باكستان الغارقة في دوامة التناحر السعودي-الإيراني

وقد ساقت هذه السياسات إلى ظهور جماعات مناهضة للشيعة، مثل تنظيم جيش الصحابة أو جيش جهنكوي، هدفها المعلن هو محاربة الشيعة وغيرهم من "المرتدين". وشهدت باكستان ابتداءً من منتصف الثمانينيات أسوأ أعمال عنف طائفي في تاريخها، وظهرت نتيجة لذلك بعض الجماعات الباكستانية الشيعية المسلحة، وجرى الحديث عن صلات وثيقة تربطها بإيران. وبذلك انزلقت باكستان في مستنقع المواجهة السعودية-الإيرانية، وأسفرت الهجمات والاعتداءات عن سقوط مئات القتلى من الجانبين.

ولم يبدأ العنف في الانحسار نسبيًا إلا في منتصف التسعينيات، وقد قام الحاكم العسكري برويز مشرف ابتداءً من عام 2001 باتخاذ إجراءات تستهدف الجماعات المتطرفة في البلاد لأول مرة، وقد بقي مشرف في السلطة حتى عام 2008، وتم حظر تنظيم جيش الصحابة السني والعديد من المنظمات الشيعية المتشددة مثل تنظيمي جيش محمد وأنصار الحسين منذ ذلك الحين.

 

 

 

الصراع في سوريا يؤجج الانقسامات الطائفية في باكستان

ويبدو أن الجماعات المعادية للشيعة قد عادت إلى النشاط مرة أخرى بعد فترة من الهدوء النسبي، والسبب الرئيس هذه المرة هو الصراع في سوريا. فإلى جانب تورط متطرفين باكستانيين سنّة، هناك أدلة على تورط مجموعات من شيعة باكستان في القتال الدائر في سوريا منذ عام 2013، وقد تم تنظيمهم بشكل منفرد فيما يسمى "لواء الزينبيون" في عام 2015، حيث تم نشرهم من قبل الحرس الثوري الإيراني في جبهات القتال المختلفة في سوريا بعد تلقيهم تدريبا عسكريا أساسيا.

ولعلَّ المسيرات الجماهيرية المناهضة للشيعة التي نُظمت في كراتشي وإسلام أباد في أيلول/سبتمبر 2020 قد جاءت بمثابة مفاجأة لكثير من الباكستانيين، إلا أنها كانت في حقيقة الأمر تعبيرًا عن هذا الصراع المحتدم، وكان من بين المتظاهرين أعضاء من جماعة جيش الصحابة المحظورة وغيرها من منظمات سنية متشددة متعاطفة مع جماعات إرهابية سنية في سوريا.

يستشري لدى السلطات الباكستانية خوف كبير من احتمال تعرض مدينة كراتشي لموجة جديدة من العنف الطائفي، حيث تتخذ قوى الأمن إجراءات متزايدة ضد الجماعات المسلحة في هذه المدينة المليونية، وقد تم اعتقال عدة عناصر من لواء زينبيون في أواخر عام 2020 خلال إحدى العمليات الأمنية.

غير أن النجاح المستدام في مكافحة التطرف لن يرى النور ما لم يتم تعزيز جو من التسامح في المجتمع برمته، وهو أمر لا تزال باكستان بعيدة عنه كل البعد.

 

محمد لقمان

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

دَرَس محمد لقمان دراسات العالم الإسلامي في مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط في جامعة ماربورغ الألمانية مع التركيز بصورة خاصة على الإسلام في جنوب آسيا، ويُعِدُّ حاليًا أطروحة الدكتوراه عن العلاقة بين الدين والنزعة القومية في باكستان.

 

...................
طالع أيضا
العلاقة بين المسلمين السنة والشيعة
التصالح السني الشيعي...مفتاح للاستقرار العالمي

...................

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة