"افتراس لغوي وانتصار للوبي الفرنكفوني في حرب ثقافية"

إن ما جرى أقرب ما يكون إلى "حرب لغوية" وضعت أوزارها، بعد طول شد وجذب، بانتصار كبير للوبي الفرنسي، بعد نجاحه في تمرير قانون الإطار في البرلمان، بالرغم من التمثيلية المهمة فيه لأحزاب (العدالة التنمية 125 والاستقلال 46) ترى الفرنكوفونية استعمارا ثقافيا، وانسلاخا عن الهوية الوطنية. وذلك بقصد منح الشرعية للمد الفرنكفوني، وإضفاء المشروعية القانونية على سياسة "الافتراس اللغوي" التي انطلقت عمليا قبل سنوات.

 

برلمان المغرب.
برلمان المغرب يعتمد اللغة الفرنسية في تدريس العلوم والرياضيات والمواد التقنية بالمدارس المغربية: أقر النواب المغاربة مشروع قانون مساء يوم الإثنين 22 / 07 / 2019 من شأنه أن يمهد الطريق لزيادة مكانة اللغة الفرنسية بالمدارس المغربية، في تحول عن التعريب الذي استمر لعشرات السنين. وأقر مجلس النواب مشروع القانون بموافقة 241 نائبا ومعارضة أربعة نواب وامتناع 21 نائبا عن التصويت. وامتنع معظم أعضاء حزب العدالة والتنمية الشريك في الائتلاف الحاكم والذي يغلب عليه الإسلاميون ونواب حزب الاستقلال المحافظ عن التصويت على المواد التي تنص على استخدام اللغة الفرنسية في التدريس. واللغتان الرسميتان في المغرب هما العربية والأمازيغية. وللحد من عدم إتمام كثير من الطلاب دراستهم الجامعية وتزويد الأشخاص بالمتطلبات اللغوية اللازمة للوظائف، اقترحت الحكومة معاودة اعتماد الفرنسية لغة لتدريس العلوم والرياضيات والمواد التقنية. ويتم تدريس هذه المواد باللغة العربية حتى المدرسة الثانوية في انفصال عن التعليم العالي الذي تهيمن عليه اللغة الفرنسية.

 

تعود فرنسة التعليم إلى سنة 2015 مع حكومة بنكيران، حين عمم وزير التربية الوطنية حينها مذكرة يطلب بموجبها من مسؤولي الوزارة على الصعيد الجهوي (مديري الأكاديميات) تدريس المواد العلمية والتقنية في المرحلة الثانوية باللغة الفرنسية. تلى ذلك خلق ما سمي بـ "مسالك الباكالوريا الدولية"، بدءاً من سنة 2017، والتي ليست في الحقيقة سوى "باكالوريا مغربية مفرنسة" بأقسام خاصة، تقوم على معيار الانتقاء اللغوي.

"تمييز لغوي" 

يعدم هذا التمييز اللغوي مبدأ تكافؤ الفرص، ويكرس تمييزا طبقيا وثقافيا وإقصاء اجتماعيا داخل المدرسة العمومية، فاللغة الفرنسية كانت على الدوام لغة النخبة وذوي الحظوة. يعزز هذا استحداث الوزارة لمسالك "الباكالوريا المهنية"، وبذلك يتوجه أبناء الفقراء والفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة متوجهين إليها، مقابل توجيه أبناء الفئة العليا من الطبقة المتوسطة إلى المسالك الدولية المفرنسة، بينما يتكفل التعليم الخصوصي  بتقديم خدماته لأبناء المحظوظين فقط.

في غمرة السجال بشأن الحرب اللغوية التي فرضها حماة مصالح الاستعمار الفرنسي على المغاربة، ضاعت الأسئلة الكبرى حول المناهج والبرامج والمعارف والكفايات والأهداف... وما إلى ذلك، مما يفترض أن يشكل مادة دسمة تطرح للنقاش والتداول العمومي، عند الحديث عن أي رؤية أو مشروع للإصلاح التعليم بالمغرب.

 

 

مهما حاول المرء البحث عن تفسير مقنع لتبرير قرار فرنسة التعليم  -الذي قاومه المغرب طيلة عقود من الزمن، حين كانت فرنسا قوة دولية كبرى ذات شأن وصوت مسموع بين الكبار في العالم، وليس مجرد دولة تتخبط على أكثر من صعيد، ولنا في مظاهرات أصحاب "السترات الصفراء" وهجومات المتطرفين المتكررة أمثلة على ذلك- فإنه حتما سيعجز.

لكنه قد يجد في مقولة المفكر المغربي محمد عابد الجابري تفسيرا لما يجري مؤخرا في المغرب، حين قال: بأن ثمة "اتجاه في المغرب لتغليب الفرنسية على العربية حتى تسهل الحداثة عندنا. هل الحداثة يجب أن تكون لـ 10 في المئة من المغاربة أم للجميع؟ إذا كنا نريد الحداثة للشعب كله فعلينا فرنسته جميعا، وهذا أمر غير واقعي. يجب أن نبني الحداثة من داخل واقعنا ومن اللغة التي يتقنها كل المواطنين".

 

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

ar.Qantara.de

 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.