صحفيون تونسيون يتظاهرون للمطالبة بحرية الصحافة في العاصمة تونس.

حرية الصحافة في تونس
حرية الإعلام مكسب أساسي للثورة التونسية في خطر

حرية التعبير من أبرز مكاسب ثورة الياسمين في تونس لكن هذا المكسب بات على شفا الانهيار بسبب اعتقالات ومضايقات وانتهاكات تعرض لها الصحافيون. تقرير طارق القيزاني.

في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز الماضي 2021 اجتمع الرئيس التونسي قيس سعيد بأعضاء مجلس الأمن القومي وقرر إعلان التدابير الاستثنائية في البلاد معللا قراره بوجود "خطر داهم" يهدد كيان الدولة مستندا في ذلك إلى الفصل 80 من الدستور.

ومع أن الرئيس تعهد بالمحافظة على بابي الحقوق والحريات في الدستور الذي علق لاحقا العمل به، إلا أن نقابة الصحافيين التونسيين استعادت التبرير ذاته الذي استخدمه الرئيس قبل عشرة أشهر عند إعلانه التدابير الاستثنائية، لتصف به واقع الصحافة اليوم وتشير في أعلى صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) عشية الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، بأن "حرية الصحافة في تونس تواجه الخطر الداهم".

وترى نقابة الصحافيين أن هناك ما يبرر إطلاقها لذلك الشعار على واقع الإعلام في تونس، فعلى امتداد الفترة الاستثنائية أصدرت النقابة بيانات متكررة محذرة من انتكاسة لحرية الصحافة، المكسب الأبرز بعد ثورة 2011، ردا على تعرض صحافيين ومدونين لتحقيقات أمنية وملاحقات قضائية على خلفية آرائهم أو أعمالهم الصحفية.

تحقيقات أمنية وملاحقات قضائية

كان الصحافي خليفة القاسمي من بين ضحايا تلك الملاحقات، إذ خضع لمدة خمسة أيام للتحقيق من قبل وحدة مكافحة الإرهاب في مدينة القيروان بعد أن نشر خبرا على موقع إذاعة "موزاييك" الخاصة يتعلق بتفكيك خلية إرهابية. أُرغمت المؤسسة على سحب الخبر من موقعها، فيما ضغطت السلطات الأمنية على خليفة أثناء التحقيق معه لكشف مصادر خبره لكنه امتنع عن ذلك.

يعلق عبد الرؤوف بالي عضو نقابة الصحافيين المكلف بالشؤون القانونية والمهنية، على ذلك في حديثه لِـ دويتشه فيله عربية بأن "هناك تلفيقاً للتهم كما حدث مع إيقاف خليفة القاسمي ومطالبته بكشف مصادره، وقد أخلت الداخلية بعد ذلك سبيله لتأكدها من أن هذه الممارسة غير قانونية".

 

الصحافية التونسية شهرزاد عكاشة رئيسة تحرير موقع "سكوب إنفو".  Die tunesische Journalistin Shahrazad Okacha befürchtet die Rückkehr in die Zeit vor 2011; Foto: Videostill; Quelle: DW
" واقع الإعلام يشهد تدهورا مستمرا يدفع بنا للعودة إلى فترة ما قبل 2011 ": قبل نحو أسبوع من الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة أُوقفت الصحافية شهرزاد عكاشة رئيسة تحرير موقع "سكوب إنفو" في الشارع من قبل قوات الأمن التي قامت بتفتيش هاتفها الخلوي ومن ثم إحالتها إلى التحقيق بسبب انتقادات لاذعة كانت وجهتها لوزير الداخلية، لكن أُفرج عنها بعد يوم. وتقول عكاشة لـِ دي دبليو عربية "واقع الإعلام يشهد تدهورا مستمرا يدفع بنا للعودة إلى فترة ما قبل 2011 باستعادة نفس أساليب التضييق".

 

وقبل خليفة القاسمي اعتُقلت الصحافية شذى مبارك في سبتمبر/ أيلول الماضي 2021 ضمن تحقيقات شملت عمل مؤسسة  "انستالينغو" الأجنبية والمنتجة لمضامين إعلامية على شبكة الإنترنت، بتهمة التآمر على أمن الدولة والتحريض ضد الرئيس سعيد وتلقي أموال مشبوهة من الخارج. وفي حين شكى محامو المؤسسة من إجراءات غير "نزيهة" ومفتعلة وراء توجيه التهم لموظفيها وتصنيفهم كإرهابيين، أُودعت الصحافية شذى السجن لبضعة أشهر قبل إخلاء سبيلها دون إثبات أي تهمة ضدها.

وقبل نحو أسبوع من الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة أُوقفت الصحافية شهرزاد عكاشة رئيسة تحرير موقع "سكوب إنفو" في الشارع من قبل قوات الأمن التي قامت بتفتيش هاتفها الخلوي ومن ثم إحالتها إلى التحقيق بسبب انتقادات لاذعة كانت وجهتها لوزير الداخلية، لكن أُفرج عنها بعد يوم. وتقول عكاشة لـِ دي دبليو عربية "واقع الإعلام يشهد تدهورا مستمرا يدفع بنا للعودة إلى فترة ما قبل 2011 باستعادة نفس أساليب التضييق".

تعتبر النقابة أن الأمر الأكثر خطورة أمام الصحافيين في تونس هو تواتر مثولهم أمام القضاء العسكري في قضايا كان يفترض أن تحال إلى القضاء المدني بحسب المرسوم 115 و116 المنظم للقطاع منذ عام 2011 لا القوانين العسكرية.

وينتظر الصحافي عامر عياد ما ستؤول إليه محاكمته أمام القضاء العسكري بعد أن أُوقف بسبب تهمة الحط من معنويات الجيش وثلب الرئيس وإهانة رئيسة الحكومة في برنامج تلفزيوني مباشر ردد أثناءه قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر تضمنت انتقادات مبطنة للرئيس.

أودع عياد السجن في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي 2021 وأخلي سبيله في آذار/ مارس 2022 ثم صدر في الشهر التالي حكم بسجنه لمدة أربعة أشهر قبل أن يتقدم بطعن لدى محكمة الاستئناف لتنظر في مراجعته، وهي الخطوة ذاتها التي اتخذتها النيابة العامة العسكرية أيضا.

وفي خطوة سابقة قام القضاء العسكري قبل عام بإيداع المدون سليم الجبالي السجن على خلفية نشره لعدة تدوينات ناقدة وساخرة لأداء رئاسة الجمهورية وكبار المسؤولين في الدولة. وقد وُجهت للجبالي تهمة الإساءة إلى رئيس الجمهورية المضمنة بمجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.

مخاوف من انتكاسة

وترى نقابة الصحافيين أن هناك بالفعل ما يدعو إلى الخشية من حدوث انتكاسة لحرية الصحافة على الرغم من مناخ الحرية الذي ساد بعد ثورة 2011.

ولا ينفي عبد الرؤوف بالي تلك المخاوف، ويشير في حديثه مع دي دبليو عربية إلى أن "هناك عدة مؤشرات منها محاكمات وعرقلة عمل الصحافيين أثناء أدائهم لعملهم والعودة إلى المطالبة بالتراخيص للعمل وهي غير موجودة في القانون ولكن تعتمدها الأجهزة الأمنية للتضييق".

 

مسيرة احتجاجية ضد سياسات الرئيس سعيد. هنا مسيرة لموظفي القضاء - أبريل 2022. Protestkundgebung gegen die Politik von Präsident Saied. Hier eine Kundgebung von Justizangestellten, April 2022; Foto: Yassina Gaidi/AA/picture-alliance
مسيرة احتجاجية ضد سياسات الرئيس قيس سعيد - هنا مسيرة لموظفي القضاء في أبريل / نيسان 2022: تعتبر نقابة الصحافيين في تونس أن الأمر الأكثر خطورة أمام الصحافيين في تونس هو تواتر مثولهم أمام القضاء العسكري في قضايا كان يفترض أن تحال إلى القضاء المدني بحسب المرسوم 115 و116 المنظم للقطاع منذ عام 2011 لا القوانين العسكرية.

 

ويشير بالي بشكل أوضح إلى واقع الإعلام العمومي كأحد أوجه التقصير الممنهج تجاه المؤسسات الإعلامية، مثل الافتقاد إلى التعددية في البرامج الحوارية، لا سيما في التلفزيون الرسمي وحق الصحافيين في العمل بحرية، ويعلق بالي على ذلك قائلا "التلفزة تحولت إلى بوق دعاية للسلطة الحاكمة وهذا ضرب للمهمة الأساسية للإعلام".

وتقول الصحافية بقسم الأخبار وعضو مكتب النقابة بمؤسسة التلفزة، حبيبة العبيدي، أثناء وقفة احتجاجية للصحافيين "نشعر أن هناك اجتهادات من المكلفة بالتسيير لوضع التلفزة على خط واحد، وهناك نية لتكون التلفزة بوق دعاية للسلطة" مضيفة أن العديد من الراغبين في العمل والإنتاج "يُجبَرون على البقاء في بيوتهم وتغلق الإستوديوهات بحجة عدم وجود الإمكانيات".

ومع أن مديرة التلفزيون عواطف الصغروني نفت وجود تعليمات أو تضييق على التعددية، إلا أن الأحزاب المعارضة لا تظهر في المنابر الحوارية.

وتتردد شكاوي من صحافيي تونس عموما بأن الرئيس قيس سعيد لا يدلي بحوارات لوسائل الإعلام المحلية ونادرا ما أدلى وزراء حكومة نجلاء بودن التي عينها الرئيس لإدارة المرحلة الاستثنائية، بتصريحات للصحافة مع ما يرافق ذلك من اتهامات بالتعتيم وضرب حق النفاذ إلى المعلومة. وتبرر الدوائر المؤيدة للرئاسة -من بينها عدة صفحات مؤيدة لها على مواقع التواصل الاجتماعي- بافتقاد الإعلام للموضوعية وانحيازه إلى تغطية أنشطة المعارضة وخصوم الرئيس. وقد تضمنت البيانات التي تصدرها مؤسسة الرئاسة في كثير من الأحيان تلميحات إلى ذلك كاتهام الإعلام بالتغاضى عن إنجازات الحكومة عمدا وإتاحة مساحات أوسع للمعارضة.

ويسلط الخبير المتخصص في الاتصال والإعلام، صلاح الدريدي، الضوء على أداء قطاع الإعلام في تونس؛ وفي تحليله لِـ دويتشه فيله  عربية يلقي الدريدي باللائمة على برامج التدريب والتكوين الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي بعد ثورة 2011 بدعوى إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير، حيث أنها وبحسب رأيه أتت بنتائج "عكسية وهزيلة على مستوى الأداء"، لأنها لم تكن خاضعة للحوكمة.

ويشدد الدريدي على أن هذه الحوكمة في نهاية المطاف لا يمكن أن تنجح، إلا إذا كان العاملون في القطاع يتمتعون بدرجة "عالية من الحرفية والأداء المهني".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة