لكن المعضلة هي أن المخاوف والضغوط لا تتأتى فقط من مؤسسات الدولة، فهناك قلق بسبب تكرار الاعتداءات في الشارع من قبل جماعات مسيسة وأنصار أحزاب غير منضبطين، حيث تؤكد صحفيات تعرضهن للتحرش علانية في احتجاجات ضخمة نظمتها حركة النهضة الإسلامية في فبراير/ شباط 2021، كما تعرض صحافيون من التلفزيون العمومي للضرب في احتجاجات للمعارضة في أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام.

وعلى سبيل المثال وثقت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية في نقابة الصحافيين في آخر تقرير لها، ارتفاعا في نسبة الاعتداءات على الصحافيين خلال شهر مارس/ آذار 2022 مقارنة بالشهر السابق له، حيث سجلت 17 اعتداء من أصل 23 إشعارا، نصفها بدرت من الأجهزة القضائية.

 

عبد الرؤوف بالي من نقابة الصحافيين في تونس. Abderaouf Bali vom tunesischen Journalistenverband; Foto: Riad Sahli
عبد الرؤوف بالي من نقابة الصحافيين في تونس يطالب الدولة بأن تتبع مسار إصلاح حقيقي يعيد للإعلام دوره الحقيقي: يعلق عبد الرؤوف بالي المكلف بالشؤون القانونية والمهنية بأن "هناك تلفيقاً للتهم كما حدث مع إيقاف خليفة القاسمي ومطالبته بكشف مصادره، وقد أخلت الداخلية بعد ذلك سبيله لتأكدها من أن هذه الممارسة غير قانونية".

 

وبالإضافة إلى ذلك يشكو الصحافيون في تونس من أوضاع تشغيل هشة وأجور زهيدة تصل أدناها إلى نحو 150 دولارا شهريا في ظل الافتقاد إلى قانون منظم للمهنة وملزم للمؤسسات الإعلامية. وتوصلت النقابة إلى التوقيع على اتفاقية مع الحكومة تضبط سلم الأجور وحقوق الصحافيين، إلا أنها لم تنشر بالجريدة الرسمية رغم صدور قرار من المحكمة الإدارية يدفع بنشرها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفع تلك الإحصائية إلى التساؤل عن الأطراف المسؤولة فعلياً عن الأضرار اللاحقة بقطاع الصحافة في تونس. الصحافي والنقابي عبد الرؤوف بالي، لا يتردد في توجيه الاتهام إلى الدولة. ويرجع ذلك في تقديره إلى المضايقات الصادرة عن مؤسساتها والتغاضي عن إصلاح مؤسسات الإعلام العمومي التي تشهد انهيارا مثل "وكالة تونس أفريقيا للأنباء" والتلفزيون الرسمي ومؤسسة الإذاعة وصحيفة "لابراس"، بدليل التأخر في وضع خطط لإصلاحها وإنقاذها وتعيين مدراء لها.

وتؤكد شهرزاد عكاشة أيضا الحاجة للإصلاح، لكن هناك ما يعرقله وتقول إن "واقع الصحافة اليوم في حاجة إلى تعديلات وتعديل ذاتي. بدأنا بمجلس الصحافة ولجنة أخلاقيات المهنة، لكن عندما تتعرض إلى مضايقات وتتراجع مكاسبك شيئا فشيئا؛ ستترك مجهودك في الإصلاح وتتجه للدفاع عن نفسك كقطاع".

كما يرافق ذلك تدهور في أوضاع عدد من المؤسسات الإعلامية الخاصة والمصادرة بعد ثورة 2011 حيث تماطل الحكومات المتعاقبة في فض مشاكلها الإدارية. ويقول بالي لـِ دويتشه فيله عربية "الدولة تؤكد أن مسار الانهيار لوسائل الإعلام يدخل في استراتيجية السلطة الحاكمة".

ويطالب بالي في دعوته الدولة بأن تتبع مسار إصلاح حقيقي يعيد للإعلام دوره الحقيقي، وهو خدمة المواطن وليس السلطة الحاكمة. كما يؤكد الدريدي على الحاجة إلى حوكمة جديدة وفعالة بشقيها الإعلامي والاتصالي، تضم إعلاما عموميا قويا، وإعلاما خاصا واعيا لدوره السياسي والمجتمعي، بجانب نظام اتصالي يقوم على اتصال مهني من قبل مؤسسات الدولة وكافة تشكيلات المجتمع السياسي والهيئات السياسية. ويضيف الدريدي بأنه يجب "ألا ننسى أن الحوكمة لا تنجح إلا إذا كانت الدولة حاضرة بقوة بمدونتها التشريعية ومبادراتها لتعزيز حرية الإعلام والاتصال. ويتم تعزيزها من خلال بعث صناديق للتنمية الإعلامية والاتصالية بحسب حاجياتها، إلى جانب مشاركة تنظيمات المجتمع المدني والأحزاب والهيئات التعديلية في صنع الحوكمة الجديدة".

 

 

طارق القيزاني - تونس

حقوق النشر: دويتشه فيله 2022

 

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة