جائحة كوفيد-19 في الشرق الأوسط
كورونا لا يموت حتى في حر الصيف العربي القائظ؟

كان يقال في بداية الجائحة إن ارتفاع الحرارة سيقتل فيروس كورونا، ولكن الأمر ليس كذلك: حيث زاد عدد الإصابات زيادة حادة، أيضا في المناطق الحارة. الصحفية الألمانية بيرغيت سفينسون عايشت درجات حرارة بلغت 51 مئوية في بغداد وترى أنه لا حاجة لانتظار ارتفاع الحرارة للتخلص من كورونا، مسلطةً الضوء لموقع قنطرة على دراسات علمية متعلقة بهذا الخصوص وعلى الجائحة في صيف دول شرق أوسطية 2020.

الجميع كانوا في انتظار ارتفاع الحرارة، حين كان يُقال -في الأشهر الأولى من غزو فيروس كورونا للعالم- إنَّ الحرارة ستخنُق هذا الفيروس وإنَّه ينتشر بشكل رئيسي في البرد تمامًا مثل فيروس الأنفلونزا، وكان الرأي الشائع خلال شهري شباط/فبراير وآذار/مارس (2020) أنَّ كلَّ شيء سيتحسن خلال الصيف، حتى أنَّ عالم الفيروسات الألماني ألكسندر كيكوله قال إنَّ فصل الصيف يُقلل من أعداد المصابين بكورونا، بينما كان خبراء آخرون أكثر تشككًا وقالوا فقط: لا توجد لدينا بعد أية "نتائج يمكن الاعتماد عليها".

كان ذلك تصوُّرًا رائعًا، وكان جميعنا منطقيين خلال فصل الشتاء الأكثر برودة -وبالتالي الأكثر نقلًا للعدوى- حين اعتقدنا أننا في فصل الصيف سنستمتع من جديد بإجراءات تخفيف قيود كورونا عن استحقاق ومن دون شعور بالذنب بينما ستقوم أُمّنا الطبيعة بالباقي وسيختفي الفيروس تقريبًا. لقد انتشرت القناعة بأنَّ هذا المرض لن يكون سيئًا إلى هذا الحدّ خاصةً في مناطق العالم الحارة.

كان الناس يقولون ممازحين -خاصة في الشرق الأوسط- إن الوقوف في الشارع في فصل الصيف تحت أشعة الشمس وفتح الفم يكفي لقتل فيروس كوفيد-19، وإنَّ هذا أمر مؤكَّد عند ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من خمسين درجة مئوية في الظل. ونصح الخبراء بغسل كمامة الفم عند ستين درجة مئوية لقتل الفيروس الموجود في الكمامة. هذا يعني أنَّ الأمل كبير بالنسبة للبلدان الصحراوية التي تصلها درجات الحرارة المرتفعة هذه بسهولة تحت ضوء الشمس.

يجب الحذر في التعامل مع أرقام كورونا في مصر

 

شوارع شبه خالية في بغداد - العراق.
شوارع شبه خالية في بغداد: على الرغم من أنَّ العراق ما زال في صيف 2020 في حالة إغلاق دائم منذ منتصف شهر آذار/مارس 2020 -وقد فرض أحيانًا حظر تجوُّل صارم- إلَّا أنَّ أعداد الإصابات تتزايد بشكل مأساوي، مثلما كتبت بيرغيت سفينسون. ويعود ذلك إلى أنه حين بلغت درجة الحرارة القصوى المُسجَّلة في بغداد في مطلع شهر آب/أغسطس (2020) إحدى وخمسين درجة مئوية في الظلّ كانت تعمل أجهزة التكييف بأقصى قدرتها وبالتالي ازداد عدد الأشخاص الموجودين في غُرَفٍ مغلقة، وهذا ما يقول الأطباء أنه سبب لزيادة عدد الإصابات في العراق، فكلما ازداد عدد الناس في أماكن مغلقة ارتفع خطر الإصابة بالعدوى.

 

ولكن الخطأ كبير جدًا حيث ارتفع عددُ الإصابات بسرعة في الصيف بالذات، أيضًا في البلدان الحارة. وسجَّلت إيران موجة ثانية لا تقلُّ مأساوية عن الموجة الأولى، وحتى إفريقيا الحارة تعرَّضت أيضًا لكورونا، ومع ذلك أعلنت وزارة الصحة المصرية فقط عن مائتين إلى ثلاثمائة إصابة جديدة كلَّ يوم وأنَّ العدد الكلي لحالات الوفاة 5197 حالة وفاة حتى تاريخ (20 آب/أغسطس 2020).

ولكن يجب الحذر في التعامل مع هذه الأرقام لأن مَنْ يُشكِّك في هذ الأرقام يتعرَّض للسجن بتهمة نشر أخبار كاذبة. تبذل هِبة النيل كلَّ ما في وسعها من أجل استعادة السيَّاح المُهمِّين لحياة البلاد والمُهمِّين لبقاء سوق العمل على قيد الحياة، بيد أنَّ النقابة العامة لأطباء مصر لا تخفي الأرقام الحقيقية، ومع ذلك فإنَّ المعلومات تركِّز فقط على القطاع الصحي لأن الأطباء حذرون.

من المعروف أنَّ الرئيس عبد الفتاح السيسي يحكم مصر بقبضة حديدية لا ترحم ولا يستثني حتى الأطباء. يتحدَّث الدكتور إبراهيم الزيات، وهو عضو مجلس نقابة أطباء مصر، حول وفاة مائة واثنين وخمسين طبيبًا بسبب كوفيد-19 في مصر وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف طبيب. ويشكو من أنَّ هذا العدد يساوي سبعة في المائة من مجموع الطواقم الطبية في مصر.

أجهزة التكييف تساهم في انتشار الفيروس

ترتفع في العراق درجاتُ الحرارة خلال فصل الصيف بمعدل عشر درجات أكثر من معدلها في مصر، ومع ذلك شكا العراق من معدلات إصابة تزيد عن 2000 إصابة كلَّ يوم منذ بداية شهر تموز/يوليو 2020. وعلى الرغم من أنَّ العراق الواقع بين نهري دجلة والفرات لا يزال في حالة إغلاق دائم منذ منتصف شهر آذار/مارس 2020 -وقد فرض أحيانًا حظر تجوُّل صارم- إلَّا أنَّ أعداد الإصابات تزايدت بشكل مأساوي.

 

..............................

طالع أيضا

تكلُّس النظرية وهذيان ما بعد الحداثة - اخفاق فلسفي في فهم ما تعنيه جائحة كورونا (كوفيد-19)

وباء كورونا في اليمن - بلد على حافة كارثة كبرى

برلين في زمن وباء كوفيد-19...فيلم وثائقي حول الجائحة

العلم في مواجهة حمقى كورونا

المغرب: الشعب والدولة "ايد واحدة" ضد كورونا

في مصر المحروسة: تضامن شعبي ورحابة إنسانية في مواجهة كورونا

كيف تتعامل تركيا مع أزمة كورونا؟

الإنسانية أو الفناء - وما كورونا سوى "بروفة"!

كورونا والصين: من يهدد الديمقراطية؟

في لبنان...اللاجئون السوريون يخشون الجوع أكثر من كورونا

"عدو البشرية": حماية المؤمنين من فيروس كورونا فوق كل اعتبار

كيف تسهم الجوائح في تشكيل التاريخ البشري

هكذا ساعد الملالي على انتشار فيروس كورونا في إيران

..............................

 

يُلاحظ في بلاد الرافدين عكس ما تم افتراضه (في بداية الجائحة)، فالصيف بالذات عمل على انتشار كورونا، ويعود ذلك إلى أنه حين بلغت درجة الحرارة القصوى المُسجَّلة في بغداد في مطلع شهر آب/أغسطس (2020) إحدى وخمسين درجة مئوية في الظلّ كانت تعمل أجهزة التكييف بأقصى قدرتها وبالتالي ازداد عدد الأشخاص الموجودين في غُرَفٍ مغلقة، وهذا ما يقول الأطباء أنه سبب لزيادة عدد الإصابات في العراق، فكلما ازداد عدد الناس في أماكن مغلقة ارتفع خطر الإصابة بالعدوى.

تجاوز عددُ الإصابات الجديدة الثلاثة آلاف إصابة خلال أربع وعشرين ساعة للمرة الأولى في التاسع عشر من شهر آب/أغسطس 2020. ولذلك تحدَّثت وزارة الصحة في بغداد عن تسجيل رقم قياسي فيما يخص كورونا. وبهذا تخطَّى العراق -بحسب وزارة الصحة العراقية- جارته إيران، التي نُقل منها الفيروس في الأصل إلى العراق حين كان لا يزال بالإمكان تتبُّع سلسلة العدوى وحين كان العراقيون يحملون الفيروس من إيران بعد عودتهم إلى العراق من الزيارات أو من سفر تلقي العلاج الطبي هناك.

ولكن في الواقع على الأرجح أنَّ الأرقام الواردة من إيران غير حقيقية. يبدو أنَّ فيروس كورونا انتشر هناك بشكل أسوأ بكثير مما تعترف به الجهات الرسمية. وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية BBC فإنَّ وثائق الحكومة الإيرانية تُظهر أنَّ نحو اثنين وأربعين ألف شخص ماتوا بسبب الالتهاب الرئوي كوفيد-19 حتى نهاية شهر تموز/يوليو 2020، أي أكثر من ضعف العدد المعلن رسميًا.

ولذلك فقد باتت منظمة العفو الدولية والمعارضة الإيرانية في المنفى تدقّان ناقوس الخطر. تؤيِّد هذه المعلوماتُ الاتِّهامَ الموجَّه إلى السلطات الإيرانية بأنَّها تعمَّدت منذ شهور تضليل الرأي العام في دولة هي الأكثر تضرُّرًا من هذا المرض داخل منطقة الشرق الأوسط.

موسم حج محدود في السعودية

 

 

وإلى هذه الأثناء أصبحت المملكة العربية السعودية -التي تعتبر مهد الإسلام- بؤرة لفيروس كورونا، غير أن عدد حالات الوفيات بلغ في السعودية 3548 حالة وفاة (في 17 آب/أغسطس 2020) وهو أقل بكثير عن عددها الذي تجاوز في العراق أكثر من ستة آلاف حالة وفاة بسبب فيروس كورونا، مع العلم بأنَّ عدد سكَّان البلدين متقارب.

ولكن تدفُّق جموع السيَّاح إلى أماكن الحج والعمرة ينطوي على خطر إصابة كبير. ولهذا السبب فقد تم إلغاء الحج إلى مكة تقريبًا في هذا العام، ولذلك كان عيد الأضحى من دون أي معنى بالنسبة للكثير من المسلمين: فكيف يمكنهم الاحتفال إن لم يشاهدوا صور الحُجَّاج وهم يطوفون حول الكعبة في مكة؟

كان يوجد في السنوات الأخيرة لدى كلّ أسرة في العالم الإسلامي فرد ما من أفرادها أدَّى فريضة الحج. في هذه الفريضة يؤدي المسلم ركنًا يعتبر من أهم أركان الإسلام، إذ على كلّ مسلم أن يحج إلى مكة مرة واحدة في حياته. كان يتم الاحتفال بالعائدين من المملكة العربية السعودية، الذين يروون القصص طيلة ساعات ويُلَقَّبون بلقب "حَجِّي" للحاج أو "حَجِّية" للحاجة. لكن ذلك كان غير ممكنًا في هذا العام 2020. لقد سرق كورونا روح عيد الأضحى وبيَّن أنَّ هذا الفيروس لا يموت في الصيف.

أدرك العلماء ذلك في هذه الأثناء وأجروا دراسة حول هذا الموضوع، حيث قام فريقٌ يعمل مع عالمة البيئة راشيل بيكر من جامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي الأمريكية بنشر تقريره في المجلة المتخصصة "Science"، وبحسب هذا التقرير فإنَّ تأثير الظروف المناخية على الفيروس المستجد ضئيل.

 

..............................

طالع أيضا

جائحة كوفيد19 تهدد ملايين العاملين الأجانب في دول الخليج العربي

غزة المحاصرة وفيروس كورونا

عجز باكستان أمام كورونا بسبب قوى دينية متزمتة

وباء كورونا - فرصة مثالية لاستعادة الوحدة العربية

تداعيات كورونا: هل بدأ موسم الهجرة من الخليج؟

متى يتجاوز العالم العربي والإسلامي ذروة وباء كورونا؟

يورغن هابرماس: جائحة كورونا تكشف محدودية معرفتنا

جائحة كورونا عززت استمرار حالة الطوارئ في السلطويات العربية

..............................

 

وعلى الرغم من أنَّ رطوبة الهواء العالية تؤثِّر على انتشار فيروسات كورونا الأخرى والإنفلونزا، ولكن في حالة هذا الفيروس الجديد سارس-كوف-2 فإنَّ نقص "المناعة المنتشرة بشكل واسع" يُعتبر أمرًا حاسمًا، مثلما كتب الباحثون.

وذكروا أنَّ وقائع الجائحة في البلدان الدافئة تُقدِّم أيضًا الدليل على هذه الفرضية، وتقول راشيل بيكر في هذا السياق: "يبدو أنَّ المناخ لا يعمل حاليًا على تنظيم انتشار الفيروس". يفترض الباحثون أنَّ الطقس لن يصبح عاملًا حاسمًا إلَّا حينما تكون قطاعات كبيرة من الناس محصنة ضدَّ الفيروس ويتحوَّل فيروس كورونا الجديد إلى مرض موسمي. يمكن ملاحظة ذلك أيضًا في الزكام ونزلات البرد، التي تُسبِّبها فيروسات كورونا الأخرى وتظهر بشكل خاص في فصل الشتاء خارج المناطق الاستوائية، مثلما يرِد في الدراسة.

ولكن مع ذلك، ستمضي أسابيع كثيرة قبل الوصول إلى نسبة المناعة المذكورة. وعلى أي حال، لا حاجة لانتظار ارتفاع درجات الحرارة للتخلص من كورونا.

 

 

بيرغيت سفينسون

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة