن الكتابة لأسباب مختلفة)، أو كان ذلك التهميش للرواية اليمنية نتيجة عدم الاهتمام بالكتاب والأدباء اليمنيين محلياً في بلد غير مستقر سياسيًا.

وعلى أيّ حال فالرواية اليوم تشهد طفرة غير مسبوقة سواء كان ذلك من حيث عدد الروايات المنشورة أو تنوع الأسلوب الأدبي أو حتى على مستوى الاحتفاء بالرواية اليمنية محلياً ودولياً كما تؤكد الجوائز التي حصدتها الرواية اليمنية كما أشرت سابقًا.

ثلاثة أعمال تمثل الرواية اليمنية بعد الحرب التي بدأت في عام 2011

وفيما يلي سأتناول ثلاث أعمال تمثل الرواية اليمنية بعد الحرب التي بدأت في عام 2011 والتي يتناول فيها الروائي التّشابك بين السّياسي والدّيني والاقتصادي وتأثير تلك العلاقة على سلوك عامّة الشّعب وأوضاعهم في اليمن من خلال النّظرة النّقدية لأحداث ووقائع الماضي التي يتبعها السرد الروائي من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن هذه الأعمال تصور هاجس الروائيين المعاصرين وانشغالهم باستحضار الأصوات المهمشة في المجتمع اليمني والتحرر من سلطة النخبة السياسية و/أو الدينية سواء كان تَمَثُّلَ ذلك الاستحضار في هذه الروايات على مستوى الخطاب أو الأسلوب الأدبي. وهذا الاتجاه يعد من أهم ما ميز ثورات الشباب في البلدان العربية.

رواية "جوهرة التَّعْكَر" للشاعر والقاص اليمني همدان دمَّاج

صدرت رواية “جوهرة التَّعْكَر “عن مؤسّسة أروقة للدّراسات والتّرجمة والنّشر بالقاهرة في عام 2017 وهي العمل الرّوائي الأوّل للشّاعر والقاصّ اليمنيّ همدان دماج المقيم في المملكة المتحدة. وتقع أحداث رواية “جوهرة التَّعْكَر” في نهاية القرن الماضي، وتُروى في (291) صفحة مقسّمة على ستّة فصول.

الغلاف العربي لرواية "جوهرة التعْكَر" للروائي والقاص والشاعر اليمني همدان دمَّاج.  Arabic Cover of the Novel from Yemen  (Roman aus dem Jemen) Jauharat Attaakar Autor Hamdan Dammag
تذكير بشخصيات سعت لتقديم جهد كبير في لبناء المجتمع وخدمته: في رواية "جوهرة التعْكَر" للشّاعر والقاصّ اليمنيّ همدان دمَّاج يتضمّن السّرد تذكّر حروب وصراعات عسكريّة وسياسيّة على السلطة عبر التّاريخ تسبّبت في قتل وتفقير فئات واسعة من المواطنين وتعطيل الاستقرار والتّنمية بالمنطقة، لكنّه يسعى لكتابة تاريخ يذكّر القارئ بشخصيات سعت لتقديم جهدٍ كبير لبناء المجتمع وخدمته، ولكن أجهدت محاولاتها ونُسيت في خضّم الحياة القاسية التي يعيشها سكّان المنطقة مثل أطبّاء المستشفى المعمدانيّ، والذين تم اغتيال عدد منهم على يد متطرّفين إسلامويين في عام 2002، إلى جانب المساعد العامّ للحزب الاشتراكي اليمني “جار الله عمر” الذي تم اغتياله في نفس العام. وكذلك الرّئيس إبراهيم الحمدي الذي اغتيل في عام 1977. ويصوّره الكاتب بأنّه كان بمثابة “واحدة من أندر الفرص التاريخيّة لنهوض اليمن عبر قرون”. أما أسلوب هذه الرواية الأدبي الما بعد حداثي فهو كولاج يجمع بين الأسطورة والحكاية الشعبية والشعر الشفهي وأغاني فلكور القرية اليمنية الذي يمثل الهوية التاريخية والثقافية اليمنية ويمزج أجناسا أدبية وغير أدبية واعتمد واقعية سحريّة.

يتتبع السّرد حادث انتحار أو ربّما اغتيال إحدى الشّخصيات الرئيسية “كريم”. وفي محاولة حلّ لغز هذه الحادثة، تعتمد الرّواية على ذاكرة القرية (ذي المجمرة) التي تقع في وسط اليمن على سفح جبل التَّعْكَر؛ والذي سُمِّي بهذا الاسم نسبة إلى الكاهن السّبئي الشّهير سطيح التَّعْكَر. وخلال تتبّع الأحداث يدور السّرد في حلقة دائريّة بالرّجوع إلى حوادث قتل أو موت غامض  لشخصيات تاريخيّة أو حتّى معاصرة، ويربط تلك الحوادث خيط واحد وهو حصن التَّعْكَر، كحكايات شهدتها الدّولتان الصليحيّة والرسوليّة في العصور الوسطى، وحكاية مرض عالم النّبات السّويدي المستشرق بيتر فورسكال ووفاته، خلال زيارته إلى المكان مع “بعثة نيبور” الدّنماركية في القرن الثّامن عشر الميلادي، وكذلك مقتل بعض أعضاء البعثة الطبيّة الأميركيّة المعمدانيّة في مستشفى جبلة القريب من المكان عام 2002، على يد أحد المتطرّفين الإسلاميين.

أمّا الثّيمة الرئيسيّة للرّواية فهي الذّاكرة التاريخيّة للمكان (جبل التَّعْكَر) وتأثير مرور الزّمن على الوعي الجمعي حول حقيقة أحداث وشخصيات الماضي. يحاول الكاتب من خلال السّرد التّأكيد على أنّ روايات التّاريخ التي كونت الذّاكرة التاريخيّة المجمع عليها لمجتمع مّا لا يمكن بالضرورة الوثوق بمصداقيتها. فهي تحتوي كذلك على خيال يتمّ نسجه وإعادة صياغته من وقت إلى آخر لملءِ فراغات في التّاريخ والذّاكرة.

تتلاءم تلك الرّوايات مع الوضع الاجتماعي والنّفسي والسّياسي للأفراد والجماعات في هذا المجتمع. إذ تبدأ الرّواية بالسّطر التالي “كلّ الشخصيات الحقيقية والأحداث الواقعيّة في هذه الرواية من نسج الخيال”. ويبدو للمتلقّي أن هذا السّطر ينقل فكرة متناقضة، فكيف للشّخصيات الحقيقة والأحداث الواقعيّة في الرّواية أن تكون من نسج الخيال إلّا في حال كان الكاتب يريد أن يؤكّد للمتلّقي أن التّاريخ أو بالأحرى “التّأريخ” هو رواية من وجهة نظر مَنْ له سلطة الكتابة أو الخطاب، سواء كانت تلك السّلطة سياسيّة  أو اجتماعيّة  لتحقيق أهداف ومصالح غير معلنة للبسطاء. وهو ما يدعمه اختيار شخصيّة “العمدة” كشخصيّة محوريّة في الرّواية. رُسِمت هذه الشخصيّة؛ لِتُناسب الجوّ العامّ والثّيمة الرئيسيّة للرّواية. فالعمدة شخصيّة تبدو فكاهيّة وساخرة، ولكنّها تخفي خلف سخريتها وأسلوبها البسيط في الحديث حكمة ونظرة فاحصة للأمور، غير أنّها الشخصيّة التي تحاول تخريب روايات التّاريخ من خلال نسج روايات مضادّة، هذا الأسلوب الذي يحاول من خلاله التّأكيد على أن روايات التّاريخ لا يمكن بالضّرورة الوثوق بمصداقيتها، بل إنّها في أغلب الأحيان روايات للسّلطة سواء كانت سياسية أو اجتماعية؛ لتحقيق أهداف ومصالح غير معلنة للبسطاء. فهنا يحوّل العمدة شخصيّة “الحاج محمد” من وليّ تقي وجدته مجموعة من الرّعاة ميّتًا بجانب عين الماء التي لم يرَها سكّان المنطقة من قبل (الجوهرة) فأقاموا له ضريحاً وأصبح النّاس يأتون إليه طلبًا للبركة والاستشفاء إلى مجرّد تاجر من تعز قامت بقتله مجموعة من قطّاع طرق واختلقوا قصّته مع الجوهرة لإخفاء جريمتهم، لمعرفتهم بهذه البيئة الاجتماعيّة التي يلجأ فيها البسطاء للخرافة والأسطورة حين يعجزون عن إيجاد تفسير منطقيّ للأحداث والوقائع من حولهم.

يقول الرّاوي على لسان البطل كريم “كان الجميع تقريبًا يُبدون نوعًا من التّبجيل عندما يتحدّثون عن ‘الحاج مُحمّد’، ما عدا العمدة، الذي لم يكن يكترث وهو يجاهر برأي مختلف، غير معترف بهذه الأسطورة، بل بأسطورة أخرى… التي لا يعلم إلّا الله من أين جاء بها، والتي تنافي المتعارف عليه بالإجماع، كان العمدة يسارع بالقول بتهكم وخبث: – نعم… لقد كانت هذه بلد لصوص… يعنى سَرَق… ماذا تتوقعون؟! ثم يستمرّ وقد عَلَتْ وجهَهُ ابتسامةٌ ماكرةٌ، مشيرًا إلى وجوه مستمعيه: أقول لكم بلد لصوص… صدقوني…! انظروا فقط إلى ذرّيتهم لتتأكّدوا من ذلك…” (ص 56).

وشخصيّة العمدة نفسه أو “محمد بن محمود قائد” الذي أطلق  عليه أهل  القرية لقب العمدة  عندما اختير “عدلاً” للقرية منذ زمن طويل نسي الأجيال التّالية اسمه الحقيقي ولم يعد حتّى أبناؤه يعرفون  في القرية سوى بـ”أبناء العمدة”. يقول  الرّاوي “لا تدوم ذاكرة أبناء قريتنا، بل وجميع أبناء المنطقة، طويلا. ذاكرة  أسماك، أو ربّما ذاكرة ابتدائيّة لحاسوب قديم متهالك ومتخم بالفيروسات… تشغلهم حياتهم اليوميّة، التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، عن أيّ شيء آخر، فينسون أمسهم بسرعة، ويتقبّلون واقعهم بكلّ ترحاب، ويتعاملون معه بشكل روتينيّ… يتعايشون مع ما يستجدّ في حياتهم بسليقة عجيبة… يتقبّلون الإشاعات كحقائق سماويّة ثم ما يلبثون أن ينشغلوا بغيرها… يغيّرون طباعهم وعاداتهم، بل وحتى تسمياتهم للأشياء، للأماكن والنّباتات والأشخاص، حسب ما تقتضيه الظّروف… يألفون ما يستجدّونه من أسماء بسهولة ويسر ويستخدمونها دون أن يعرفوا لماذا تغيّرت، أو حتّى ماذا كانت عليه من قبل!… كي لا يضيعوا في لجّة التّفاصيل المرهقة والمستعصيّة على الفهم…” (ص 62).

ومن ناحية أخرى لا يتضمّن السّرد فقط تذكّر الحروب والصّراعات العسكريّة والسياسيّة على السّلطة عبر التّاريخ والتي تسبّبت في قتل وتفقير فئات واسعة من المواطنين وكذلك تعطيل الاستقرار والتّنمية في المنطقة. لكنّه إضافة إلى ذلك يسعى إلى كتابة تاريخ يذكّر القارئ بشخصيات سعت إلى تقديم جهدٍ كبير لبناء المجتمع وخدمته، ولكن أجهدت محاولاتها ونُسيت في خضّم الحياة القاسية التي يعيشها سكّان المنطقة مثل أطبّاء المستشفى المعمدانيّ، والذين تم اغتيال عدد منهم على يد متطرّفين إسلامويين في عام 2002، إلى جانب المساعد العامّ للحزب الاشتراكيّ اليمنيّ “جارالله  عمر” الذي تمّ اغتياله في نفس العام. وكذلك الرّئيس إبراهيم الحمدي الذي اغْتيل في عام 1977. ويصوّره الكاتب بأنّه كان بمثابة “واحدة من أندر الفرص التاريخيّة لنهوض اليمن عبر قرون” (ص 224).

أمّا من ناحية الأسلوب الأدبيّ فيمكن القول إنّ السرد في رواية “جوهرة التَّعْكَر” كرواية ما بعد حداثية عبارة عن كولاج يجمع بين الاسطورة والحكاية الشعبية، والشعر الشفهي والأغاني من الفلكور في القرية اليمنية الذي يمثل الهوية التاريخية والثقافية اليمنية. و”جوهرة التَّعْكَر” لا تمزج فقط بين الأجناس الأدبيّة وغير الأدبيّة ( fiction and non- fiction)، حيث يوجد الشعر والنثر والحبكة الخيالية إلى جانب الوقائع أحداثه التاريخيّة التي دمجت بأسلوب تقريريّ، ولكنّها كذلك اعتمدت الواقعيّة السحريّة في ثناياها التي ساعدت الكاتب في كتابة نصّ يضرب في عمق التّاريخ، إذ تبدّى الجانب الفنتازي والأسطوريّ في الرواية، لتتبّع رحلة الإنسان اليمني في البحث عن فهم الوضع السّياسي والاجتماعيّ والنّفسي الذي يعيشه في وطنه.

رواية "الحقل المحترق" للرّوائي والفنان التّشكيلي اليمني ريّان الشّيباني

صدرت رواية” الحقل المحترق” للرّوائي والفنان التّشكيلي اليمني ريّان الشّيباني عن دار خطوط وظلال للنّشر والتّوزيع في عام 2021 وقد سبق وأن أصدرت للشّيباني رواية “نزهة كلب” في عام 2017.

تقع أحداث رواية “الحقل المحترق” في 422 صفحة مقسّمة إلى قسمين وتستلهم أحداثها من حقبة تاريخيّة هامّة في تاريخ اليمن الحديث، وهي تلك الفترة التي تولّى فيها الوالي العثماني “محمود نديم بك آق ديلك” (1865 – 1940) حكم اليمن ما بين عام 1911 وعام 1918 وطبيعة الأوضاع السّياسية التي كانت تعيشها اليمن جرّاء المتغيّرات السّياسية التي سبقت الحرب العالمية الأولى وأعقبتها.

يخترغ السّرد في رواية” الحقل المحترق” تاريخًا متخيَّلًا يوازي التّاريخ الموثّق لتلك الفترة التّاريخية من خلال استرجاع الشّخصية المتخيّلة لوالٍ عثمانيّ يسمّى”آق ديلك بك” لتفاصيل طفولته وشبابه بين أفريقيا والأستانة وفرنسا قبل أن يتمّ توليته واليًا عسكريّا علي بلدة “قدار” في العربية السّعيدة. إذ يسرد الرّبع الأوّل من الرّواية تفاصيل الرّحلة البحريّة إلى “السعيدة” والتي يتعرّف من خلالها القارئ على التغيّرات السياسيّة والثقافيّة والاجتماعية في بدايات القرن العشرين والعلاقة بين القوى المستعمرة والمستعمرين من خلال وصف الأزياء الحديثة (خصوصًا أزياء النساء) وأسلوب حياتهنّ وتواجدهنّ في المجال العمومي في العواصم الحديثة في فرنسا أو الأستانة، بينما غاب وصف أزياء أو نمط حياة عامّة الشّعب في العربية السّعيدة وكأنّ الرّاوي أراد أن يؤكّد أن عامّة الشّعب من أهل السّعيدة.

ورغم أنّ الأحداث الرئيسيّة التي تقع بين الشّخصيات المحوريّة في الرّواية (الوالي العثمانيّ "آق ديلك بيك" و”قاطع الطريق أمير المؤمنين محي الدين بن سراج” في “بلدة  قدار” في العربية  السّعيدة، إلّا أن هذا  الشّعب يظلّ غير مرئيٍّ لتلك القوى المتصارعة على السّلطة. فعوضًا عن تصوير أفراد من البلدة لتمثيل الحالة النّفسية والحياة الاجتماعيّة لسكّان “السّعيدة” يركّز السّرد على وصف الحقل وما ينتحه من أنواع المحاصيل والأشجار المثمرة التي تضمن تدفّق المال للحكّام. وليؤكّد تلك الصّورة، فحين يتطرّق السّرد بين السّطور لوصف أهل “السّعيدة” يظهر هؤلاء كجمهور (كتلة واحدة) من عمّال بسطاء نصف عراة وفلّاحين بائسين أو جموع متديّنة مهلّلة لمن يُفترض أنّهم يقيمون الدّين في البلاد.

وبداية من الرّبع  الثّاني وحتّى نهاية الرّواية وعبر استرجاع الرّاوي العليم لفترة حكم الوالي العثمانيّ “للسّعيدة”، هذه البلدة التي  تتنشر فيها الأوبئة والفقر، والتي قضّى فيها الوالي العسكريّ عشر سنوات من الزّمن بموجب تعيين من قبل الخلافة العثمانيّة، وبطلب من زعماء محلّيين لمساعدتهم في فرض الأمن والاستقرار في البلاد التي يتنازع فيها الأئمّة وزعماء القبائل، تكشف رواية ” الحقل المحترق” عن استغلال الأنظمة السّياسية الدّينية للبلاد وثرواتها، ولا فرق –هنا– بين والٍ عثمانيٍّ أو ملك يمنيٍّ في استغلال البسطاء وثروات البلاد تحت غطاء الدّين. فبداية تسرد "الحقل المحترق" عملية التّفاوض حول تسليم السّلطة في “بلدة قدار” بين الوالي العثمانيّ “أمير المؤمنين”، إذ ينتهي التّفاوض بين الطرفين بأن تُقتسَم سلطة الزّكاة (الضرائب) بينهما، وأن تتكفّل إمبراطوريّة الخلافة بتحصيل الأموال ودفع رواتب موظّفيها في الأقاليم.

