رسائل ما رواء الاحتجاج

يضمر زخم الاحتجاجات المتواصلة بالريف ومناطق أخرى في ثناياه العديد من الرسائل، التي تفترض إعمال شيء من العقل والحكمة والتروي، خاصة في زمن الأزمات الصعبة، حيث تصبح الأخطاء خطايا، ويتحول سوء التقدير إلى كوارث.

الرسالة الأولى: ديمقراطية الواجهة؛ صحيح أن مطالب المحتجين في ظاهرها اقتصادية واجتماعية، وبشكل عام ذات بعد تنموي. لكنها تبطن في العمق تزايد الطلب الشعبي على الديمقراطية، حتى ولو جرى تغليفه بهذه المطالب.

فالشعارات في المسيرات والخطب في التجمعات والمظاهرات تُجمع على رسالة واحدة، مفادها الدعوة إلى إيقاف التراجع عن الانفتاح الديمقراطي الجاري تنفيذه، بالرغم مما حمله الدستور الجديد من مبادئ وقواعد ديمقراطية، تقطع مع سياسة التحكم في الأحزاب السياسية، وإفراغ آليات الوساطة من مشروعيتها الشعبية ومصداقيتها السياسية. وتساهم في المقابل، بوجود إرادة حقيقة طبعا، في تحقيق التنمية وضمان الكرامة وسبل العيش الكريم للمواطنين.

تحظى موجة الاحتجاجات في الحسيمة شمال المغرب، والمسماة "حراك الريف"، باهتمام محلي وإقليمي هو الأكبر لها منذ انطلاقها قبل نحو ستة أشهر. خبراء يرون أن ملك المغرب بإمكانه نزع فتيل احتجاجات منطقة الريف لكن ليس بدون ثمن.
تحظى موجة الاحتجاجات في الحسيمة شمال المغرب، والمسماة "حراك الريف"، باهتمام محلي وإقليمي هو الأكبر لها منذ انطلاقها قبل نحو ستة أشهر. خبراء يرون أن ملك المغرب بإمكانه نزع فتيل احتجاجات منطقة الريف لكن ليس بدون ثمن.


الرسالة الثانية: المعارضة الصامتة؛ يؤكد نشطاء الحراك للدولة بأن المعارضة الحقيقة في البلاد هي التي خارج المؤسسات، فالواضح من خلال مجريات الحراك أن المعارضة الصامتة؛ غير السياسية بالمفهوم التقليدي، من تشكل الأغلبية الساحقة في المغرب. وقد أظهرت مسيرات الريف ذلك، حيت أن أغلب الشباب الذين يقودونها لا يمثلون أحزابا بعينها. إلا أن هذا، لا يعني انتفاء أي صلة بين هؤلاء وبين الشأن السياسي، كما لا يمكن أن نفصل بين مطالبهم ومطلب الإصلاح والتغيير الذي اختاروا الشارع وسيلة لبلوغه بعدما فقدوا الأمل في المؤسسات.

الرسالة الثالثة: الوعي الشعبي؛ بيّن الشعب في حراك الريف ومختلف التظاهرات التضامنية معه طيلة أشهر، بما فيها مسيرة 11 يونيو بالرباط، للدولة عن عمق الوعي الشعبي الذي لم يدخله من يهمهم الأمر في حساباتهم عند وضع معادلة إغلاق قوس الربيع المغربي. فتراجع نبض الشعب لا يعني موت الشارع أبدا، إذ بمجرد ما جاءت الفرصة صدحت الحناجر عاليا بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية... أكثر من ذلك قدم المغاربة دليلا قاطعا على تهافت أسطورة "الشعب القاصر" (المحجور عليه) باحتجاجات سلمية حضارية، بلا شعارات مستفزة للنظام. إذ لم تشهد معظم التظاهرات على ضخامتها وعفويتها أي انزلاقات أو خصومات إيديولوجية.

الحل سياسي الممكن

يدخل الحراك بمنقطة الريف شهره الثامن، دون أن تلوح في الأفق أي ملامح على قرب انفراج لمشكل طال عليه الأمد، رغم إقرار الجميع من حكومة وأحزاب ومختلف الفاعلين الحقوقيين والمدنيين وحتى مؤسسات الحكامة المنصوص عليها في الدستور، بمشروعية ووجاهة المطالب التي تتظاهر هؤلاء من أجل تحقيقها.

فبدل أن تواجه المشكلة السياسية بأجوبة وحلول سياسية، اتجه السلطة إلى البحث عن حلول أمنية وأخرى قضائية، ظانة في قرارات نفسها أن العنف والاعتقال والمتبعات هي السبل الكفيلة لضمان هيبة الدولة. هيبة لم تكن بذات الأهمية طيلة ستة أشهر من البلوكاج الحكومي، ولا قبلها حين ضربت الدولة العميقة بقوتها لعرقلة جل مشاريع الإصلاح في الفترة الحكومية السابقة.

عرقلة تدفع الدولة ثمنها الأن، حيث ساهمت في التعجيل بانتقال المساءلة في ظرف قياسي إلى الحقل الاجتماعي، وهو حقل حساس لا تملك فيه السلطة هامشا كبيرا للمناورة، إذ يتعلق بمطالب حياتية ملموسة ومشروعة، ولا يمكن لأحد أن يشكك في دوافعها، خاصة عندما تتم هذه المساءلة بطرق سلمية وفي الفضاء العام.

إن مطالب المحتجين في مختلف مناطق المغرب، وفي مقدمتها الريف، اجتماعية واقتصادية بالأساس، والاستجابة لها تتطلب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تسير وفقه البلاد، وهذه المراجعة تتطلب بدورها إعادة النظر في الحقل السياسي بمختلف تداخلاته، مع التفكير بروية في تعاقد جديد جوهره اقتصادي اجتماعي، يعيد الاعتبار لحرية وكرامة المواطن الذي تحمل غاليا تكلفة القرارات اللاشعبية لخمس سنوات، ولما حان موعد القطاف ارتدت الدولة على عقبيها.

تضع هذه الأزمة الدولة بمؤسساتها موضع المساءلة، إذا كانت ترغب في الحفاظ على الاستثناء المغربي في السياق العربي، ما يجعل الحاجة إلى خطاب سياسي نوعي على غرار خطاب 9 مارس، ضرورة ملحة لتؤكد من خلاله الملكية بأنها مواكبة للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، وتقطع الطريق أمام الوسطاء بينها وبين الشعب ممن كانوا أصل المشكل، حتى وإن كانت تكرس الطابع التنفيذي للملكية عكس الاتجاه العام نحو تأويل نصوص دستور 2011 من أجل بلوغ أفق الملكية البرلمانية.

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

محمد طيفوري كاتب وباحث مغربي في كلية الحقوق في جامعة محمد الخامس في الرباط. عضو مؤسس ومشارك في مراكز بحثية.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : حراك الريف في المغرب: لا بديل عن استمرار الإصلاحات

هنيئا لموقع قنطرة بهذا القلم الجديد، من النادر أن تصادف باحثا موضوعيا ومحايدا في الساحة المغربية، فإما أن يكون قلمه مائلا إلى جهة المخزن أو جهة المعارضة المتشائمة.
دقة في التحليل والنقاش والتركيب... ما أحوج القراء إلى أقلام من طينة هذا الاسم المغمور الذي لا يعرفه أحد، في وقت تغمرنا الكائنات الكلامية التي تطلق التحليلات على عواهنها لأن الغرض عندها هو الكلام والبهرجة الاعلامية.

هشام المجوطي17.07.2017 | 19:31 Uhr

شكرًا للتعليق القيم والواقعي جدا. لا بديل عن إصلاحات جذرية حقيقية ويجب مكافحة الفساد في المغربز لا تكفي اجراءات تجميلية. الشعب يعاني ونخبة الملك تعيث فسادا.

حازم فؤاد 20.07.2017 | 12:40 Uhr