نشاطات في الفراغ

وفي ساحة الشهداء تمتد عشرات الرافعات البرجية بأذرعها المرتفعة في الهواء، وكأنَّها أخطبوط عملاق ينقض على فريسته.

"لا يوجد قانون يحمي التراث اللبناني"، مثلما يقول جوزيف حداد، وهو الأمين العام لجمعية "التجمُّع للحفاظ على التراث اللبناني" APLH: "القانون الوحيد الموجود لدينا من أجل حماية العمارة يعود تاريخه إلى عام 1933. وحتى أنَّ هذا القانون في الواقع هو قانون غير لبناني، قام بإدخاله الفرنسيون أثناء انتدابهم في لبنان".

Beirut's nineteenth century Rose House (photo: Changiz M. Varzi)
بصيص من الأمل لبيروت: "إنقاذ وإعادة إحياء البيت الأحمر الذي يبلغ عمره ثلاثمائة عام ويعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، وتحويل مبنى بركات الذي أقيم في بداية عشرينيات القرن الماضي إلى متحف، وكذلك ترميم قصر حنيني، هي أمثلة من حملات ناجحة لحماية مباني المدينة التي كانت في السابق عظيمة"، كما يكتب شنكيز وارزي.

تم تأسيس جمعية التجمُّع للحفاظ على التراث اللبناني في عام 2010 كمجموعة على موقع فيسبوك، بهدف لفت الانتباه إلى الخراب الذي يمتد إلى تراث بيروت المعماري. هذه المجموعة نظمت العديد من الاعتصامات من أجل حماية المباني المهدَّدة بالهدم، ولكنها سرعان ما وسَّعت نشاطاتها لتشمل الاطلاع على المعلومات والوثائق حول التراث المعماري والثقافي في لبنان.

وبحسب تعبير جوزيف حداد فإنَّ جمعية التجمُّع للحفاظ على التراث اللبناني تسعى قبل كلِّ شيء إلى زيادة الوعي ولفت الانتباه. "الثقافة والتاريخ والهوية تشبه صحة الإنسان. فهو لا يمكنه إدراك قيمتها إلاَّ عندما يفقدها"، مثلما يقول جوزيف حداد: "يجب علينا أن نُذَكِّر الشعبَ اللبناني دائمًا بأهمية هذه العوامل. ونحن نفعل ذلك بقدر كبير من الإبداع والحماس. لأنَّنا نريد أن يحتفل الناس بثقافتهم وبتراثهم".

اليوم وبالنظر إلى ستة أعوام من النشاط في بيروت، يشير جوزيف حداد إلى واحد من أبرز النشاطات الخاصة، وهو خارطة أطلقتها جمعية التجمُّع للحفاظ على التراث اللبناني من أجل توثيق جميع المواقع الأثرية وبقايا التراث المعماري في بيروت. وحول ذلك يقول جوزيف حداد: "بفضل هذه الخارطة نحافظ على ذكرى من مبنى ما، حتى وإن كان قد تم تدميره من قبل المطوِّرين العقاريين".

وكذلك يشير مازن حيدر أيضًا إلى أهمية الاطلاع على المعلومات والوثائق من أجل الحفاظ على التراث المعماري. وحول ذلك يقول: "نحن لا نستطيع الرفع من مستوى الوعي والحصول على الاهتمام إلاَّ من خلال متابعتنا وباستمرار لهدفنا من دون الإفراط في ذلك. أولاً وقبل كلِّ شيء يجب أن يتم توثيق التراث الموجود لدينا ومن ثم يجب إثارة انتباه المواطنين إلى تراثهم الثمين".

The last remaining building of the Beirut souks (photo: Changiz M. Varzi)
ساحة الشهداء في وسط بيروت كرمز لهوية لبنان الهجينة: يقول مازن حيدر: "هذه الساحة لم تكن ذات طابع متجانس. بل لقد كانت تعكس الهوية اللبنانية. حيث كانت تحيطها مبانٍ تعود إلى القرن التاسع عشر، وإلى حقبة الفرنسيين والحداثة".

وبالتعاون مع المعهد غير الربحي التابع للمركز العربي للهندسة المعمارية ينظِّم مازن حيدر المؤتمرات وورشات العمل والجولات. وهكذا فهو يريد تقريب مواطني بيروت من تراث مدينتهم العربي الذي يعود إلى التاريخ العربي الحديث. وحول ذلك يقول: "عندما يدرك الناس قيمة هذه المباني، يمكننا حينئذ إقناع أصحابها أو السياسيين المختصين بإيقاف هدمها".

في فترة الحرب الأهلية اللبنانية تم تقسيم سكَّان بيروت بين منطقتين شرقية وغربية. الآن وبعد ستة وعشرين عامًا من نهاية الحرب الأهلية لا يزال أهالي بيروت يتردَّدون في عبور هذه الحدود بين شرق مدينتهم وغربها. ولهذا السبب فإنَّ الناشطين مثل مازن حيدر يريدون تشجيع الناس ليتعرّفوا على بيروت من منظور مختلف. وفي هذا الصدد يقول مازن حيدر: "نحن نريد من خلال هذه الجولات فتح عيون الناس على مدينتهم من زاوية مختلفة".

 

شنكيز م. وارزي

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.Qantara.de.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.