حملة رقمية ضد تجريم العلاقات الجنسية بين البالغين خارج إطار الزواج في المغرب. الصورة دويتشه فيله
جدل حول العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج

حوار الطرشان حول الحريات الفردية في المغرب

لا تهدف السلطة في المغرب من خلال تطويق الجسد ومراقبته إلى حماية المعتقد الديني بقدر ما تهدف إلى تأبيد سلطتها وتغولها على الأفراد، لذلك لا يجب أن ننظر إلى الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي باعتباره تنزيلا للشرع بقدر ما يجب أن ننظر إليه كممارسة للقهر. تعليق فوزية حيوح لموقع قنطرة.

تعرف الساحة المغربية نقاشا عموميا حادا، حول الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على أن "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة فساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة"، بين تيارات محافظة ترى في هذا القانون تنزيلا لمقتضيات الشريعة الإسلامية، بما يحفظ قيم المجتمع ويحميه من الانحلال الأخلاقي، وبين حداثيين يرون فيه تقييدا للحريات الفردية ومسا بقيم المجتمع الديمقراطي.

أثير هذا النقاش على خلفية قضية حنان، فتاة تطوان، التي كانت "ضحية" لفيديو فاضح وحوكمت بمقتضاه بالحبس النافذ لمدة شهر، دون أن يحاكم الطرف الآخر، الذي صور الفيديو وعممه، مع العلم أن القانون المغربي يجرم هذا الأمر بمقتضى الفصل 448-1 من القانون الجنائي: "يعاقب على الاستغلال الجنسي لأغراض إباحية بالحبس من 5 إلى 10 سنوات".  والفصل 447-1 من جانبه: "يعاقب على نشر مقاطع فيديو خاصة دون موافقة الشخص المعني من 6 أشهر إلى 3 سنوات سجنا".

نقاش متكرر حول تجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج

 أعادت هذه القضية إثارة النقاش حول تجريم العلاقات الرضائية في المغرب، والشطط في استخدام هذا القانون الذي غالبا ما يتم اشهاره في وجه معارضين سياسيين أو صحفيي الرأي، كما يتم تطبيقه في حق الفئات الهشة والفقيرة مثل حالة " حنان".  

وترى مجموعة من الهيئات الحقوقية والجمعيات النسائية أن تنزيله يتضمن في الغالب تمييزا على أساسا النوع ويطبق على المرأة ليفلت الرجل من العقاب.

 

 

إن هذا الفصل يفضح النفاق الاجتماعي، الذي يحكم مختلف العلاقات داخل المجتمع المغربي، فداخل هذا المجتمع تنتشر العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج، لكن السلطات تسكت عنها مادامت تحدث في الظل أو خلف الأسوار المنيعة للطبقة المخملية، لكن بالمقابل تضرب بيد من حديد أي مطالبة بتعميم الحريات الفردية، والمجتمع في انتصاره لخصوصية زائفة ضد الكونية الحقوقية يتواطؤ مع السلطوية وشططها، متناسيا أن حرية المجتمع من حرية الفرد، وأن حرية الجسد تهدد السلطوية وآليات الرقابة التي تمارسها على الأفراد.

إن الخوف من حرية الأفراد هو خوف بالأساس من استقلاليتهم، وتقييد الجسد هو قبل ذلك تقييد للإرادة الحرة، وحجر على المجتمع والفرد، إن ضبط الجسد هو تجلي واضح لاشتغال السلطة وكما قال فوكو في إحدى الحوارات معه: "زحفت السلطة داخل الجسد، وفي الجسد نفسه تجد ذاتها معرضة للخطر". 

الخصوصية الزائفة والكونية الحقوقية: "الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي ليس تنزيلا للشرع"

لا تهدف السلطة من خلال تطويق الجسد ومراقبته إلى حماية المعتقد الديني بقدر ما تهدف إلى تأبيد سلطتها وتغولها على الأفراد، لذلك لا يجب أن ننظر إلى الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي باعتباره تنزيلا للشرع بقدر ما يجب أن ننظر إليه كممارسة للقهر، إنه يدخل في سياق التوظيف السياسي للدين. كما أن الغاء هذا البند القانوني لا يعني بالضرورة المس بالدين الذي يؤكد الحرية في نصوصه المؤسسة، وأولوية الحرية على العبودية. كما أن إلغاؤه لا يعني بالضرورة الانحلال الأخلاقي والاجتماعي.  فالمسلم الحر يمتثل لقناعاته الدينة بشكل مستقل عن سلطة الدولة، والمفروض في المؤمن الحقيقي أن يستحضر الله في أفعاله قبل أن يستحضر السلطة.

إن الالتباس الذي نشهده لدى المواطن المغربي بين القانون والدين، والحدود العائمة بين الشريعة والقانون، هو الذي يؤدي إلى تأبيد هذا العبث المستمر للسياسي بالديني. وهو ما يؤكد لا ريب الحاجة في السياق المغربي والعربي عموما إلى العلمانية التي تسمح للأفراد بممارسة عقائده خارج وصاية الدولة. "ولد الإسلام علمانيا"، كما كتب حسن حنفي (في حوار المشرق والمغرب. “الحوار الذي جمعه بمحمد عابد الجابري“).

جدل حول تجريم العلاقات الجنسية بالتراضي و مطالبات بإلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي
الباحثة في قضايا الإسلام أسماء المرابط: "إن هذا الفصل يخالف أخلاق الإسلام ولا يليق بمغرب اليوم. واعتبرت المرابط، أن الإسلام، كغيره من الديانات التوحيدية، حرم العلاقات الجنسية خارج الزواج، لكنه حصّن الحياة الخاصة للأفراد وأحاط إثبات وقوع العلاقة الجنسية بمجموعة من الشروط تجعل الإثبات مستحيلا“.

ما يستدعي الانتباه في سياق النقاش الدائر اليوم في المغرب حول العلاقات الرضائية هو تلك الحساسية المفرطة التي يعبر عنها المواطن المغربي إزاء القضايا المرتبط بالحريات الفردية، في وقت لا يتعامل فيه بنفس الحساسية ازاء قضايا مصيرية تتجاوز الفرد لتمس بنية المجتمع واستقراره، كتلك التي ترتبط بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والحقوق السياسية للأفراد، والفساد السياسي، وفساد القضاء.

وهذا ما يدفعنا لطرح السؤال التالي: لماذا ننظر لحرية الآخر كتهديد لنا؟ لماذا هذا الخوف من الحرية الفردية؟ هل لأن حريته تذكرنا بلا حريتنا؟ ألا تعبر هذه الحساسية المفرطة والمدثرة بالدين أو التي تنصب نفسها حامية له عن مشكل بنيوي في التدين المعاصر الذي ما برح ينظر للفرد مسلم كقاصر لابد له من آليات ردع تجبره على تطبيق العقائد الدينية، بدل من أن ينبع تدينه من داخله، تعبيرا عن نضج أخلاقي وإرادة حرة.

ألا يكشف مفهوم "زعزعة عقيد مسلم " الذي يتم اشهاره في وجه أي نقاش عمومي حول الحريات الفردية عن أعطاب التدين المعاصر، وكيف أن التدين في السياق العربي لم يخرج بعد من السياق الجمعي إلى الفردي، ولازال يشتغل كركيزة من ركائز السلطوية.

ولا يسعني في هذا السياق سوى أن أستحضر بعض ما كتبه هشام شرابي في كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي" قائلا: "النظام القائم يفرض على كل فرد من أفراده أدوار اجتماعية لا يستطيع تبديلها أو الخروج منها، طوال حياته، ومجتمعنا، ككل المجتمعات اللاصناعية التي ما تزال شبه اقطاعية في مؤسساتها والعلاقات القائمة فيها، إنما يحافظ على بقاءه واستمراره بالمحافظة على (عاداته) و(تقاليده) و(قيمه) و(عقيدته). وهو بذلك إنما يحافظ على العلاقات الإنتاجية وعلى احتكارات الطبقة الصغيرة المسيطرة فيه".

إن التدين المعاصر هو حصان طروادة السلطوية.

 

فوزية حيوح

حقوق النشر: قطرة 2021

فوزية حيوح كاتبة وباحثة من المغرب.

 

المزيد من المقالات التحليلية من موقع قنطرة 

المغرب: عودة الدولة الأمنية

دعابات وضجيج ومشاكسات...الشعبوية تزحف على المشهد السياسي المغربي

الزفزافي: رمز حراك الريف المغربي و"وريث" عبد الكريم الخطابي

القصر الملكي...ضابط الإيقاع الحكومي المغربي

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة