الجواب جاء سريعاً

لم أكد أخرج من بوابة المسجد حتى وقعت عيناي على تجمع للناس في الجهة المقابلة للشارع، فعلمت أنها تظاهرة. اخترت إحدى الحسناوات لأسألها عما يجري. أجابتني بإنكليزية لا بأس بها، أن التظاهرة ضد هدم المبنى المقابل. "إنه أقدم مركز ثقافي في يريفان. اشتراه أحد أغنياء أرمينيا وينوي تحويله إلى "سوبر ماركت".

تجولت من دون وجهة محددة في شوارع المدينة النظيفة. قررت أن تأخذني قدماي إلى حيث تريدان وتقدران. أصابني الجوع، خاصة بعد أن وقفت أمام مطعم إيراني. دخلت إلى مطعم "شاه بيتزا" دون أن أفكر. أخذت وجبة "جلو كباب" وهي الكباب فوق الرز. أثارت انتباهي نظافة المطعم.

جلس في الطاولة أمامي إيرانيان بدءا الحديث معي، بعد أن لمحا شكلي العربي، وكاميرتي الكبيرة. وعرفت بعدها أنهما طالبا دكتوراه في الأدب الأرميني، كان أحدهما يتحدث الانكليزية بشكل صعب ويترجم بالفارسية لزميله، رحبا بي، كانا مهذبين، وعلمت من أحدهما أنه كان جنديا في جبهة القتال أيام الحرب بين العراق وإيران. من كان يتصور أنني سألقى جنديا إيرانيا في يريفان بعد أكثر من عقد ونصف على نهاية الحرب؟

يريفان عاصمة أرمينيا
مطعم شاه بيتزا، حيث تناولت طعام الغداء بعد أن أدركني تعب الظهيرة. مطعم إيراني في منتصف يريفان. الحضور الإيراني قوي جدا في أرمينيا، بسبب العلاقات الطيبة بين الشعبين.

 لم أبق طويلا في المطعم، خرجت متوجها نحو ساحة الجمهورية. أصور ما أجده من مبان أو بشر في ظهيرة يوم جميل. جلست عند أحد المقاعد تحت الظل أمام فندق فخم في الساحة أراقب المارة. لا خطة في هذه الظهيرة. أفكر في الأيام التي مضت منذ أن تركت مدينتي. تذكرت أصدقاء المدرسة الأرمن سركيس ونوفاك. أعلم أن سركيس في كندا لكن لا علم لي أين هو نوفاك. إذ كان والده شماساً في كنيسة الأرمن بالبصرة.

 وكان نوفاك محافظاً وحذراً، ربما بسبب وظيفة والده. قال لي مرة وفي صوته شيء من خيبة الأمل، بعد أن سألته إن كان يرغب بالعودة إلى موطن الأجداد: "لقد تغير الناس في أرمينيا. من بقى من الأرمن في بلادنا يختلف عمن رحل عنها. هم يحبون المال أكثر. إنها بقايا الحياة في زمن السوفييت. الاشتراكية غيرتهم".

قطعت علي قيلولة الظهيرة فتاة جلست بجانبي، تحدثت إلي وعلمت أنها من عاصمة جمهورية التشيك براغ، ميشائيلا كانت في دورة تدريبية على حساب الاتحاد الأوروبي لشباب من دول أوروبية مختلفة. دورة في يريفان على حدود الشرق الأوسط. أين هي حدود أوروبا من آسيا؟ ربما حيث أجلس، في هذه الجادة حيث الطراز الأوروبي والوجوه الشرق أوسطية وقربي فتاة من وسط أوروبا. علمت أنها سترحل غدا مثلي إلى تبليسي في جورجيا. اتفقنا على اللقاء صباحاً والرحيل معا نحو عاصمة جمهورية جورجيا. جسر آخر بين الشرق والغرب.

 

 

عباس الخشالي

حقوق النشر: موقع قنطرة  ar.Qantara.de 2016 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : يريفان عاصمة أرمينيا...غافية منسية تحت ظل جبل أرارات

موضوع مسلي ومفيد

فاطمة غزاوي15.06.2016 | 17:20 Uhr

طرح شيق وجميل

حسان الخطاط16.12.2016 | 08:45 Uhr

من الجيد ان ترتحل وتتعرف على باقي الشعوب والثقافات ولكن تزييف التاريخ هو ما يفسدها , مجازر الارمن و الهولوكست هي من اكبر الاكذوبات على مر التاريخ فلا تساعدهم فيها فالعثمانيين لم يرتكبوا المجازر في حق الارمن بل كان العكس هو ماحدث , الارمن هم من تحرشوا بالعثمانيين في تركيا وفي اذربيجان ايضا فقد ارتكبوا الفضائع هناك خاصة في باكو

هواري بومدين 14.05.2018 | 22:34 Uhr