ويتجاهل هذا الطرح حقيقة أن المرجعية الإسلامية لم تكن القوة الاولى والمركزية في تحديد السلوك الاجتماعي والسياسي خلال النصف الأول من القرن العشرين، كما تجلى في التعبئة التي قامت بها الأحزاب والحركات السياسية أو النقابات وحركات تحرر المرأة. على العكس، بدت المرجعية الإسلامية ومؤسساتها التقليدية في حالة تراجع لصالح قيم ومعايير أخرى.

تفترض مشاريع الإصلاح دوراً للمدونة الإسلامية هو أكبر حقيقة من حجمها والدور الذي تدعيه هي لنفسها. من الطبيعي أن تكون مصلحة المؤسسات الإسلامية التقليدية، كما الإسلاميين الحركيين، ادعاء مركزية التقليد الإسلامي وحتى شموليته في كل ما يتعلق بالسلوك الاجتماعي، بما يخدم مصلحتها في النهاية. حيث تقدم المؤسسة نفسها بوصفها الناطقة باسم ثقافة الأمة ونظامها الأخلاقي، كذلك يسعى الإسلاميون لاحتكار الكلام باسم المدونة الإسلامية بما يخدم مشروعهم السياسي.

الإصلاح الديني مرهون بالتغيير السياسي ومربوط بالنسيج الاجتماعي
الإصلاح الديني مرهون بالتغيير السياسي ومربوط بالنسيج الاجتماعي: "هنا تواجهنا مشكلة مباشرة وهي رغبة السياسي وخياراته وقدرته على القيام بعبء هذا الأمر. لكن أي نظرة إلى الواقع السياسي الحاكم للعالم العربي كافية لتبين أن مسألة السياسي لدينا مسألة عالقة. فالأنظمة السياسية تعوزها الشرعية، التي تسمح لها بالقيام بخطوات تأسيسية في تأسيس فهم جديد للحيز الديني وتقديم مقاربة جديدة للعقيدة، الشيء الذي يحتاج إلى قدر كبير من الشرعية التي لا تحوزها هذه الأنظمة سلفاً".

"فرضية مركزية الإسلام في فهم وتفسير سلوك المجتمعات الإسلامية بعيدة عن الواقع"

وتشارك النظرة الضمنية لدعوات الإصلاح، وربما دونما قصد، الإسلاميين ادعائهم بمركزية الإسلام في فهم وتفسير سلوك المجتمعات الإسلامية، وهو إدعاء يحتاج إلى التدليل عليه برغم قوة حضور المظاهر الخارجية للصحوة الإسلامية.

لكن إن قمنا بفحص أكثر جدية لحضور هذه المدونة في الحياة الاجتماعية بما يخص القيم والمعايير فإننا نلحظ غيابها أكثر من حضورها، بل ونلاحظ وبشكل معاكس فصاماً بين السلوك والقول، بين ما توجبه القيم والأخلاق الإسلامية وواقع الحال من السلوك الفعلي للمجتمعات.

لكن لا يعني هذا أن المدونة الإسلامية ليست ذات أهمية، على العكس هي مهمة تماماً، لكن علينا أن لا نبالغ في أهميتها ومركزيتها في حياة المجتمعات الإسلامية. إن الأهمية المتزايدة للحيز الديني والتراث الديني ورموزه في المجتمعات العربية تصبح أمراً يحتاج للتفسير، وليس الانطلاق منها بوصفها بديهية في ذاتها و لا تحتاج إلى تفسير.

في النهاية، الناس لا يعرفون إلا القليل -أو حتى لا شيء- عن الشافعي وتأصيله للفقه، والشافعي لا يلعب هذا الدور المحوري في تحديد سلوك هؤلاء، وحتى الشافعي كما تقدمه المؤسسة الإسلامية للعامة -عبر الأئمة وخطباء الجوامع- لا يعكس إلا اليسير من الشافعي الأصولي والحاضر في المدونة التراثية، أو ربما لا يشبهه. مما يجعل من العصي الربط بين الشافعي وما نشاهده اليوم من أنماط سلوك وخيارات.

من المعضلات المحيطة أيضاً بمشروع الإصلاح انطلاقه من دوافع نفعية تماماً وغير اعتقادية، بما يحيلنا مرة أخرى إلى مركزية السياسي. إن الدافع للإصلاح الإسلامي هو "سوء حال الأمة" والسعي إلى تحقيق إصلاح اجتماعي، مع الادعاء أن هذا الإصلاح الاجتماعي لن يقيض له النجاح من دون القيام بإصلاح اعتقادي، عندها يُخضع الاعتقادي إلى النفعي. هذا يفتح الباب لعدة معضلات يتحتم على مشروع الإصلاح المطروح على هذه الشاكلة مواجهتها.

 

  1. إن كان الإسلام هو الناظم لكل سلوك، فإنه من غير الممكن إخضاع الاعتقادي للنفعي. لن يغير أحدهم معتقداته الدينية لأجل أهداف ومصالح دنيوية، إلا إذا لم يكن يحمل معتقداته الدينية على محمل الجد منذ البداية. علينا القول، إنه أمر عقلاني عدم القبول بأي إصلاحات تمس الاعتقادي انطلاقاً من حاجات دنيوية، انطلاقاً من موقف اعتقادي يسلم بوجود الحياة الأبدية بعد الموت.

 

  1. من الملزم لأي مشروع إصلاح ديني السؤال عن الحاجة الاعتقادية لمثل هذا الإصلاح. وهنا يُطرح السؤال: هل هناك حاجة اعتقادية، وليس نفعية، لمثل هذا الإصلاح، حاجة يعايشها المؤمنون؟ الإصلاح الديني هو إصلاح في التقليد الديني، منخرط تماماً في هذا التقليد من كل جهاته، لجهة منتجي هذا الإصلاح ولجهة جمهور هذا الإصلاح ولجهة الحاجات التي على هذا الإصلاح أن يلبيها. لكن المعضلة التي تواجهنا أن كل المبررات التي تقدم لدعم مشروع الإصلاح تبدو خارجية بالنسبة للتقليد الديني الذي يسعى الإصلاح إلى إصلاحه.

 

  1. تأسيساً على معضلة الطبيعة الخارجية لمبررات الإصلاح، يلحظ المرء أن الطبيعة الخارجية تمتد إلى الهدف المنشود من الإصلاح. في داخل التقليد الديني المراد إصلاحه، يسعى  الإصلاح لإنتاج واقعة معطاة سلفاً وبشكل خارجي، وهي عبارة عن تنويعة إسلامية ما على الحداثة. لا يعني هذا أن الحداثة مناقضة أو مغايرة للتقليد الديني الإسلامي، بل إن الإصلاح ينطلق من نتائج موجودة سلفاً وهو يريد إعادة إنتاجها داخل هذا التراث وبأي طريقة، وهنا يبدو الإصلاح ليس إلا ذريعة لإعادة إنتاج نتائج وخيارات جاهزة وتقيمها برداء تراثي.

 

هناك حاجة للتمييز بين لحظتين متباينتين. لحظة الإصلاح الديني التي تستدعي العودة إلى الأصل الديني وإحيائه والتمثل به، ولحظة التنوير التي تخضع كل شيء للنقد أمام العقل بوصفه السلطة النهائية. النظر إلى الإصلاح الإسلامي انطلاقاً من هذا التمييز يُظهر أن الإصلاح الإسلامي في جوهره ليس مشروعاً يحمل هماً إصلاحياً، بل مشروع بهم تنويري، وهنا يكمن أس المعضلة التي تواجهها مشاريع الإصلاح الإسلامي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : لماذا تتناقض مشاريع الإصلاح مع واقع المجتمعات المسلمة؟

هناك فرق بين ان يكون المصلح مؤمناً بما يقوم على اصلاحه ، أو انه يحاول ان يتصنع الإصلاح ويتصدى له للحصول على مكاسب سياسية أو شعبية ، فالأول هو نادر في وقتنا الحاضر أو يكاد ينعدم وجوده ، اما الثاني فتخص به المجتمعات العربية والإسلامية ودائماً ما يجد نفسه محاطاً بمجموعة من المتخلفين أو السذج وفِي بعض الأحيان يحاط بأناس عاطفيين اكثر من اللازم وتدفعهم عاطفتهم مع بعض الشحن الطائفي أو العرقي بان ينقادوا الى طريق هم نفسهم لم يخططوا له ، ومن هنا تنشأ الجماعات التي تسير بالمجتمع نحو الهاوية

ابراهيم 21.09.2018 | 23:15 Uhr