ومن حسن الحظّ أنَّ معاداة السامية هذه تبقى في العادة من دون أن تكون لها عواقب مباشرة على يهود تركيا. وفي المقابل، تعرَّض أشخاص من شرق آسيا للوصم المتزايد وحتى للعنف المباشر. فقد تحدَّث مثلًا على وسائل التواصل الاجتماعي أشخاصٌ من كوريا والصين واليابان حول تعرُّضهم لاعتداءات وإهانات علنية، وحول اتِّهامهم بأنَّهم مسؤولون عن هذا الفيروس، بالإضافة إلى تعرُّضهم لتهديدات واعتداءات جسدية. وقد أعلن بعض هؤلاء الأشخاص الآسيويين عن أنَّهم يريدون مغادرة تركيا على الفور.

الكارثة تتطلَّب استراتيجية مشتركة

في الواقع على الأرجح أنَّ الشرائح الدنيا من المجتمع هي الأكثر تضرُّرا من انتشار هذا الفيروس، أي: العمَّال الذين يعيشون في فقر مدقع ويحتاجون كلَّ ليرة ولذلك يواصلون ذهابهم إلى العمل حتى لا يتضوَّرون جوعًا؛ وملايين اللاجئين الذين غالبًا ما يعيشون في مخيَّمات مكتظة في ظروف مضرة بالصحة لا تراعي معايير النظافة؛ وكذلك المُشرَّدون الذين لا يَتَلقُّون أية خدمات من أنظمة الضمان الاجتماعي الضعيفة.

 

مستشفى "زكاي طاهر بوراك" في أنقرة - تركيا.
تركيا تكثف مساعدتها للمسنين وتشدد القيود مع زيادة ضحايا كورونا: كثفت الحكومة التركية دعمها لكبار السن المعزولين في منازلهم وشددت القيود فيما يتعلق بشراء المواد الغذائية والسفر يوم الثلاثاء 24 / 03 / 2020 بعد أن زاد عدد الوفيات في البلاد بسبب فيروس كورونا المستجد إلى 37 حالة. وفي مطلع الأسبوع، فرضت تركيا حظرا جزئيا للتجول على المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاما أو يعانون من أمراض مزمنة، وشكلت مجموعات لتوفير احتياجاتهم في مسعى لوقف انتشار المرض بين الفئات الأكثر ضعفا. وقالت وزارة الداخلية إن مجموعات المساعدة استجابت حتى الآن لطلبات خاصة بتوفير مستلزمات أكثر من 120 ألف شخص. وقال وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة إن عدد الوفيات بسبب فيروس كورونا في البلاد ارتفع بواقع سبع حالات ليصل إلى 44 يوم الثلاثاء 24 / 03 / 2020 فيما زاد عدد حالات الإصابة المؤكدة بواقع 343 حالة ليصل إلى 1872.

 

يجب متابعة الوضع على الحدود بشكل دقيق من قِبَل السلطات التركية. ففي غرب تركيا، يمكن في أي وقت أن يتفاقم الوضع الحرج جدًا في مخيَّمات استقبال اللاجئين اليونانية، التي يقع الكثير منها بالقرب من الحدود التركية. مثل جزيرة ليسبوس اليونانية، التي تفصلها بضعة كيلومترات فقط عن الأراضي التركية - وإذا وقعت الكارثة هناك، فمن المؤكَّد أنَّ  الكثير من الناس سيحاول هذه المرة الهروب إلى تركيا.

وفي الطرف الآخر من البلاد، توجد لتركيا حدود مع إيران، حيث ينتشر فيروس كورونا بشكل لا يمكن السيطرة عليه تقريبًا. أعلن شمال العراق عن وجود أعداد متزايدة من المصابين وقد فرض قيودًا شاملة، في حين لا يزال من غير الممكن تقييم الوضع في سوريا. ومن أجل تفادي الأسوأ، يجب على دول المنطقة الاتِّفاق على استراتيجية مشتركة قبل أن يتم سحق المزيد من اللاجئين بين الحدود المعزولة.

"الجينات التركية" لا تحمي من الإصابة

وبالنظر إلى الصورة المثيرة للشفقة، التي ترسمها دول الاتِّحاد الأوروبي فيما يتعلَّق بالروح الجماعية والتضامن في مواجهة أزمة اللاجئين، فإنَّ فكرة اتِّفاق دول المنطقة على استراتيجية مشتركة تبدو فكرة شبة طوباوية. ومع ذلك فقد أعلنت وزارة الصحة التركية عن أنَّها ستدعم إيران بالعديد من المستلزمات الطبية، التي تشمل ألف وسيلة اختبار سريع، وأربعة آلاف كمامة طبية "N95"، بالإضافة إلى ثمانية وسبعين ألف كمامة تنفس بسيطة. ولكن مع ذلك من غير المؤكَّد إن كان يمكن الاعتماد على مجموعات اختبار فيروس كورونا التركية، خاصة وأنَّ الحكومة التركية قد أعلنت قبل بضعة أيَّام عن أنَّها لا تملك وسائل اختبار.

بعد تجاهلها الأزمة في البداية، أدركت الآن الحكومة التركية خطورة الوضع إلى حدَّ كبير، على الأقل داخل حدودها. وبينما كانت لا تزال توجد حتى وقت قريب تكهُّنات على شاشة التلفزيون التركي بأنَّ "الجينات التركية قد توفِّر الحماية من فيروس كورونا"، تم الآن إنشاء خدمة خط ساخن متضمِّنة نصائح باللغة العربية. 

وكذلك أصبح يتم في جميع قنوات التلفزيون والراديو التركية الرسمية نشر إرشادات من أجل الحدِّ من التفاعلات الاجتماعية والحفاظ على النظافة الضرورية. كما أنَّ أوَّل ما يظهر على الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة التركية هو شريط فيديو يحتوي على أربع عشرة نصيحة لأفضل طريقة من أجل التعامل مع هذا الوباء.

 

 وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة.
"تفعيل نظام الفحص السريع": قال وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة مساء الإثنين 23 / 03 / 2020 إن تركيا ستوظف 32 ألفا آخرين من أفراد الطواقم الطبية وستوقف تصدير الكمامات محلية الصنع كي تكون متاحة للعاملين في القطاع الطبي في ظل تفشي الفيروس في البلد. وأضاف أن تركيا طلبت أجهزة فحص سريع للفيروس من الصين وكذلك أدوية قال إنها استخدمت لعلاج مرضى كورونا هناك، لكنه لم يذكر تفاصيل بشأن هذه الأدوية. وقال قوجة خلال مؤتمر صحفي "قمنا بتفعيل نظام الفحص السريع. اليوم وصل 50 ألف جهاز من الصين ويوم الخميس سيصل 300 ألف جهاز إضافي وأجرينا ترتيبات لاستخدام ما يصل إلى مليون جهاز".

 

وبحسب المعلومات الرسمية فقد بلغ عدد المصابين بفيروس كورونا (حتى كتابة هذا التقرير) ثمانية وتسعين شخصًا فقط، وتوفي شخصان، بالإضافة إلى وجود ثلاثة أشخاص آخرين في وضع خطر يهدِّد حياتهم . (بحسب الأرقام الرسمية، فقد بلغ حتى يوم الإثنين 2020/03/23 عدد المصابين في تركيا 1529 شخصًا، وعدد المتوفين 37 شخصًا). تقول بعض الأصوات غير القليلة إنَّ العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.

كلُّ شيء يتوقَّف الآن على قدرة الحكومة التركية على وضع حدّ للادِّعاءات الكاذبة ونظريات المؤامرة لصالح المعلومات السليمة من الناحية الطبية والمتطلعة إلى المستقبل، وأيضًا على تعاملها بأمانة وصدق مع التقصير الموجود لديها وتقديم المساعدات لجيرانها الأضعف منها نسبيًا.

 

تايفون غوتشتات

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة