"دوافع الإصلاح اللوثري في أوروبا كانت دينية بحتة وليست دنيوية"

ما دفع مارتن لوثر للانتفاض والسعي للإصلاح كان اعتقاده الديني، اعتقاده بانحراف الكنيسة وابتعادها عن الخضوع لكلمة الله وعدم السير يحسبها. لم يكن الدافع الذاتي للوثر دنيوي، إصلاح الأمة أو توحيد ألمانيا أو إخضاع الكتاب المقدس للتاريخ.

من المؤكد أن الإصلاح لم يكن لينجح دونما وجود أسباب موضوعية سمحت له بالنجاح، لكن الدافع الذاتي للإصلاح كان العودة إلى الأصل، إلى الكتاب المقدس وإنقاذ العقيدة، ولم يكن دافعاً خارجياً عن الشأن الديني والاعتقادي نفسه.

فالإصلاح يضع النص الديني كأساس، نقطة تأسيسية ينطلق منها، وهو ما تعبر عنه تماما مبادئ الإصلاح الخمس: الإيمان وحده، الكتاب المقدس وحده، المسيح وحده، النعمة وحدها، المجد لله وحده. بهذا المعنى لا يبدو الإصلاح كممارسة غريباً على الإسلام، إن لم يكن الإسلام في حالة إصلاح مستمرة. عندها، قد يبدو الشيخ محمد بن عبد الوهاب المقابل الإسلامي للوثر. بالمقابل، ينطلق التنوير من وضعية مغايرة، مطالباً بإخضاع كل شيء للنقد العقلي، بما فيها النصوص الدينية. العقل أولاً.

موريس عايق كاتب سوري مقيم في ألمانيا حصل على الماجستير في فلسفة التقنية والعلوم من جامعة ميونيخ.
موريس عايق كاتب سوري مقيم في ألمانيا حصل على الماجستير في فلسفة التقنية والعلوم من جامعة ميونيخ.

تتجلى معضلة الإصلاح الإسلامي في أن هدفه هو إخضاع النص الديني للعقل فيما يتعلق بقراءته وتفسيره وتحديد معانيه، وحتى تحديد حدود النص الديني المؤسِس وما يدخل فيه أو يخرج عنه كما في مساءلة حجية الحديث.

لكن من جهة أخرى، وبحكم أن مشروع الإصلاح ليس مشروعاً تنويرياً بل إصلاحياً، تسعى هذه المشاريع لتأسيس حجية العقل على النص الديني نفسه. هنا، ندخل في شكل من أشكال البرهان الدائري (عقل - دين).

تقديم قراءة عقلانية للنص الديني، ولكن الذي يؤسس للعقل وحجيته هو النص الديني نفسه، وهو النص المطلوب تحديد حقيقة محتواه ومقاصده عبر القراءة العقلانية نفسها. لا يعرف الإصلاح وحيداً أو التنوير وحيداً هذه المعضلة كونهما مؤسَسين وبوضوح على مقولة مركزية، العقل أو النص الديني المركزي، بينما تظهر المعضلة كخاصية لمشاريع الإصلاح الإسلامي انطلاقاً من كونها مشاريع تنوير تتدثر بعباءة الإصلاح، فهي تريد تقديم فولتير بعباءة لوثر.

"معضلة الإصلاح الحقيقية تكمن في كيف يمكن القيام بإصلاح ديني انطلاقاً من هموم غير دينية أصلاً؟"

هنا نحتاج للعودة مرة أخرى للسياسي لفهم هذه المعضلة التي تواجهها مشاريع الإصلاح. فالسؤال الذي يحكم كل مشاريع الإصلاح هو سؤال سياسي، سؤال النهضة: لماذا تأخرنا وما السبيل للإمساك بشروط التقدم مرة أخرى؟ بشكل أو بآخر، الجواب على سؤال النهضة هو العقل. علينا استخدام العقل وهذه هي المقدمة التي تحكم كل مشاريع الإصلاح. لكن السؤال، كما الإجابة عليه، خارجي تماماً بالنسبة للعقيدة وغير محكوم بهمومها ومشاغلها، ما هو الاعتقاد الصحيح وشروط الخلاص وهلم جرا. معضلة الإصلاح الحقيقية تكمن في كيف يمكن القيام بإصلاح ديني انطلاقاً من هموم غير دينية أصلاً؟

 

لكن كي لا نظلم مشروع الإصلاح، علينا الالتفات إلى أن بعد اساسي من أبعاد هذه المعضلة موجود سلفاً في الواقع العربي نفسه، وهو ما يتمثل بمركزية متزايدة للحيز الديني (النص الديني، التقاليد الدينية المؤسسة بدورها للهويات الجماعية) في الاجتماع العربي. فلا يبدو أن هناك إمكانية لإعطاء مجال للعقل دون إعادة موضعة للحيز الديني أو حتى إعادة تعريفه وتحديد حدوده. هنا تظهر إمكانيتان نظريتان:

الأولى أن نفعل هذا من خارج الحيز الديني نفسه، وهو ربما ما بدا ممكناً في منتصف القرن العشرين. لكنه اليوم يظهر وكأنه غير ممكن، انطلاقاً من واقعة بسيطة وهي ضعف القدرات الذاتية لأي حيز غير ديني للقيام بمثل هذا العبء، فلا الدولة ولا الايديولوجيات الحديثة ولا الهويات الاجتماعية الحديثة أو غيرها قادرة على أن تكون رافعة لمشروع قادر على مواجهة هذا التحدي.

الإمكانية الثانية هي إنجاز هذه المهمة من داخل الحيز الديني نفسه عبر إعادة قراءته وتأويله، لكن هذه المحاولة محكومة بمشاكلها الخاصة:

  • هي ليست منطلقة من خبرات وحاجات الحيز الديني نفسه، لهذا تبقى خارجية ومتعسفة عليه أو تستند إلى براهين دائرية لا يمكن لها الخروج منها.

 

  • هي تعيد إنتاج ما تنتقده أصلاً، أي تتوسل الديني في السياسي مرة أخرى، لتكون صورة مقلوبة عن الإسلام السياسي الذي ترغب بالتصدي له. فتعيد اكتشاف العلمانية في الإسلام او الديمقراطية أو الحرية أو العدالة وهلم جرا ، لتعيد تأسيس السياسي على الديني، عبر تقديم قراءة جديدة للديني. قراءة تبقى الأضعف لغربتها عن النموذج التفسيري المكون للتراث الديني نفسه.

 

تناقضات مشاريع الإصلاح الإسلامي في جوهرها مرآة لتناقضات الواقع السياسي العربي.

 

 

موريس عايق

حقوق النشر: قنطرة 2018

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : لماذا تتناقض مشاريع الإصلاح مع واقع المجتمعات المسلمة؟

هناك فرق بين ان يكون المصلح مؤمناً بما يقوم على اصلاحه ، أو انه يحاول ان يتصنع الإصلاح ويتصدى له للحصول على مكاسب سياسية أو شعبية ، فالأول هو نادر في وقتنا الحاضر أو يكاد ينعدم وجوده ، اما الثاني فتخص به المجتمعات العربية والإسلامية ودائماً ما يجد نفسه محاطاً بمجموعة من المتخلفين أو السذج وفِي بعض الأحيان يحاط بأناس عاطفيين اكثر من اللازم وتدفعهم عاطفتهم مع بعض الشحن الطائفي أو العرقي بان ينقادوا الى طريق هم نفسهم لم يخططوا له ، ومن هنا تنشأ الجماعات التي تسير بالمجتمع نحو الهاوية

ابراهيم 21.09.2018 | 23:15 Uhr