فالأمر لا يتطلب سوى القليل ليتم اتهامك بأسوأ ما يمكن أن تتخيله. وسرعان ما ظهر اسمي في عمود إحدى الصحف شبَّه أقوالي بأقوال زعيم النازية هتلر. كما شبّهني بعضهم الآخر بمارتن فالزر. وفي حين لا يجب أن تؤخذ مثل هذه المقارنات على محمل الجد، بكل تأكيد، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين يبدأ التعامل بجدية مع مثل هذه المسائل؟ (فإذا استغرقت أنا نفسي وقتًا طويلاً لأجد إجابة على ذلك، فكيف لامرأة فلسطينية أن تجد الجواب على ذلك؟)

إن اندفاعي للدفاع عن نفسي من خلال تقديم الدلائل على مدى تأثير الهولوكوست على حياتي لهو أمر مثير للسخرية. وإنه لعمري لمن الهراء أن يقوم بعضهم بإلصاق تهمة مدمرة على أشخاص آخرين، هكذا وبمنتهى السهولة، بدون بذل جهد لإلقاء ولو نظرة خاطفة على السِّيَر الذاتية والهوية والتكوين الفردي؛ وهم في ذلك لا يكلِّفون أنفسهم سوى جهد ضئيل، كمن يرسم خط على الرمال ليشرح من خلاله أن العالم مكون من قسمين، قسم أول يضم الأطهار، والقسم الآخر يحتوي أبناء شوارع مُنحَطين.

والأمر أصعب على اليهوديات واليهود، ممن يسبحون عكس التيار، حيث يتم النظر إلى التكوين الذي جعلهم على الحال التي هم فيها على أنه شيء بلا أي قيمة. وقد كتب الأخصائي التربوي مايكل سبير مؤخرًا أن كثيرًا من الناس لا يفهمون مقدار "الجهد، والنقد الذاتي، والتكوين الذاتي" الذي استغرقه الإسرائيليون أمثاله ليصبحوا معارضين راديكاليين لسياسة الاحتلال. كما يظن بعض أحفاد المسؤولين عن الهولوكوست ببساطة أن هؤلاء اليهود لا يولون للهولوكوست أهمية لكونهم معارضين.

 

 

الانشقاق اليهودي يشكّل تحديًا

ومن الصعب أن يتم التقليل من حجم ما يشكِّل بالأساس أقلية صغيرة، ومن ثم أن تنهض هذه الأقلية للوقوف في وجه الصورة الرائجة لإسرائيل، والتي تخفف العبء عن كاهل الألمان كثيرًا. وأنا نفسي لم أرغب سابقًا في الانخراط فكريًا في التعقيد الخاص بالانشقاق اليهودي، وكنت لا أجد ما يمكن الاستناد عليه للخوض في ذلك. أما اليوم، فأنا أعتقد بحتمية مواجهة اليسار لهذا التحدي.

وأود اليوم، بصفتي مواطنة ألمانية خبرت الحياة، القول، إن تحمُّل ألمانيا المسؤولية عن المحرقة بعد مدة طويلة من الممانعة قد أتاح لقسم كبير من أبناء جيلي أن يفرض نفسه في الاتجاه الفكري السائد الذي نعتقد اليوم أننا ظفرنا به، أو شاركنا مع غيرنا في تحقيقه. ومن ثم أضفنا هالة من القداسة على ما حققناه، وارتأينا أن خير الأمور هو البقاء في الوسط.

لكن نظرة إلى نتائج الاستطلاعات تؤكد بأن شيئًا لم يتحقق على المدى الطويل. فحين تثبت تقارير المعلمين إلى أي حد يقف الجيل اليهودي اليافع (ليس فقط في المهجر) بعيدًا عن الهولوكوست، تتضح ضرورة تطبيق نهج جديد لمقاربة المسألة.

واليوم يمكن لهذه الأقليات بالفعل أن تُظهر لنا الكيفية التي تربط بين المتضامنين الراديكاليين ومناهضي النزعة الفاشية للتغلب على الطريقة الألمانية البحتة في التعرف على نفسية الآخرين وفهمها. صحيح أن هذا التيار اليهودي المنشق صغير جدًا، إلا أنه تيار مهم ضمن سياق التغييرات الأخيرة.

 

 

شارلوته فيديمان

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة