جدل لا ينتهي حول ضرورة عقلنة التراث الاسلامي

الأزهر والإيهام بتجديد الفكر الإسلامي

مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الخطاب الدينى: تعتبر الكاتبة هدى شقراني أن انبثاق هذا المؤتمر في صلب مؤسسة دينية عريقة بوزن مؤسَّسة الأزهر يؤكّد على أن الظُّروف الموضوعيّة بدأت تتهيأ نسبياً لبداية تصويب نظرنا إلى الأمام وليس إلى الخلف، فالماضويَّة المطلقة التي تمتلأ وتزهو بها الأصوليّة الإسلاميّة ستخضع لإملاءات الواقع عاجلا أم آجلاً.

مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي، الذي نُظم مؤخّرا في القاهرة، هو مؤتمر فرضه دوران الأزمان. فمقارعة الأصوليّة الإسلاميّة ضرورة مُلحَّة سيفرضها بشدّة واقع متغيّر لم يعد يقوى على شدّه قسرًا إلى الماضي الثقيل بخيوط رفيعة جدا. هو مؤتمر يؤكد لنا أن هذا الشدَّ القويّ إلى الوراء أو الأصول يدلُّ على أنّ هنالك قوّة دفع إلى الأمام قويّة أيضا حتّى وإن كانت لا تضاهي حجم القوّة الأصولية لكنّها تتفوّق عليها فكريّا وعلميّا. هي قوّة لا تقف على الأطلال ولا تبكي على الماضي.

هي قوّة مغامرة لا تهاب الحاضر ويغريها القفز إلى المستقبل دون القطيعة الكاملة مع الماضي. هي قوّة تؤمن أن العقل البشري، الذي أنتج الأصول، قادر على الإبداع.

لن أركّز هنا على علاقة التضاد بين هاتين القوّتين بقدر التّركيز على نوع العلاقة التي تجمعها والتّي قد تبدو ظاهريّا علاقة غير منتجة، لكنّها في حقيقة الأمر علاقة منتجة تخدم عمليّة التّغيير، فتاريخيّاً هذا الصراع بين القوّتين هو الذّي أنتج أهمّ التّغييرات المجتمعيّة.

لكن من هو الأصولي؟

الأصولي هو من يتعلّق بالأصول والأصول هي أول الشيء والأسس الأولى، هي البناء الأوّل. وزمان الأصولي هو زمان مثبّت في الماضي. فنظرة الأصولي هي "نظرة مستديرة دائما إلى الوراء لا إلى الأمام. إنها مثبّتة على لحظة معيّنة من لحظات الماضي، لحظة تتعالى على كل اللحظات". (١)

و"الرؤية الأصولية تعتبر أن لحظة التّمام والكمال حصلت في الماضي وأنّه كلما ابتعدنا عنها فسدنا. لذا فالتقدّم بالنسبة لها يكون في العودة إلى الوراء، إلى لحظة الأصول الأولى، لحظة اللّحظات". (٢)

إنّ الأصولي لم يدخل زماننا بعد. نعم، الأصولي يجد نفسه في الماضي ويتوه في الحاضر. تعلُّقه بالماضي هو تعلقٌّ طفولي مرضي. والقطيعة مع الماضي، حتّى وإن كانت جزئية، ترعبه كما يرتعب الطفل حين يلتفت يمينا ويسارا ولا يجد أمه. إنّه التيه الكامل! للماضي سلطة شبه كاملة على وعي الأصولي، ذلك "أننّا ندخل أو نكاد في أسر الماضي، نجترُّه ويجترُّنا، ونغرق في تفاصيله ونتوقَّف عن السَّير إلى الأمام".(٣)

 

 

هل نحن على أبواب معركة جديدة مع الأصولية الإسلامية؟

اليوم وقد بدأ يُفرض على الأصوليين تصويب نظرتهم إلى التُّراث، لا للاكتفاء والاحتماء به، بل لطرحه للبحث والنَّقد والمراجعة لمحاولة الخروج من هذا النُّكوص والانحدار الرهيبين، يقترح علينا بعض "التقدميين" أن نتخلّف عن هذه المعركة بدعوى أنّها معركة خاسرة سلفًا.

ألا يعي هؤلاء أن التراثيين من خلال هكذا مؤتمر هم تحت المساءلة حتَّى وإن كانت مساءلة محتشمة؟ ألا يعي هؤلاء أن شيخ الأزهر، أحمد الطيِّب، كان في هذا المؤتمر العالمي في موقع الدِّفاع عن التراث. إنَّنا في مأزق مع تراثنا. ألا يعي هؤلاء أن للحاضر سلطة على الماضي وأن الأصولية تحمل داخلها بذور فنائها؟ ألا يعي هؤلاء أن الاشتباك مع الأصولية الإسلامية ومقارعتها آتية في كل الأحوال؟ ماذا يقترحون علينا؟ هم يقترحون علينا أن ننضم إلى القوة الأصوليّة لنساعدها على تأبيد هذه الحالة الماضويّة "النقيّة" بكليّتها. لو لم يكونوا هم أيضا أصوليين لما اقترحوا علينا ذلك. أو ربّما هم تقدميّون يمارسون على أنفسهم الرّقابة الذّاتية طوعا أو كرها.

ألا يعي هؤلاء "التقدميين" أن هنالك أسئلة تفرض نفسها اليوم بشدّة على الجميع. هي أسئلة من قبيل: هل القول براهنيّة القرآن هو ضرب من ضروب العطالة الفكريّة والوهم بأزليّته؟ إذا ما اعتبرنا أن النص القرآني راهن بكُليَّته، فلماذا نحن اليوم في جدال حول "صلوحيّته لكل زمان ومكان"؟ وإذا ما اعتبرنا أن النصَّ القرآني حامل لصفة الدَّيمومة فكيف نلغي ما يمليه دوران الأزمان من مراجعةٍ للنص لتكييفه مع واقع متغيّر باستمرار؟

ألا يفرض علم أسباب التنزيل أو النزول، الذي ربط أسباب تنزيل آيات القرآن بأزمنة وأمكنة تلك المرحلة التي نزل فيها الوحي على امتداد عشرين سنة، القراءة التاريخيّة للنص؟ ألا تفرض أغوار اللغة العربية للقرآن الفهم المتعدِّد له؟ هي كلَّها أسئلة ستُطِّل علينا مهما تخلّفنا عن معركة التجديد.

 

اقرأ/ي أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

لماذا تتناقض مشاريع الإصلاح مع واقع المجتمعات المسلمة؟

تطابقات جلية بين الشريعة الإسلامية والقوانين الألمانية

"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جزء أصيل من الإسلام"

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة