قهوة العمة مارا

قضيت ليلتي في غرفة العمة مارا، بينما احتلت هي غرفة في أقصى الشقة قرب المطبخ، الفراش هو فراشها، يبدو أنه فراش الزوجية، الذي أصبح فارغا منذ وفاة زوجها قبل أعوام. شعرت أنها لا تريد النوم فيه، وتجعل عابري السبيل مثلي يقضون لياليهم هناك، لم أحبذ قضاء الليلة في هذه الغرفة، شعرت بخصوصية الأشياء التي تشغلها. لكني لم أستطع الرفض ولم أحاول حتى جعلها تلاحظ ذلك، فالناس في سنها ورغم خبرتهم الطويلة في الحياة إلا أنهم يصبحون أكثر حساسية لكثير من الأشياء.

صنعت لي العمة مارا قهوة الصباح وساندويتش الجبنة، بعدها قررت أن أتجول في المدينة، حملت كاميرتي وحقيبتي وخرجت. كان في بالي البحث عن آثار المدينة القديمة. فهنا مر الفرس والعرب والعثمانيون وأخيرا السوفيت. كان لي زملاء وأصدقاء أرمن في المدرسة أيام الثانوية، يحدثوني بفخر عن تاريخهم، وأنهم أول الأمم التي تحولت من الوثنية إلى المسيحية.

يريفان عاصمة أرمينيا
طريق باسم "الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل 2015، الإبادة الجماعية الأرمنية": ذكرى المآسي التي راح ضحيتها مئات آلاف الأرمن. يقدر عدد الأرمن خارج أرضهم بتسعة ملايين، بينما يقدر عدد سكان أرمينيا بحوالي أربعة ملايين.

كان أجدادهم من الذين تركوا أرمينيا واتجهوا نحو الجنوب. ضاع كثير منهم في الصحراء، فيما قتل بعضهم على أيدي جنود الدولة العثمانية. هذا ما كان يقوله لي أصدقائي. كانوا حذرين جدا في الحديث عن الماضي، وعن مأساة الأرمن مع بدايات القرن العشرين، لكن تاريخ إقصائهم يمتد لأطول من ذلك، فقد مرت عليهم أيام سوداء أيضا.

 يذكر التاريخ أن الصفويين والعثمانيين تبادلوا السيطرة على يريفان 14 مرة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. وقبلهم مر العرب من هنا. مر الأمويون والعباسيون. ومر التجار العرب الأغنياء. ويقال إن التجار الأرمن كانوا يمرون عبر نهر الفرات للوصول إلى بابل لأغراض تجارية آنذاك.

لكن أين هي آثار المدينة القديمة. هناك قرب جبل أرارات، حيث تقول الأسطورة إن سفينة نوح رست عليه، تقع بقايا آثار ممالك وأديرة ومعابد. قررت التجول في المدينة. لعلي ألحظُ شيئاً.

 حدثتني سابقاً العمة مارا عن المسجد الأزرق، فأخذت خارطة للمدينة واتجهت نحوه. لم يكن المسجد الأزرق بعيداً عن سكن العمة مارا، وصلت إليه، دخلت إلى باحته الرئيسية التي تتوسطها حديقة وتحيط بها إيوانات مبنية من الحجر الآجر، فيما يقع منبر  وحرم الصلاة في الجهة الأخرى المقابلة للبوابة.

 في أحد الإيوانات شاهدتُ تمثالا لقائد الثورة الإسلامية في إيران الخميني. والمسجد الأزرق بني في عصر نادر شاه في القرن الثامن عشر. أغلقت أبوابه خلال فترة السوفيت وأعيد ترميمه بدعم من الحكومة الإيرانية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

لقاء الأجيال

أمام حرم الصلاة في الباحة يجلس رجلان، شاب ملتح ورجل قد جاوز الستين. عندما اقتربت منهما محاولا الوصول إلى حرم الصلاة، ابتسم الشاب وسلم علي، سألني حينها من أي البلاد أنا؟ وعندما علم أنني عراقي، ابتسم وبدأ يتحدث معي بعربية فصيحة، لكن بلكنة فارسية، كان الشاب طالب دكتوراه يدرس الأرمينية، أما الآخر فهو رجل ستيني وأستاذ جامعة متقاعد، إيراني من أصول أرمينية.

يريفان عاصمة أرمينيا
"الأستاذ والتلميذ في باحة المسجد الأزرق في وسط يريفان. خطوات وأتجه إليهما ويبدءان معي الحديث حول الماضي واللغة والحاضر".

فهمت من الأستاذ أنه غادر إيران منذ ستينات القرن الماضي عودة إلى بلاده الأصلية، لكنه تفاجأ بالحياة في الدولة السوفيتية. سألته عن حال الناس هنا. قال : البلاد فارغة من أهلها. الروس يتآمرون علينا، ويأخذون شبابنا ومن يحمل خبرة إلى روسيا. يفتحون لهم أبواب الرزق، فيما يضيق أغنياء أرمينيا الخناق على الناس هنا. ولا مفر لهؤلاء الشباب سوى الهروب إلى روسيا. هذه مؤامرة روسية لتفريغ البلاد من أهلها والاستيلاء عليها بعد ذلك.

الروس مرة أخرى؟ طرحت السؤال على نفسي وأنا أستمع إلى الأستاذ. لكني سرعان ما طرحت السؤال التالي: أليست أرمينيا خالية من أهلها منذ حكم العثمانيين. لماذا تلقون باللوم على الروس دائما؟ أليس هؤلاء الأغنياء أرمن أصلا وليسوا روسا؟ قال: نعم، لكنهم يعملون لصالح روسيا. وعندما سألته عن حرية التعبير والإعلام في أرمينيا. لزم الأستاذ الشيخ الصمت، بعد أن علم أنني صحفي. فعلمت أن ما قاله كورون صحيح. سلمت عليهما واعتذرت أنني قد قطعت عنهما خلوة التلميذ بأستاذه في باحة المسجد.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : يريفان عاصمة أرمينيا...غافية منسية تحت ظل جبل أرارات

موضوع مسلي ومفيد

فاطمة غزاوي15.06.2016 | 17:20 Uhr

طرح شيق وجميل

حسان الخطاط16.12.2016 | 08:45 Uhr

من الجيد ان ترتحل وتتعرف على باقي الشعوب والثقافات ولكن تزييف التاريخ هو ما يفسدها , مجازر الارمن و الهولوكست هي من اكبر الاكذوبات على مر التاريخ فلا تساعدهم فيها فالعثمانيين لم يرتكبوا المجازر في حق الارمن بل كان العكس هو ماحدث , الارمن هم من تحرشوا بالعثمانيين في تركيا وفي اذربيجان ايضا فقد ارتكبوا الفضائع هناك خاصة في باكو

هواري بومدين 14.05.2018 | 22:34 Uhr