الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي 2017 - 2002

جسر بين ألمانيا والعالم العربي
عبد الرحمن بدوي: قنطرة فلسفية وفكرية بين الشرق والغرب

الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي جاء إلى دنيانا فملأها علما وفلسفة وترجمة ونشاطا. لا ريب أنه جبل معرفي ومفخرة عربية وإسلامية وقامة فلسفية وإذا كان ابن رشد أو الفارابي هما المعلم الثاني فعبد الرحمن بدوي هو المعلم الثالث ففي جعبته أكثر من 100 كتاب مما يجعل كثيرين من هواة جمع الألقاب كدكتور وبروفسور موقع سخرية. تعليق الكاتب إبراهيم مشارة.

ظل عبد الرحمن بدوي على امتداد عقود من الزمن مالئ الدنيا وشاغل الناس، بنشاطه الفكري الخصب والسياسي والوظيفي، وشاء قبل رحيله عن العالم أن يكتب سيرته الذاتية على غرار صنيع أعلام عصره كالعقاد، طه حسين، توفيق الحكيم، أحمد أمين، زكي نجيب محمود وغيرهم.

لكنه أراد كتابة سيرة ذاتية مختلفة  على عادته في الاستقصاء والتحري والاستطراد والتعمق فجاءت سيرته الذاتية مرآة لنفسه الغامضة، ولفكره الحلزوني الملتوي العميق والضبابي  ولعصره برمته، سيرة كتبها في جزأين ضخمين.

"أسباب عارضة لكل شيء"

فالجزء الأول في 383 صفحة والجزء الثاني في 382 صفحة من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر في أواخر القرن المنصرم استهلها بهذه العبارة المدوية ( بالصدفة أتيت إلى هذا العالم وبالصدفة سأغادر هذا العالم ! ... ولو فتشت تاريخ حياة أي إنسان لوجدت أن نوعا من الصدفة هو الذي تسبب في ميلاده، صدفة في الزواج صدفة الالتقاء بين الحيوان المنوي في الرجل والبويضة في الأنثى … إلخ وواهم إذن من يظن أن ثَمَّ ترتيبا أو عناية أو غاية  إنما هي أسباب عارضة يدفع بعضها بعضا فتؤدي إلى إيجاد من يوجد وإعدام من يعدم).

الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة. brahim mechara algerischer autor foto privat
قنطرة فلسفية وفكرية بين الشرق والغرب: لا ريب أن بدوي جبل معرفي ومفخرة عربية وإسلامية وقامة فلسفية كبيرة وهو الوجودي الذي ظل يتباهى بوجوديته إلى آخر رمق في حياته كما أنه قنطرة فلسفية وفكرية بين الشرق والغرب، وإذا كان ابن رشد أو الفارابي هما المعلم الثاني فعبد الرحمن بدوي هو المعلم الثالث ففي جعبته أكثر من مائة كتاب بين تأليف فلسفي رصين وتحقيق لكنوز التراث العربي والإسلامي وتأليف نثري وشعري وترجمات، مما يجعل الكثيرين من هواة جمع الألقاب في الجامعات العربية المعاصرة كدكتور وبروفسور ومحاضر موقع السخرية والإساءة إلى مضمون الألقاب التي يحملونها، فلا يعرف للكثير منهم إلا الجعجعة والطنين والعجيج والتبجح والادعاء الفارغ المفضوح وقد سخر بدوي منهم جميعا. جاء إلى دنيانا فملأها علما وفلسفة وترجمة ونشاطا. وهو درس لكل مثقف وأكاديمي يتيه عجبا بلقبه وجوائزه وتكريماته الفارغة كما تتيه العروس بجواهرها ولا ينتج شيئا لوطنه غيرالجعجعة التي لا طحين من ورائها. كما يكتب إبراهيم مشارة. في الصورة الكاتب الجزائري إبراهيم مشارة.

عبد الرحمن الذي ولد لأب صارم متدين في قرية "شرباص" عام 1917 في أسرة كثيرة العدد، وكان والده من ملاك الأراضي لكنه لم يكن من المتجبرين على عادة الإقطاعيين وكان حريصا على تعليم ابنه وإدخاله مدرسة الحقوق لعله يصبح يوما وزيرا.

فقد جرت العادة أن أبناء كبار الملاك يتخرجون من كلية الحقوق ويتولون مناصب سياسية رفيعة لكن الفتى بعد تعلمه الابتدائي في "فارسكور" ونيله الثانوية من "السعيدية" اتجه إلى دراسة الفلسفة لما آنس من  نفسه الميل إلى  الاستقصاء والاستدلال والنفاذ إلى بواطن الأشياء.

وفي جامعة فؤاد سابقا أحرز الدكتوراه في الفلسفة عن "مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة "و"الزمان الوجودي "وأشاد به طه حسين كثيرا ووسمه بأول فيلسوف مصري.

وقد كان تقدير بدوي لطه حسين عظيما فكرا وأسلوبا كما امتدح  الشيخ مصطفى عبد الرازق ولالاند من المستشرقين وقد تتلمذ عليه وماسينيون الذي يصفه بالعظيم.

حياة خصبة مدوية

كانت حياة بدوي حياة خصبة مدوية وكأنه طبق عمليا نصيحة نيتشه بالعيش في قلب الخطر، فقد كان رجل جدال ومواجهة وصدام وشجاعة أدبية يعضدها كبرياء وعنفوان واعتزاز بالنفس وإباء للضيم والجبن والهوان والإمعية.

لم يشأ الانضمام إلى حزب الأحرار الدستوريين شأن أبناء الباشاوات  والأعيان ولا إلى حزب الوفد وقد كان يصفه بالشعبوية والانتهازية والفساد  بل انضم إلى "مصر الفتاة" ثم انفصل عنه وعمل ملحقا ثقافيا بسفارة مصر في سويسرا في الخمسينيات.

ثم عاد إلى التدريس في جامعة القاهرة فبنغازي في ليبيا فالكويت وأخيرا جامعة السوربون حيث عاش بقية عمره في فرنسا  ثم عاد إلى مصر قبل رحيله بقليل لينتقل بعد ذلك إلى جوار ربه عام 2002.

تهكمه من أعلام عصره

سيرة ذاتية إذا شرع المرء  في قراءتها فسيصدم بقسوة بدوي وعنفه اللفظي وتهكمه من أعلام عصره: فالعقاد جبل أجرد، وأحمد أمين حقود حسود، وعبد الوهاب عزام  إسلامي انتهازي، وزكي نجيب محمود درس عن بعد، وأحمد فؤاد الأهواني سطحي، ومحمد الطالبي ومحيي الدين صابر قدما رسالتين  فارغتين لا قيمة لهما لأن السوربون كانت تقبل كل أطروحة وتعطي الشهادة العليا ولأن المشرفين لايقرأون نصف الرسالة ولأن فرنسا لا يهمها  الأمر ما دام الطلبة  يعودون للتدريس في أوطانهم وأخيرا التخلص منهم .

بل لم يسلم من قلمه حتى سعد زغلول والشيخ محمد عبده  وشيوخ الأزهر الذين رماهم بالجهل والانتهازية  والدسائس والمؤامرات ضد بعضهم، وامتدت قسوته إلى رجال السلك الدبلوماسي فكتب أن معظمهم جهلة وانتهازيون وصلوا إلى المناصب بالزلفى والمحسوبية ولا فائدة فيهم، بحكم تجربته كملحق ثقافي في سفارة مصر ببرن السويسرية.

وعلى عادته في السخرية المرة امتد قلمه يعبث بأعلام العالم العربي وأعيانه فالشيخ بيير الجميل  رئيس حزب الكتائب اللبنانية عميل فرنسي وعمر فروخ يذكي نار التعصب وفؤاد أفرام البستاني أفعوان خبيث.

هكذا يمضي في النيل من كل كاتب ومفكر وسياسي بثقة وبقاسي اللفظ ونابي الحكم مشبعا رغبة جوانية في الإعلاء من قدر نفسه والحديث عن أناه بإطناب شديد وشعوره بالظلم والاضطهاد ظل يلاحقه  وحسد وغيرة المحيطين به من أساتذة وكتاب ومستشرقين وسياسيين، وأنه لم ينل حقه بالتمام  وكأنه أراد أن يجعل من سيرته التعويضية هذه  ملحمة بدوية على غرار ملحمة عنترة وسيف بن ذي يزن والزير سالم.

جبل معرفي ومفخرة عربية وإسلامية وقامة فلسفية كبيرة

الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي عَرَّبَ كثيرا من المقالات الفلسفية كما عرَّب عيون الأدب الألماني Book Cover of Abdur Rahman Badawi 1917  bis 2002 an Egyptian philosopher Foto Arab institution for publishing
الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي عَرَّبَ كثيرا من المقالات الفلسفية كما عرَّب عيون الأدب الألماني: مقالة عن قنطرة الثقافة الألمانية والعربية: هذه المقالة تتناول فيلسوفا عربيا انتمى للوجودية لكنه في ذات الوقت أهم كاتب ومفكرعربي عن الثقافة والفكر الألماني فهو بحق قنطرة بين الثقافتين العربية والألمانية وكتابه في شكل سيرة ذاتية شهادة على العصر من الناحية السياسية والفكرية والفنية، ولا نغالي إذا قلنا إن الثقافة الألمانية مدينة في انتقالها إلى العالم العربي إلى ثلاثة عبد الغفار مكاوي ومصطفى ماهر وعبد الرحمن بدوي فإن كان مصطفى ماهر وعبد الغفار مكاوي عربا الأدب الألماني فإن بدوي عرب كثيرا من المقالات الفلسفية كما عرب عيون الأدب الألماني ولم يكتف بذلك بل قام بتقديم دراسات ومقاربات نقدية تضيء القراءة أمام الناقد في حقل سياسي وتاريخي ولاهوتي يجعل الفهم مهمة غير يسيرة وتحتاج إلى تلك القراءة. ولا يخفي بدوي إعجابه بالفكر الألماني وبالمثالية الألمانية وبالفلاسفة الألمان هيغل، نيتشه، هيدغر وهوسرل الذي استمع إليه محاضرا وقد خصهم جميعا بمؤلفات رصينة عميقة وقد كان بدوي من كبار متقني اللغة الألمانية كإتقا

لا ريب أن بدوي جبل معرفي ومفخرة عربية وإسلامية وقامة فلسفية كبيرة وهو الوجودي الذي ظل يتباهى بوجوديته إلى آخر رمق في حياته كما أنه قنطرة فلسفية وفكرية بين الشرق والغرب، وإذا كان ابن رشد  أو الفارابي هما المعلم الثاني فعبد الرحمن بدوي هو المعلم الثالث ففي جعبته أكثر من مائة كتاب بين تأليف فلسفي رصين وتحقيق لكنوز التراث العربي والإسلامي وتأليف نثري وشعري وترجمات، مما يجعل الكثيرين من هواة جمع الألقاب في الجامعات العربية المعاصرة  كدكتور وبروفسور ومحاضر موقع السخرية والإساءة إلى مضمون الألقاب التي يحملونها، فلا يعرف للكثير منهم إلا الجعجعة والطنين والعجيج والتبجح والادعاء الفارغ المفضوح وقد سخر بدوي منهم جميعا.

قدم بدوي بأسلوبه الجزل الخالي من التكلف والعبارة الناصعة واللفظ الدقيق المحكم شهادة باذخة على قرن بأكمله ليس في مصر الملكية فقط بل ومصر العدوان الثلاثي ومصر ثورة يوليو ومصر السادات وشهد على العالم العربي في حروبه التحررية والوحدة بين مصر وسوريا وحرب اليمن والثورة الجزائرية والانقلابات في سوريا والعراق وليبيا والثورة الإسلامية في إيران.

ولا يخفي بدوي إعجابه بالفكر الألماني وبالمثالية الألمانية وبالفلاسفة الألمان هيغل، نيتشه، هيدغر وهوسرل الذي استمع إليه محاضرا وقد خصهم جميعا بمؤلفات رصينة عميقة وقد كان بدوي من كبار متقني اللغة الألمانية كإتقانه الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية واللاتينية والفارسية، ومن كل لغة نقل روائع الفكر والأدب.

غير أن لألمانيا موقعا خاصا فهذا البلد الذي زاره شابا وأعجب بصرامة الألمان وحبهم للنظام وامتلاكهم ناصية التقدم العلمي والفلسفي والأدبي منذ كانتْ وهيغل وغوته والمدرسة الفيزيائية الألمانية التي دشنت عصر النسبية وفيزياء الكم ونظرية الارتياب وكانت بين ألمانيا والعالم العربي وشائج من التواصل والتقارب الفكري ما هو جدير بالدراسة بله المواصلة والمتابعة ليس فقط منذ إقامة الحاج أمين الحسيني في برلين بل قبل ذلك ومنذ القرن التاسع عشر وفي مقالات ودراسات بدوي كثير من المقاربات لهذا التواصل بين العالمين الألماني والعربي الإسلامي وترجمته لـ"فاوست" و"الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" من أحسن الترجمات نقلا عن الألمانية مباشرة تلك المهمة – أي مهمة نقل روائع الفكر الألماني إلى العربية - أكملها المترجمان الكبيران عبد الغفار مكاوي (1930/2012)ومصطفى ماهر (1936/2021) في عمل مزدوج أي النقل إلى العربية والألمانية، وكان مما نقله مصطفى ماهر إلى الألمانية القرآن الكريم في ترجمة ليست حرفية.

من قنابله الفكرية إلى لواعج الحب وتباريح الغرام

ويستمر في إطلاق قنابله الفكرية وفي الإطاحة برؤوس العلم والفكر غير أنه يعرج  هذه المرة على القلب والوجدان ومن يعرف بدوي لا يعرفه إلا رجلا يبدو أقرب إلى الغلظة وجفاء الطبع والقسوة والجد والصرامة والانصراف إلى القراءة أو الكتابة أو التحقيق لا شأن له بلواعج الحب وتباريح الغرام ونشوة المدام وفتنة القد والخد، ولكن هذا غير صحيح فبدوي صاحب وجدان يذوب رقة وصبابة، وصاحب نفس متعطشة للحب وللمتعة على الرغم من أنه لم يتزوج قَطٌّ.

وفي سيرته تجرأ على الحديث عن تجاربه الغرامية ولياليه المتعية في سويسرا وألمانيا وإيطاليا وخص نساء عرفهن بطيب التحية والثناء أن منحنه المتعة والإلهام معا وها هو يتحول إلى شاعر وجداني رقيق:

يا ابنة "الإيزر"  يا أحلى فتـاة

أيــــــــن آنت الآن ؟آه منك آه

شعلة الحب التي أوقدتـــــــــها

نورت للقلب أسباب الحيــــــاه

ونداء النهد ريان الصــــــــدى

يعصر الشهوة في كأس الجناه

وهناك شعور بالأسى وشجن ظاهر لا يدارى إضافة إلى مشاعر السخط والغضب والضيق والتبرم ونزعة الاستعلاء والسخرية وقليل من الصفاء والمرح وذلك حين يتناول قريته شرباص البلدة الوادعة النائمة في أحضان الريف يحرسها القمر الساجي ويزفها إلى مرقدها حفيف الشجر وهمس السواقي وبرد النسيم المعطر بطهارة الأرض ثم جمال الطبيعة في سويسرا وألمانيا وإيطاليا لا بطريقة النوستالجيا الغريرة بل نوستالجيا واعية بصيرة، فحال العلم كان أفضل وكذلك تعلم اللغات ومستوى الكتابة وممارسة السياسة وفي كل مرة كان يستشهد بهذا البيت المأثور:

 

رب يوم بكيت منه فلمــــــــا

صرت إلى غيره بكيت عليه

 

وكما كان منتظرا فمن يعرف فكر بدوي ينتظر منه أن يدين الشعر الحر ويعتبره حركة شيوعية وله محاولات شعرية كلها عمودية لا جدة فيها.

الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي أثناء الدراسة   Abdur Rahman Badawi 1917  bis 2002 an Egyptian philosopher Foto Wikipedia
لألمانيا موقع خاص لدى الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي: فهذا البلد هو الذي زاره شابا وأعجب بصرامة الألمان وحبهم للنظام وامتلاكهم ناصية التقدم العلمي والفلسفي والأدبي منذ كانتْ وهيغل وغوته والمدرسة الفيزيائية الألمانية التي دشنت عصر النسبية وفيزياء الكم ونظرية الارتياب. وكانت بين ألمانيا والعالم العربي وشائج من التواصل والتقارب الفكري ما هو جدير بالدراسة بله المواصلة والمتابعة ليس فقط منذ إقامة الحاج أمين الحسيني في برلين بل قبل ذلك ومنذ القرن التاسع عشر. وفي مقالات ودراسات بدوي كثير من المقاربات لهذا التواصل بين العالمين الألماني والعربي الإسلامي وترجمته لـ"فاوست" و"الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" من أحسن الترجمات نقلا عن الألمانية مباشرة تلك المهمة – أي مهمة نقل روائع الفكر الألماني إلى العربية - أكملها المترجمان الكبيران عبد الغفار مكاوي (1930/2012) ومصطفى ماهر (1936/2021) في عمل مزدوج أي النقل إلى العربية والألمانية، وكان مما نقله مصطفى ماهر إلى الألمانية القرآن الكريم في ترجمة ليست حرفية. . كما يكتب إبراهيم مشارة. في الصورة: الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي أثناء حياته الدراسية.

امتداد مقته إلى حركات العالم

وامتد مقته إلى الحركات الأدبية والفنية في العالم فنال من سارتر واعتبره ميع الوجودية كما أنه كاتب مسرحي وليس فيلسوفا كما نال من حركات الشعر الحديث في أوروبا وعدها غامضة غير مفهومة، ولم يستثنِ من هجومه الدادية والسريالية واللامعقول والعبثية وغيرها.

وجراءته في مهاجمة الصهيونية ظاهرة ونزعته العربية الإسلامية تقطر من قلمه قطرا على الرغم من محاولة تقديم نفسه كفيلسوف وجودي ومفكر حر باحث متعمق في شؤون الفلسفة قديمها وحديثها وقد عرى ثلاثة من أدباء ومفكري فرنسا ورماهم بالتعاطف مع إسرائيل والصهيونية كيوجين أونسكو وناتالي ساروت وبدرجة أقل سارتر الذي اتهمه بإبطان التعاطف مع إسرائيل وإظهار التعاطف مع العرب كما عرى النزعات الانفصالية في العالم العربي كالفينيقية والآشورية والبربرية في شمال إفريقيا.

وفي فترة عمله في بنغازي بليبيا تعرض للاعتقال من قبل مخابرات الزعيم وكانت تجربة حزينة وشاقة لأنها تنكر لمجهود الرجل العلمي والفلسفي - وقد حقق كثيرا من نفائس المخطوطات الفلسفية هناك على الرغم من اعتباره الفلسفة الإسلامية مجرد شرح لفلسفة اليونان -  وتدريسه للطلبة وتأطيره لهم كل ذلك لم يثنِ زبانية النظام عن الزج به في زنزانة الاعتقال لشكوكهم في عداوته لثورة الفاتح وأخيرا إجباره على مغادرة ليبيا وهذا بعد مساعٍ من الرئيس أنور السادات.

تبقى النقطة الأكثر جدلا في سيرة بدوي موقفه من ثورة يوليو 1952 فقد صب جام غضبه وأقذع العبارات على مجلس الثورة وجمال عبد الناصر واصفا إياه بالطاغوت ومخابراته بالزبانية، وليس ذلك فقط لتجريد النظام أسرة بدوي من أملاكها بدعوى محاربة الإقطاع والتخلص من آثار العهد الفاسد عهد فاروق بل إن بدوي رحب بالثورة وهذا شأن كل وطني مخلص غيور على شعبه فالفساد قد طم وعم.

وكان توفيق الحكيم في "عودة الوعي" قد وصف فاروق بالفاسد المترهل الجسم كخنزير لكن لأن النظام السابق جنح بعد ذلك إلى تغليب الهاجس الأمني والمخابراتي وأولوية العسكري على السياسي والمثقف وشكل مجلس للمحاسبة فارتكبت مظالم وعملت الوشايات والأحقاد في عزل الناس من مناصبهم من أساتذة ومسئولين ورجال إدارة والزج ببعضهم في السجون والاختطاف والتعذيب والقتل، وجردت العائلات من أملاكها بتحديد الملكية من 200 فدان إلى 100 ثم 50 فدانا دون تعويضات وحلت الأحزاب واكتفي بالاتحاد الاشتراكي وقامت الدعاية والديماجوجيا والحماسة والانفعالات والخطب الهوجاء مقام الفكر والروية والتخطيط والدهاء السياسي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة