أطلق النظام السابق "الوكالة التونسيّة للاتّصال الخارجي" بمقتضى قانون فضفاض عام 1990، عرّفها كمؤسسة عموميّة وتخضع لإشراف وزارة الثّقافة والإعلام حينئذ. أمّا مهمّتها فقد أوجزها القانون في "تعزيز الحضور الإعلامي لتونس بالخارج والتعريف بالسياسة الوطنيّة في جميع المجالات".

 

تضخّم نفوذ هذه المؤسسة ليشمل التحكّم في توزيع الإشهار العمومي على وسائل الإعلام الذي صار يسلَّم فقط إلى الموالين، وأحكمت قبضتها على الإعلام الأجنبي في تونس إضافة إلى استغلال موارد ماليّة هامة لتأجير مساحات إعلانيّة كبيرة للترويج لصورة النظام التونسي في الخارج واستمالة مؤسّسات وكتّاب وإعلاميين أجانب عن طريق العطايا والهبات السّخيّة في مقابل ممارسة شتّى أنواع التضييقات على المراسلين من أجل تطويع مضامين مراسلاتهم بما ينسجم ووجهة النظر الرسمية، كما تورط هذا الجهاز الدعائي في تأجير أقلام لهتك أعراض معارضين بارزين.

حرية التعبير في تونس تترنح تحت ضربات موجعة

قصارى القول، تترنح حرية التعبير في تونس تحت ضربات موجعة وقاسية تتلقاها من أكثر من جهة، خاصة مع توزع قوى النفوذ والهيمنة في تونس ما بعد بن علي، فالقضاء والأمن ورأس المال والإدارة، صارت جميعها لا تخفي كراهيتها لجرأة الصحافة وكشفها لملفات فساد وتقدمها في إنجاز دورها الرقابي.

لكن يظلّ الخطر الأبرز في تقديرنا، التساهل وعدم الحسم مع العناصر التي تعشش في الإعلام التونسي وتستغل السياق "التوافقي" للأكل على كل الموائد، ما جعل الأجواء تتعفّن خاصة مع ضعف مهنية الصحافيين وعدم فصلهم بين الرأي والخبر، وهو ما سهّل الطريق أمام اعتماد بارونات الفساد على تلك العناصر من أجل ضرب بيت الصحافيين الداخلي وإثارة البلبلة في صفوفهم.

 

 

إسماعيل دبارة

حقوق النشر: إسماعيل دبارة / موقع قنطرة 2018

 

ar.Qantara.de

 

إسماعيل دبارة صحافي تونسي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.