ثم مع تطوّر الأحداث ينقل السّرد دور هؤلاء الولّاة العثمانيين والزّعماء المحلّيين في استغلال النّاس وإفقارهم عمدًا. يظهر ذلك أوّلا من خلال تصوير التّناقض بين حياة البذخ والرفاهيّة والأموال والحبوب التي يكتنزونها، وبين الفقر والحياة الشاقّة التي يحياها العامّة الذين يتمّ استغلالهم من خلال استخدام خطاب دينيّ يقوم به فقهاء السّلطان ليغيّب عقول البسطاء ويرسّخ فيهم الاستسلام للظّلم الواقع عليهم من قبل الحاكم. وفي هذا الصّدد يقول الرّاوي “فعندما يقول الملك: ‘شـعبي العزيـز’ يمكن تقريـب الصّـورة إلى أقصر المسافات لنـرى مَـنْ يقصـد بالضّبـط… تلامذة المدارس الفقهيّة القائمة عـلى نعمـة التسـوّل، والجنـود، حراس المملكة، الذين لولا وقوفهـم الأسبوعيّ الطّويل هنا لما اسـتطاعوا شراء دوابهم وألبستهم وصاع الغـذاء الـذي يقوُّم أَوَدَهُمْ، وجمع آخر غفـر من الموظّفين وأطفال بعاهاتهم المستدامة وحتى الكتبة العموميين، ولكي يكونوا خبراء في مهنتهم، كان عليهم التدرّب على منظومة شفاهيّة كاملة من مأثورات وأدعية استجلاب الرزق” (ص 199).

وهو الخطاب الدّيني نفسه الذي يستخدمه الحاكم المحلّي “الملك” لتحريض العامّة وتحريكهم ضدّ خصومه لتحقيق مصالحه الاقتصاديّة. ففي مشهد محوريّ يقتحم قرويون قصر الوالي ويسيطرون على مخازنه تحت دعوى الجهاد ضدّ الوالي الذي أُشيع أنّه سلّم البلاد للكفّار “الإنجليز”. ثم ينقلنا السّرد إلى خطاب الملك الذي يدعو مقاتليه الجوعى لتسليم ما استولوا عليه تاركًا إّياهم وجموع النّاس للفقر في الدّنيا واعدًا إيّاهم بالنّعيم في الآخرة.

“فتـح القرويون شرنقات نومهم بصعوبة، بعد أن أغلقوها بإحكام من الذي يريد أن يصحو. خرجوا إلى السّاحة وهم يكشطون أجسادهم ورؤوسهم. واستمعوا إلى نداء السَّماء، الذي دعاهم للتجمّع. ثــم ألقيــت عليهم خطبة عن أهميّة الجهاد، وكيف أنّ غنائم المعارك ملك بيت مال المسلمين ولا يجب أن تذهـب لغير ذلك. أتبـع ذلك، شرح مستفيض، عمـا أعـده اللّه في جنّات النّعيم، كمقابل سخيّ لهذه التّضحية الصغيرة.” (ص 155).

 ومن جهة أخرى يؤجّج الحاكم الخلاف بين فئات المجتمع وتقسيمهم إلى مجموعات متناحرة تنشغل بالتّناحر فيما بينها، فتنشغل عن حقوقها الأساسيّة وتنسى الظّلم الواقع عليها من طرف الحاكم سواء كان مستعمرًا أو محليًّا. ورغم أنّ السّرد يحاول ألّا يقطع بعدم وجود وعيٍ ثوريٍّ في هذا المجتمع من خلال التمرّد الذي قام به الفلّاحون ضدّ الوالي والذي قام بإحراق حقولهم بعد عصيانهم ورفضهم دفع الضّرائب التي أنهكتهم لسنوات. فقد استطاع تمرّد الفلّاحين بقيادة الفلّاحة “دهرة الحلبة” أن يستولي على مخازن الحبوب وتوزيعها على الفلّاحيين الذين أُحرقت حقولهم وأبقارهم وتمّ تفقيرهم لسنوات.

ورغم أنّه بدا للقارئ أن هذا التمرّد حدث مفصليّ وثورة وعيٍ من الفلّاحين على الظّلم الواقع عليهم لإعادة الحقوق، وربّما نظام سياسيّ عادل إلّا أنّه في صدمة للقارئ تنتهي تلك اللّحظة التّاريخية الخاطفة دون إشارة لنتائج التمرّد أو تغيّرات في المجتمع أو النّظام السياسيّ، بل اتّجه السّرد ليوضّح كيف تمّ تأجيج الخلاف بين فئات المجتمع بإيعاز من “الملك”. وفي ذلك يقول الرّاوي “عــاد السـّيد خمسـون ألـف لـيرة، إلى لقبـه السّـابق، ليتلقّـى عـرض قضـاء ديونه من مَهَمَّة إعادة هيكلة الجيش باستراتيجيّة توازن الرّعب. أنشأ الوالي المخلوع، وبإيعـاز مـن القيـادة الملكيـّة، ثلاثة جيـوش في قاعـدة عسـكريّة صارمـة ومدروسـة لتقاتـل بعضهـا؛ فالجيـش النّظامي أُسـندت إليـه مهـامُّ مشـاغلة سـكّان الضّواحـي النّاقمـين مـن المملكـة، أمّـا فصيـل الميليشيا فَشُكِّل مـن القرويين المدافعين عــن أنفســهم ضــدّ العــدوان السّــافر للجيش النّظامي. ولكي يتحاشى المقام الملكيّ وجود اختـلال بـين هـذه القـوى، تمّ تشـكيل الجيـش الـبرّاني (الاحتياط) مـن أفـراد ذوي نزعـة متردّيـة، وينفـرون مــن القوانـيـن وطوابير التّدريب، مهمتهم تعديل الكفّة المائلة بـين المتحاربين لتصـير الأمور إلى وضـع نزاعهـا البينـيّ” (ص 193 – 193).

ومع ذلك وفي هذا السّياق يمكن الزّعم بأنّ السّرد يقدّم رواية مضادّة للرّوايات التّاريخية حول دور السّلطة السّياسية (العثمانيّة) في استغلال البلاد وتفقيرها. وتعتبر هذه الرواية في القصة التاريخية الخرافية مضادة لرواية أخرى موثقة في السجلات التاريخية الرسمية حول وجود الحاكم التركي، الذي ادعى في رسائله للقبائل اليمنية وكذلك لحاكم أنقرة مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفي كامل أتاتورك. فقد كان على الحاكم محمود بك نديم تسليم اليمن للإنجليز بعد هزيمة القوات العثمانية وتراجعها وإبرام هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918 بين الدولة العثمانية وقوات الحلفاء والتي تقضي بالانسحاب من العديد من الجهات ومنها اليمن، ولكن رفض محمود نديم بك تسليمها مُصِرًّا على أن مرمى ومسعى تواجد الأتراك في هذه البلاد جاء هو أساسًا لنصرة الإسلام والمسلمين في اليمن ولاستقرار البلاد وحمايتها من مستعمر أوروبي “كافر”، وأن أهل اليمن مرتبطون بالأتراك ويكنون لهم الحب ولا يريدون الانفصال عنهم. [9]

وبالعودة للقصة التاريخية الخرافية يقدم السرد للقارئ رواية مضادة على لسان شخصية الوالي التركي “طرقـت رأسه أسئلة غـر مواتية.. لِم لَـم يكلـف نفسـه، خـلال عقد كامل عناء السؤال ولو لـمرة واحــدة، مــا الــذي رمــى به إلى هنا؟ مـا الـشيء الـذي كان عـلى وشـك أن ينهـار فأقمتـه، عـدا تقاسـم أمـوال الفلاحيـن وأقواتهـم؟ ما الخلافة، إن لم تكـن هـذه الحرائـق المشــتعلة في أرجاء الأرض، أرتال الحفاة المتقطرنين الجوعى الذين مــن شـأنهم إدارة هــذه الفــوضى، وإن بعوزهــم وفاقتهــم، والعـودة إلى خدورهـم خائبيـن”.

ومن ناحية أخرى، فـ”الحقل المحترق” التي صورت دور السلطة العثمانية في استغلال البلد وأهلها لم تغفل دور الزّعماء المحلّيين في تأجيج الفرقة والتّقاتل في المجتمع من ناحية وتعطيل التّنمية والبناء من ناحية أخرى. هذه السلطة الدينية المحلية وباستخدام خطاب دينيٍّ مضلّل تتسبب في إخفاق البناء وعدم تحقيق عدالة اجتماعيّة حقيقيّة في البلاد مرّة بعد مرّة معيدًا إيّاها إلى مجتمعات تنتمي إلى: القرون الوسطى" فقط ليبقي الحكّام في السّلطة وباسم الدين كذلك. يقول الرواي “فبعـد أن أفنت جيوش المملكة بعضها، وصار القتال بين الفصائل الرّسمية المتفانية إلى رضب من الثّأر القبليّ المترسخ َّ داخل المجتمعـات النّائية الجائعة. أمـن الملك جانبه، فاختار وظيفة الدّفاع عــن المملكة، بنوع أسبوعيّ مــن الاستعراض الكوميديّ الرّاقص بالرّماح والسّيوف والخناجر، لتذكر فقط بأن هناك من لا يزال يحكم (ص 194).

 

رواية "الحقل المحترق" للرّوائي والفنان التّشكيلي اليمني ريّان الشّيباني. Arabic Cover Roman aus dem Jemen Novel from Yemen „Das brennende Feld“ vom Autor Rayyan Al Shaibani.
رواية ” الحقل المحترق” تكشف عن استغلال الأنظمة السّياسية لليمن: تقع أحداث رواية “الحقل المحترق” في 422 صفحة مقسّمة إلى قسمين وتستلهم أحداثها من حقبة تاريخيّة هامّة في تاريخ اليمن الحديث، وهي تلك الفترة التي تولّى فيها الوالي العثماني “محمود نديم بك آق ديلك” (1865 – 1940) حكم اليمن ما بين عام 1911 وعام 1918 وطبيعة الأوضاع السّياسية التي كانت تعيشها اليمن جرّاء المتغيّرات السّياسية التي سبقت الحرب العالمية الأولى وأعقبتها. وبداية من الرّبع الثّاني وحتّى نهاية الرّواية وعبر استرجاع الرّاوي العليم لفترة حكم الوالي العثمانيّ “للسّعيدة”، هذه البلدة التي تتنشر فيها الأوبئة والفقر، والتي قضّى فيها الوالي العسكريّ عشر سنوات من الزّمن بموجب تعيين من قبل الخلافة العثمانيّة، وبطلب من زعماء محلّيين لمساعدتهم في فرض الأمن والاستقرار في البلاد التي يتنازع فيها الأئمّة وزعماء القبائل، تكشف رواية ” الحقل المحترق” عن استغلال الأنظمة السّياسية الدّينية للبلاد وثرواتها، ولا فرق –هنا– بين والٍ عثمانيٍّ أو ملك يمنيٍّ في استغلال البسطاء وثروات البلاد تحت غطاء الدّين.

 

وبذلك تقدّم “الحقل المحترق” تاريخًا مُخترَعًا في مقابل تاريخٍ موثَّقٍ من خلال نسج خطاب روائيّ متخيّل معتمدًا على الواقع الاجتماعيّ لآثار تلك الحقبة التاريخيّة الموثّقة من قبل من لهم سلطة الكتابة. كما أنها تفكك العلاقة بين الرمز والممثلين له وأقصد هنا لدين وممثليه. فممثل الدين هنا ليس رجل يقيم العدل وينشر الأمن بين الناس، بل هو “قاطع طرق وسارق” يختفي وراء ماضٍ مزعوم لسلالة تدعى وصايتها الدينية على الشعب، حتى لو كانت قد فرضت تلك الوصاية بالقوة، أو جامع للضرائب باسم الدين غير عابئ بحاجات الناس واحتياجاتهم. ومع ذلك تنتهي “الحقل المحترق” نهاية مفتوحة يبقى فيها الملك في مكانه، والشّعب يتقاتل بعضه بين بعض ولا يقدّم حلولًا أو سيناريوهات لحلِّ معضلة تكرار هذا التّقاتل حول السّلطة السّياسية واستخدام الخطاب الدينيّ لتحقيق أغراضٍ اقتصاديّة وسياسيّة على حساب البسطاء كما يشهد المجتمع الحالي.

رواية "نصف إنسان" للرّوائي اليمني نجيب نصر 

رواية “نصف إنسان” هي العمل الرّوائي الأول للدكتور نجيب نصر، والحائزة على جائزة كتارا فئة الروايات غير المنشورة لعام 2020، وصدرت كذلك عن دار كتارا للنّشر عام 2021. تُروى أحداث “نصف إنسان” في 240 صفحة مقسّمة على 19 فصلًا غير معنون.

يرصد السّرد في رواية “نصف إنسان” تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة تبدأ من حيث انتهت رواية "الحقل المحترق" للشّيباني. فمن خلال الحبكة الرّوائية التي تتبّع حلّ اللّغز لحالات قتل وحكايات عن ظهور شخصيات غامضة ومخيفة كظهور “امرأة غامضة” تسكن في منزل مهجور وشخص له ملامح “نصف إنسان”، وظهور جثث معلّقة في طولقة عملاقة بالقرب من مقبرة القرية. كما تسترجع الرّواية تاريخ المكان -اليمن- متمثّلًا في قرية “السّاقية” والجوّ الملتبس الغامض وعدم الاستقرار الذي يحياه أهل القرية على إثر الصّراع على السّلطة وثروات البلاد منذ انهيار الدّولة العثمانية وتسليم السّلطة للإمام يحيى بن حمد الدّين حتّى وقت أحداث الرّواية التي تُروى على لسان البطل “عبدالرّحيم الغازي” في عام 2007.

يعود عبدالرّحيم الغازي إلى قريته بعد أن اضطرّ لهجرانها لسنوات بعد التّهديد الذي تلقّاه من متطرّفين إسلامويين، فيسمع عن حكايات مخيفة وغامضة تسبّبت في قتل العديد من الشّخصيات كان يُعتقد أنّهم سبب الظّلم والمآسي في المجتمع، ولكنّ حوادث القتل الغامضة ستشمل العديد من الشّخصيات البسيطة العادية، والتي لا دخل لها فيما يجري في البلاد من خراب وظلم. تمرُّ تلك الحوادث الغامضة دون تدخّل من الدّولة بطريقة فعّالة لإيجاد تفسير منطقيّ لها، أو حتّى إيجاد الجاني ومعاقبته. ذلك الجو الشبحيّ الذي جعل البسطاء يلجؤون إلى الخرافة والأسطورة، في محاولة لإيجاد تفسير لتلك الأحداث الغامضة والفزع الذين يعيشونه ثمّ الاستسلام لهجران القرية حيث بيوتهم وحقولهم.

تستمرّ الحبكة في تتبع الأحداث المعقّدة، ولا يستطيع القارئ الوصول إلى حلّ للّغز بسهولة، حيث يشكّ القارئ مع الرّاوي وأبطال الرّواية في أكثر من شخصيّة مسؤولة عن تلك الجرائم. كما يقول الرّاوي “كلّ شيء قابل للشكّ في هذه القرية”. وتنتهي الرّواية بفصل بعنوان “سرّي جدًّا” يكشف فيه السّرد عن اختفاء البطل (عبدالرّحيم الغازي)، مع وجود دلائل غير مؤكّدةٍ من قبل التحرّيات الأمنيّة حول كون عبدالرّحيم الغازي يقف خلف أحداث القتل الغامضة. ولا تقدّم الرّواية بذلك تفسيرًا لقيام البطل (المهزوم) بقتل أحبّائه وأصدقائه وآخرين طغاة وظالمين تسبّبوا في خراب القرية وتعطيل تنميتها وتهديد أمنها! فلم يَعُدْ هناك تفسير منطقيٌّ لأفعاله، ولظهور هذا (النّصف إنسان) إلّا كونه الإنسان اليمنيّ العاديّ نفسه الذي عايش كل المآسي والخراب.

وتعتبر الثّيمة الأساسيّة للرّواية هي كتابة تاريخ موازٍ للتّاريخ الرّسمي تتذكّر فيه المظلومين من البسطاء وتتبّع جذور العنف والصّراع على السّلطة وثروة البلاد الذي حرم النّاس من الأمان والاستقرار ممّا أدّى إلى إجهاض مشاريع التّنمية المجتمعيّة وإفقار أهل القرية. فتعيد أحداث “نصف إنسان” تسليم الحاكم العثمانيّ البلدة “السّاقية” لزعماء القبائل عام 1918. ذلك التّسليم الذي نقل البلاد إلى مجموعة من حكام جدد هم طغاة أرهبوا النّاس وزوّروا التّاريخ.

يكشف السّرد كيف أنّ وقوع أهل القرية بين ثلاث قوى تناوبت وتكالبت عليهم فأشاعت الرّعب بينهم وأفقرت البلاد، وكانت سببا في تعثّر التّنمية. توزّعت تلك السّلطات الطاغية بين كبار البلاد والسّلطة الدينيّة المتشدّدة التي استخدمت الدّين لتزوير واستغلال البسطاء، ومن ناحية ثالثة كان العنف المستخدم من قبل السّلطة الحاكمة ضدّ من يخالفون التوجّه السّياسي القائم.

فعبد الحميد السّاقي جدّ الشّيخ عبد المعين الذي قام وأعوانه من القبليين المسلّحين بقتل الوالي العثمانيّ ورجاله وتعليق جثثهم على شجرة الطولقة قبل أن يرموا بها داخل المجنة دون تكفين أو صلاه ثم سكن في قصره. دخل قرية السّاقي “مثلما يدخل القتلة والغزاة والمحتلّون”، وضمّ لنفسه مجموعة القرى حول قرية الساقي. وهو نفسه الشّخص الذي تسبّب في توقّف مشروع الريّ الذي بدأه الحاكم العثمانيّ (رضوان باشا). فقد أقام السّدود والسّواقي التي أعادت للقرية بهاءها ولحقولها الخصوبة فأنتجت المحاصيل والحبوب وربّى الأهالي المواشي ما حقّق لهم اكتفاءً ذاتيًّا لفترة وجيزة قبل أن تتوقّف تلك المشاريع بسبب الحرب العالميّة الأولى وتسليم البلاد للحاكم اليمنيّ “الإمام يحيى حميدالدّين”. زاد عبد الحميد السّاقي في طغيانه وظلمه للأهالي من خلال الجبايات وإهانة البسطاء. وقد تضاعف طغيانه بعد أن توطّدت صلاته مع السّلطة الدّينية الحاكمة في البلاد “الإمام”.

وحتى مع بعض رياح الأمل في التّغيير والبناء التي هبّت بعد الثّورة على النّظام الإمامي في الستّينيات إلّا أنّ التخريب والعنف يعود مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة على يد السّلطة السياسيّة الحاكمة مع الاضطرابات السياسيّة التي شهدتها البلاد في النّصف الثّاني من السّبعينيات ما أطلق عليه أحداث الحُجَرية “في عام 1978. طبقا لتسمية الحكومة ‘المتمرّدين’. فلم يقتل المتمردون فقط، بل كذلك من عارضوا مصالح أعيان البلد من المتجبرين. فالحاجة نورية وهي المرأة الوحيدة المتعلمة في القرية والمرأة الشجاعة التي استطاعت أن تقف ضد جبروت الشيح عبد المعين. أصرت الحاجة نورية على تعليم أهل القرية في حين رفض الشيخ عبد المعين الذي رأى في بناء المدرسة وتعليم أهل القرية “بداية لتفلت أهل القرية من يديه”. وشى بها الشّيخ عبد المعين بعد أن أخفت المتمرّدين في بيتها، فتمّ إحراق بيتها بما فيه من المكتبة الوحيدة في البلد، وهدّمت المدرسة التي قد بدأت الحاجّة نورية في بنائها على نفقتها الخاصّة. حينها فقط انكسرت الحاجّة نورية التي لم يكسرها غرق طفليها…” كانت مؤمنة بالقضاء والقدر، ولكنّها لم تكن مؤمنة بظلم الآخرين لها (ص 128).

ولم تقم القوّات الأمنيّة بهدم المشاريع التي بدأت القرية في بنائها فقط، ولكنّها تركت كذلك الكثير من القتلى والأرامل واليتامى. فقد قتل الشّباب بدم بارد وتناثرت أشلاؤهم لتترك جرحًا في نفوس أهالي القرية كبارهم وأطفالهم و“ظلّ الأهالي يؤرّخون لتلك الأيّام بأنّها الفترة التي شبعت فيها النّسور” (ص 135). يصور عبد الرحيم الغازي حالة الخراب والأسى والحقد تجاه تلك السلطة السياسية والتي من المفترض أن تحقق الأمن والأمان قائلاً “كغمضة وسنان وقعت الأحداث. كعاصفة ضربت الشاطئ ثم ابتعدت مخلفة الأنين والدمار. أفاق الأهالي على صدمة غير متوقعة، فجأة تحوّلت الدّيار إلى أنقاض، وفجأة غادر بعض الرّجال واُعتقل آخرون. عندما كان صوت الدبابة يئزّ أزيز النيران المشتعلة ويتوارى في المدى بعد أن اكتسحت في طريقها النّور الذي بدأ يشعّ في حلم القرية النّائية الحزينة. كانت الدّموع تسح من عيون الأطفال والنّساء، وكانت الأحقاد تنمو كأشجار الكافور الباسقة أمام البيوت، وكانت الحرائق التي أشعلتها الحملة العسكريّة تتأجّج في الصّدور والنّفوس (ص 133).

يستمرّ الراوي في سرد فترة تاريخيّة تالية ينتقل فيها سريعًا من نقل صورة للهدوء والاستقرار الذي نعمت به القرية وأهلها في بداية الثمانينيات حين سعت الدّولة إلى بدء مشاريع تنمية القرى وتحجيم سلطات كبار القرى ومشايخها إلى فترة جديدة وطويلة من الخوف والفزع من خلال التعرّف إلى شخصيّة (سليمان قاسم وأعوانه). وسليمان قاسم الذي عاد في بداية التّسعينيات بعد توحّد البلاد إلى القرية وهو الوحيد الذي ثار على ظلم الشّيح مهيوب كبير القرية الذي رغم أنّه كان أقلّ طغيانا ممّن سبقوه بفعل تحجيم السّلطات الحكومية لكبار البلدان. واستطاع سليمان قاسم وجماعته من خلال الكتب والمحاضرات الاستيلاء على عقول النّاس وتغييبهم وتغيير ملامح القرية.

استطاع هؤلاء أن يسيطروا على عقول أهل القرية وثرواتها بخطاباتهم التي مزجت بين التّرهيب والتّرغيب فغيّروا ملامح القرية، كما غيّروا طبائع البسطاء فيها منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي هذا الشّأن يقول الرّواي “جاؤوا متسلّحين بالخطابة والحزم فسيطروا على مساجد القرية ونزعوا عنها عفويتها وقيّدوها بتعاليم صارمة.. اجتاحوا في طريقهم القرية وبساطتها.. كانوا كالنّار التي تلتهم كلّ شيءٍ في طريقها” (ص 194). يستمر السرد ليصور إرهاب هذه الجماعات الدينية. فبعد أن تمكّنوا وتوطّدت قوّتهم خصوصا بعد تشكّل الأحزاب الدينيّة بعد الوحدة اليمنية وسلطتها التي بدأت في التعزيز بحكم صلاتها مع السّياسة الحكوميّة لهزيمة الحزب الاشتراكي في عام 1994 حتى طغوا على أهل القرية وتاجروا بالدّين فكرههم البسطاء والضعفاء. يقول عبدالرّحيم “رغم أنّهم نجحوا في أوّل الأمر إلّا أنّ النّاس كرهوهم بعد أن تحولوا لمزورين ولمتاجرين باسم الدّين فخسر النّاس أموالهم ومدخّراتهم واستلموا هم المناصب السّياسية في إدارة البلاد”. ومع ذلك فقد كان مصير من ناهض خطابهم من الناس العاديين من المتعلمين الترويع والتهجير كما حدث مع شخصية عبد الرحيم الغازي الذي اضطر إلى ترك زوجته وطفله بعد تلقيه تهديد منهم إما التراجع عن آرائه ضد أفكارهم أو الحكم عليه بالموت.

كتاب "ثمانون عاماً من الرواية في اليمن" - للكاتب عبد الحكيم محمد صالح باقيس

وبذلك، ومن خلال تتبع السرد لتلك القوى القمعية والجائرة التي جمعت بين الجماعات الدينية والسلطة السياسية تقدم الرواية هنا صورة للإرهاب من واقع النسيج المجتمعي والسياق السياسي اليمنى، والتي جاءت مختلفة عن الصورة السائدة للإرهاب المتعصب دينيًا المتخيل في فضاءات الرواية العربية عموماً. ويؤكد الدكتور عبدالحكيم محمد صالح باقيس في كتابه “ثمانون عاماً من الرواية في اليمن: قراءة في تأريخ تشكل الخطاب الروائي اليمنى وتحولاته” (2014) إن تصوير ظاهرة الإرهاب والإرهابي في الرواية اليمنية، والمختلفة عن صورة الإرهابي المتطرف دينيًا، قد تجلت في أعمال روائية يمنية منذ عقود كما يظهر مثلًا في رواية” السمار الثلاثة” لسعيد عولقي في نهاية الثمانينيات، وقبل أن تليها أعمال عديدة في فترة التسعينات وما تلاها مع اتساع رقعة حرية التعبير عن القمع السياسي والديني كما نرى في رواية “الملكة المغدورة” لحبيب عبد الرب سروري الصادرة عام 1999. وهو ما يعود بنا مرة أخرى إلى اتجاه ما بعد الحداثة الذي يفكك العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول. هذا ما يدعونا دائمًا إلى إعادة نظرنا وتصوراتنا عن الألفاظ والمصطلحات وما تدل عليه. فالألفاظ والمصطلحات هي نتاج السياق السياسي والاجتماعي التي تنشأ فيها أولًا كما أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما ينتج عن تلك استخدامها.

ذاكرة المكان في رواية “نصف إنسان”

في “نصف إنسان”، ورغم أن الجماعات الدينية التي ادّعت أنها ترجو تحقيق الرخاء والعدل والأمان للشعب من خلال التزامها بتعاليم وقيم “الدين الصحيح”، إلا أن “دينهم الصحيح” لم يحقق إلا الفزع والخراب للشعب، مفرغاً الدين من معناه الأساسي وهو تحقيق السلم والسلام والعدالة الاجتماعية كما يعرفه ويُعرّفه آخرون. أما الدولة فرغم تعدد أشكالها بحسب وظائفها وأدوارها إلا أنها تبقي الكيان السياسي الذي يمثل صمام الأمان وتحقيق السلم والنظام الاجتماعي على نحو يمكّن الأفراد من ممارسة حياتهم على النحو الذي يعتقدون أنه الأفضل [10]. بالعودة إلى سياق الرواية فإن الدولة لم تتجاهل فقط حاجات الناس، ولكنها كذلك تركت عامة الشعب فريسة للأعيان الجشعين من ناحية ومدعى الدين من ناحية أخرى.

تركز رواية “نصف إنسان” كذلك على تاريخ ذاكرة المكان الذي يرفض أن ينسى هؤلاء المظلومين والذين قتلوا ظلمًا وعدوانًا. تعود أشباح الماضي لتنتقم لنفسها في نفس المكان الذي شهدت فيه الظّلم والعدوان، وتقع جرائم القتل في ثلاثة أماكن رئيسيّة: بناء البئر في وادي الباشا الذي يمتد إلى قصر كان يسكنه آخر والٍ عثمانيّ (رضوان باشا)، وهنا تمّ العثور على عدد من القتلى الذين يمثّلون كبار القرية الذين استغلّوا ثروات البلاد وأهانوا أهلها. والمكان الثّاني هو الطولقة العملاقة حيث قتل الفقيه الذي وقف ضدّ الظّلم، ولكن لم يناصره من العامّة أحد. وقد تكرّر إيجاد جثث معلّقة عليها من الماضي أو من تمّ قتلهم حديثا من أهل القرية من النّاس العاديين. أمّا المكان الثّالث فهو البيت المهجور "للمرأة الغامضة" التي قتل رضيعها وفجّرت في منزلها من قبل أبناء الطّاغية (الشّيخ عبد المعين).

 ومن هنا يمكن القول إن رواية “نصف إنسان” تعالج مسألة ضعف الذاكرة البشرية ونسيان الأهالي لفظائع الماضي التي ارتكبها في حقهم هؤلاء المتجبرون ولا يزال واقعهم يعاني آثارها، ومن ناحية أخرى تؤكد أن تلك الفظائع والجرائم ستظل تطارد الحاضر حتى وإن انشغل الناس العاديون عن ذكراها وآثارها بفعل مرور الأيّام وصعوبة حياتهم اليومية ومتطلباتها، تظل الأرض محتفظة بآثار جرائمهم. يقول الراوي على لسان عبدالرحيم “مضت الأيّام عند الأهالي كأنّ شيئا لم يكن، وظلّت حجارة القرية وترابها تحصي صنائعهم وتسجّلها” (ص 207).

وجاءت العبارات مناسبة تمامًا لهذه التّحولات السّياسيّة والاجتماعيّة والنفسيّة التي أفضت إلى جوّ ملتبس ومتناقض ومأساويٍّ تحياه القرية وأهلها كما يتجلّى في العبارات التّالية مثلًا: سفت التّراب في عيون الأمل الطفيف، السّحب السّود تخدش وجه الفضاء الحنون، دماء الغروب غامضة، ظلام مرعب، حقبة من الدّماء والخوف، الفضاء الغامض المجهول، لحظات رمادية، جسد عاجز، روح مثقوبة، شكوك تحجب الرّؤية، ليل يلتهم القرية، لحظات تفترسني، رهبة الهلاك، منكسرا مهزوماً، اليأس والهزيمة، الوجع المتكوّم في شكل قرية، هربت، أجرجر خلفي هزائمي وخياناتي، زمن الهجرة والشّتات، تعزف لحن الضّياع والشّتات، أطلالًا خاوية، الحقول الجرداء.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة