احتفاء سردي بالمكان

بعقوبيون هي حكايا شخوص تعمّد المؤلف أن يدرج بعضها بأسماء حامليها، فيما حرّف بعضها الآخر لمقتضيات الترميز والحفاظ على الخصوصية، ولتكن أساميهم اغنية ترتوي بذاكرة البعقوبيين أنفسهم، ولو كانت فيروز قد غنّت "اسامينا" في ذاك العصر الحالم، لعرف البعقوبيون أنّهم جزء من أغنية تعب أهالي المدينة في تسمياتهم بدلالاتها الثرّة.

من يعرف بعقوبة المدينة- القرية بتاريخ القرن الماضي والقرن الحالي، لا يملك الا أن يطرب لما يرويه البعقوبيون الذين بعث فيهم أحمد خالص أرواحاً في طيات كتابه الضخم، ومن لا يعرف المدينة لا يملك الا أن يغرق في حلم البساتين ورائحة التراب الذي تبلله العصاري الندية، ورائحة الطوف وبيوت الطين والنخيل في أحواش عالية الجدران عرفتها كل بيوت المدن والقرى العراقية والعربية على مدى أكثر من مائة عام نملكها في وعينا حتى الآن ونحن نخوض في العصر الرقمي العولمي.

كازينو أم كلثوم- منجزٌ يتحدى مناخ الاسطبلات!

كازينو القاهرة، وإسمه في الرواية "كازينو أم كلثوم"، أحد أجمل ملامح مدينة البرتقال الحالمة في ستينيات القرن العشرين. ونجح أحمد خالص في أن يصف لمن لم يرون هذه المدينة كيف تسللت أم كلثوم بخدرها الأسيان الى قلوب البعقوبيين المنشغلين بصراعات السياسة، وكان فارس هذا المنجز هو غايب مرهون، الذي بلغ من الحلم حدا أخذه الى القاهرة في أوج مجدها الناصري، فالتقى بأمّ كلثوم والتقط صورا معها، زيّنت بعد ذلك جدران الكازينو الشهير.

الأديب والأكاديمي العراقي أحمد خالص الشعلان
نشر الأكاديمي والأديب العراقي أحمد خالص الشعلان روايته "بعقوبيون"، وهي الكتاب الأول من عمله السردي "ثلاثية بعقوبة" الذي يأتي ضمن مشروع أدبي من مجموعتين روائيتين ورواية منفردة تنتظر جميعها النشر، عكف عليه بعد عقود من الترجمة والتدريس والنقد الأدبي.

نوستالجيا نافذة رائعة

يتعقب السرد بضمير الغائب تطورات السياسة في العراق، من خلال تاريخ أسرة مرهون البكر وإبنه ثم حفيده، فيتزوج غائب مرهون أخت شمران الأحمدي يوم قُتل ملك العراق فيصل الأول وسُحل الوصي عبد الإله خاله في 14 تموز 1958 ( وهو يوم مختلف على تسميته بين العراقيين ومتفق على أن قائده الجنرال عبد الكريم قاسم كان رجلا وطنيا حسن النوايا لكنه جاهل بالسياسة ودروبها).

ويستمر هذا السرد مسترخيا غارقا بدخان المقاهي، وكأنّه فيلم بالأسود والأبيض من تلك المرحلة، فيستلقي معه القارئ متلذذا بتلك النوستالجيا النافذة الرائعة، التي يحييها أحمد خالص الشعلان. وتمر تباعا شخصيات بين الحلم واليقظة، وبين الحقيقة وخيال السرد: ماهي وحيد، حسين صفاوي، رشيد مطر، ابراهيم مساوي، مزهر الكهية، دكتورة وجيهة، هاني ميرخان ومئات غيرهم.

بعد عشر سنوات من زواج غايب مرهون نصل الى حدث يؤشر منعطفا كاملا في الرواية:

"بانبلاج صبــح ليلــة الانقلاب، الــذي قــاده رئيــس عرفــاء الشــرطة تركــي الفتــاوي فــي كازينــو أم كلثــوم، صبــاح الســابع عشــر مــن تمــوز 1968، صحا الناس في بعقوبــة علــى خبــري انقلابين أحدهمــا حملــه صــوت مــن إذاعــة بغــداد ينبئ عــن قيــام إنقــاب قيــل عنــه أنــه أبيــض استولت فيــه ثلــة مــن البعثييــن على السلطة بعد استسلام رئيس الجمهورية ليلاً، موضوعــا فــي طائــرة ومرحـلا الى تركيا، ومعه انطش خبر الانقلاب الذي حصل في كازينو أم كلثوم باقتياد صاحبها مرهون الى التوقيف على ذمة التحقيق".

مسيرة الفنطازيا من بعقوبة الحالمة الى بعقوبة السياسية

بعد هذا الحدث تبقى الرواية بضمير الغائب ولكنها تنحصر في دائرة شمران الأحمدي، الذي كبر بما يكفي ليكون بطل السرد في تكريس للبطل السياسي الذي حاول المؤلف/ الراوي أن يتجنب تقمص دوره في الصفحات المائتين الاولى، وقد سألنا المؤلف عن ذلك فأجاب:

*"كروائي سعيت الى تجنب تقمص دور البطل السياسي، و لكني آثرت فيما بعد أن أقحم شمران الأحمدي المسقّط سياسيا في شباط 1963 الى ولوج عالم السياسة لاختبار النيات المعلنة للبعثيين العائدين الى السلطة عام 1968 .

مدينة بعقوبة صورة تاريخية
"من لا يعرف بعقوبة لا يملك الا أن يغرق في حلم البساتين ورائحة التراب الذي تبلله العصاري الندية، ورائحة الطوف وبيوت الطين والنخيل في أحواش عالية الجدران عرفتها كل بيوت المدن والقرى العراقية والعربية على مدى أكثر من مائة عام نملكها في وعينا حتى الآن ونحن نخوض في العصر الرقمي العولمي".

انخراطه في السياسة وهو يافع كانت حلته دوغمائية وديموغاغية انتهت بسقوطه عام 1963، أما بعد 1968 فيتحول الى شخصية وجودية مسؤولة عن خياراتها، و بانخراطه سيكتشف أنّ "الواوي" البعثي قد تحول الى "ويوي" بعثي و بذا سيلدغ شمران من "الجحر نفسه" مرة ثانية ولكن على ذمة خياره الوجودي الشخصي وليس على ذمة خيار منظمة سياسية أثبتت طوال تاريخها افتقارها لحسن تقدير و لبعد نظر في سياسة التحالفات.

بظني أنّ الرواية على الرغم من كونها تسجيلية إلا أنها تمزج بين العام و الخاص في أحداث رمزية. خذ مثلاً، الانقلابان اللذان حصلا متزامنين في الليلة ذاتها، الانقلاب في "كازينو أم كلثوم" (خاص) وانقلاب البعثيين 1968 (عام)، وغيرها من المتزامنات و الرواية غنية بسيمياء حدث من هذا النوع وغنية بسيمياء شخوصها" .

منذ "ظلال الفنطازيا...حسين الجيراوي" يقترب السرد كثيرا من لغة المسرح، فيتعالى الخطاب الموجه مباشرة لجمهور يقرأ ولا يرى لينقله الى مناخ مسرحي ربما تسرب من وعي الكاتب في تلك المرحلة، لاسيما أنّ بطله شمران سار في طريق التمثيل والمسرح لمرحلة مضت ومرحلة ستأتي. ومن موقع التخوم الذي اختاره شمران بعد سجنه عام 1963( تسعة أشهر مريرة في زنازين البعث والعقيد عبد السلام عارف)، ينتقل الكاتب الى تحولات السياسة، وتصبح كل الوقائع ظلالا ورديفا لتحولات السياسة في العراق. ومحطة في افتتاح ملعب الشعب، ولقاء شمران بوسيم حسني في المعلب وكأنه صنو لملعب سانتياغو حيث أعدم جلادو الجنرال التشيلي يبنوشيه الشيوعيين الذين وصلوا الى السلطة منتخبين وقادهم سلفادور الندي الذي قتل في قصر الرئاسة وهو يدافع عن منصبه الشيوعي المنتخب (وهذه مفارقة، فالشيوعية ليست ربيبة الانتخابات بل الانقلابات والثورات الدامية عادة).

وكشف لقاء ملعب الشعب كما يرويه شمران عن أوهام الجبهة الوطنية التي عاشها الشيوعيون وقادتهم وضاع بسببها حلمهم الأحمر. وحقيقة الأمر أنّ التجربة الشيوعية في العالم كله كانت قد بدأت بالتآكل بوجود ديكتاتوريات الشيوعية الديناصورية المعتّقة وأصنامها التي خلدت حتى الانهيار النهائي!

صورة تاريخية لمدينة بعقوبة
الصحافي ملهم الملائكة: تنوع مدينة بعقوبة يجعلها خليطا يمر عليه أبطال رواية بعقوبيون بعفوية سائلة لا تريم، فهنا تواريخ فارسية تركية كردية لرية خفية، تبدأ من شهربان، وخانقين وزرباطية ومندلي وخريسان وبلدروز، وشاخة بعقوبة، وكلها مفردات فارسية تركية لُرية احتفظت بمعانيها رغم أنّ البعقوبيين لم يكونوا يعون هذه القضية وكانوا غالبا عرباً خالط تاريخهم بالتناسب تواريخ ايران وتركيا ولرستان وكردستان وأبعد من ذلك أحياناً.

فلسفة التخوم - الحلول الفردية وليس الحلول الجماعية!

تتردد في مساحات السرد فكرة "الحلول الفردية وليس الحلول الجماعية" كسبيل للخلاص يرى فيه شمران البطل حتى النهاية طريق الخلاص من زمن البعث وسلطته. ولا يتيح الكاتب لقارئه أن ينسى حجم ثقافته التي بزّت ثقافة من حوله طراً في تلك المرحلة فجعلته قائدا يلتف الشباب حوله، وهو ما أسقطه دون وعي( أو بوعي) على بطله شمران الأحمدي. وما فتئت تداعيات الثقافة الموسوعية، التي يحملها الكاتب تتساقط على حياة الباعة والحمالين والعربنجية ورجال الأمن وياللعجب! وهذه لعمري من خاصيات مدينة "بعقوبة" مجهولة أصل الاسم !

شعوريا تنبض الرواية بالكبت وبالرغبة المشتهية المقموعة بقوة المجتمع والسلطة على حد سواء، وهي مشكلة كانت أخفّ وقعاً في العاصمة بغداد التي جاورت بعقوبة لكنها لم تلهمها أنوار الحرية ولا نعيمها وجناتها المفعمات.

ورغم كل هذا الكبت، تتسرب خلال السرد وقائع علاقات عاطفية عذرية في الظاهر بين الشباب وأخوات بعضهم علنا بعلم أشقائهن ما يشكل ظاهرة انفتاحٍ ميّزت مدناً عراقية نشط فيها اليسار وبقيت ملازمة لها حتى تسعينيات القرن العشرين، وأشهرها بعقوبة والحلة والبصرة.

رواية أحمد خالص بعد أن بلغ السبعين!

ولدى سؤاله عن كيفية كتابة الرواية وعن سبب تأخر نشرها حتى جاوز كاتبها السبعين، أجاب أحمد الشعلان:

"لم تُكتب الرواية على مراحل بل مرة واحدة أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وهي واحدة من ثلاث روايات كتبتها آنذاك ولم تنشر، لأني كنت على قائمة النشر السوداء آنذاك، وحكايتها على قدر طرافتها مليئة بالدلالة. ففي أواسط تسعينيات القرن الماضي وفي مرحلة يأس مطلق استغنيت عن مكتبتي وأحرقت كل ما كتبت و بضمنه الروايات الثلاث وظننت أنّ هذه الرواية بضمنها، ولكن زوجتي غيداء و هي تقلّب سنة 2007 بأوراقي أسفا على ما أحرقت وجدت مسودة هذه الرواية.

كنت في حينها قد بدأت مشروعي السردي وحين وجدتها كنت آنذاك قد كتبت كتابا آخر من الثلاثية يتناول حقبة أبكر من حياة أسرة نزهان الأحمدي البعقوبية، الى جانب كتب سردية أخرى . فراجعت النص وارتأيت ألا أجري عليه أي تغيير سوى المراجعة اللغوية وبعض التعديلات البسيطة ودفعته ليكون أول كتاب سردي ينشر لي. وتلبستني خشية من أن أعمد الى حذف أشياء قد أندم على حذفها لاحقا لأنّ "بعقوبيون" بالأساس هي رواية تسجيلية، لذا فإني أزعم أنّ كتبي السردية القادمة سيجد فيها القارئ قفزة في تقنية السرد و المعالجة و اللغة".

بعد أشهر من نشر الرواية علّق أحد قراءها في أوروبا: "هذه الرواية لن يحبها أحد في بعقوبة...لأنّها لا تمدح الشيوعيين، بل تكشف عن عثراتهم، التي يعاندون بعدم الاعتراف بها، ولن يحبها البعثيون لأنها لا تبرئهم و تكشف عن جرائمهم، ولن يحبها الإسلاميون الحاليون لأنهم بالنتيجة هم أصلا أما هذا أو ذاك...ولن يحبها رهط الأشخاص الذين تتناول الرواية حياتهم بشخصيات تكاد تكون معروفة لدى القارئ! " .

 

ملهم الملائكة

حقوق النشر: قنطرة 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "ثلاثية بعقوبة...بعقوبيون".... العراق كما حلم به اليسار!

هذه المقالة تشوقني كثيرا لقراءة الرواية أنا في الناصرية . . هل أجدها في مكتبات الناصرية؟

بثينة محمد علي02.11.2017 | 17:50 Uhr

قرأت مقالة ملهم الملائكة و شوقتني لقراءة الرواية . . . أنا في بعقوبة فعساي أجد الرواية في مكتباتها!

فضيلة عباس02.11.2017 | 17:54 Uhr

الف مبارك على هذا المنجر الأدبي الكبير ، دمت مبدعا ومتألقا استاذ احمد ، وإلى مزيد من النجاح والتميز .

البعقوبي الوفي 02.11.2017 | 17:58 Uhr

"ثلاثية بعقوبة" احتفاء سردي بالمكان يعكس حنين الكاتب إلى مدينته التي غادرها تحت تهديد جماعة متطرفة رأته مارقاً لأنه يدرّس الإنكليزية التي تعتبرها هذه الجماعة "لغة الكفار". وتبعث هذه النوستالجيا الإنسانية برسالة جمالية ومعرفية يجترحها الروائي عبر محاكاة سيميائية ورمزية الأمكنة.

الكاتب الصحفي02.11.2017 | 18:03 Uhr

المقالة تحفزني لقراءة الرواية للتعرف على أهل بعقوبة و تاريخها . . شكرا للكاتب ملهم الملائكة

محمد طالب الجربا02.11.2017 | 18:17 Uhr

قرأت هذه الرواية الجميلة . . حصلت عليها من بسطيات شارع المتنبي . . و إعجبتني فيها شخصية غايب مرهون

عبدالله أحمد الشمري02.11.2017 | 18:20 Uhr

جميله جدن

محمد علي02.11.2017 | 18:48 Uhr

loved it!

james norington02.11.2017 | 18:50 Uhr

المقالة مفيدة تحفزني على قراءة الرواية . . و سأحاول إقتناء نسخة من الرواية من مكتبات بعقوبة

خضير الصباغ02.11.2017 | 18:58 Uhr

"من لا يعرف بعقوبة لا يملك الا أن يغرق في حلم البساتين ورائحة التراب الذي تبلله العصاري الندية، ورائحة الطوف وبيوت الطين والنخيل في أحواش عالية الجدران عرفتها كل بيوت المدن والقرى العراقية والعربية على مدى أكثر من مائة عام نملكها في وعينا حتى الآن ونحن نخوض في العصر الرقمي العولمي".

فهد الأسد 02.11.2017 | 19:02 Uhr

الصفحات