الناشطة الفيسبوكية السورية جود عقاد

يجب القول ورغم حجم الكلام السلبي والمعيب الذي صدر من سوريين وغيرهم  بحق الناشطة الفيسبوكية السورية جود عقاد وسواء أختلفنا أم اتفقنا مع ما تطرحه على فيسبوك أو اليوتيوب فهي ليست أكاديمية ولا نخبوية وغير مختصة بقضايا التنوير والتحرير، ولكن يبقى تصرفها شجاعاً، إذ خلعت حجابها على الهواء مباشرة أمام جمهورها، بينما حاولنا التواصل مع نساء خلعن حجابهن في الغرب ولكن بدى أنهنّ مازلن يشعرن وكأنهنّ ارتكبن فعلاً مشينا وامتنعن عن نشر صورهنّ بعد نزع الحجاب.

الحجاب...قناعة دينية فقهية راسخة

المفكر السوري محمد شحرور حاول مراراً تقديم رؤية دينية عصرية عن الحجاب ولكن بقيت القناعة الدينية الفقهية هي الراسخة وماتزال هناك حملات ممنهجة في أوساط اللاجئات وعائلاتهم عن ضرورة التمسك باللباس الشرعي وهذا يعني أحد صور الإكراه التي تمارس على الناس وتحد من حريتهم وتؤثر على قراراتهم، فقد انتشرت ظاهرة حجاب القاصرات ممن لم يتجاوزن حتى العاشرة من العمر وما زلن أطفالاً في الصف الأول والثاني والثالث الابتدائي (Grundschule ) وهذه أخطر وأبشع الظواهر الاجتماعية الدينية في أوساط اللاجئين عموماً والطالبات الصغيرات خصوصاً، فكيف ترتدي طفلة حجاباً!

وعندما حاولنا الاستفهام من بعض الأهالي عن هذه الظاهرة كانت الإجابات أو المبررات: هنا في ألمانيا بلاد مفتوحة ومجتمعات لها قيم غير قيمنا فيجب على أطفالنا  أن يعتادوا على الأمر وأن يتربوا على قيمنا وعاداتنا قبل أن يكبروا، فعندها لن نستطيع أن نملي عليهنّ ما نريد وهنّ كبيرات!

يجب علينا الاعتراف، أنّ التطرف يغذي التطرف والتعصب يقابل بالتعصب والكراهية تُولِّد الكراهية وأنّ اليمين الشعبوي في الغرب يتغذى ويستغل الأفكار الشعبوية عند القادمين الجدد وأنّ فلسفة الاندماج تتطلب العمل على تكبير المساحة المشتركة بين قيم الأوربيين وقيم الوافدين الجدد، والإسلام فيه من القيم التي لا تتعارض مع قيم الغرب فهناك جاليات مسلمة كثيرة في الغرب نسيت لغتها الأم وبقيت متمسكة بالزي الإسلامي: أليست اللغة هي هوية الهويات ومن أضاع لغته الأم فقد أضاع هويته بينما يظن الكثيرون من المسلمين  أن الحجاب هو أكثر هوية من لغته الأم!

يجب احترام من تختار ارتداء أو نزع الحجاب بحريتها

لا شك أنّ الحرية هي قيمة القيم ويجب احترام خيارات الناس والأنثى دون إكراه ولكن يجب بالمقابل احترام ثقافات الآخرين، يجب احترام من تختار ارتداء الحجاب بمحض حريتها بعد بلوغها عهد الرشاد الفكري والوعي الأنثوي بنفس القدر الذي يجب فيه احترام من تخلع حجابها بمحض حريتها وقرارها، ولذلك يبدو لي أنّ الحجاب تحت سن الرشد أو قبل المرحلة الجامعية فيه شبهة اتخاذ القرار بمحض حرية الفتاة ولذلك لا يمنع من سن قانون سواء في الشرق أو الغرب يحظر الحجاب تحت سن معين بحسب الأعراف وطبائع الأنثى والمجتمع.

فرصة اللاجئين وهم الذين يزعمون أنّهم فارون من الموت والقتل والأنظمة القسرية الديكتاتورية أو الأنظمة الرجعية الداعشية أن يختاروا فلسفة جديدة لفهم الحياة والحرية  للعيش بسلام مع النفس أولاً ومع  المحيط الذي هم فيه ولصناعة جيل يكون جسراً لإصلاح الشرق المستبد الذي جاءوا منه.

زبدة الختام وملخص مقابلاتي ومشاهداتي ورؤيتي أنّ تمكين المرأة وتملّكها شعور الوعي بحريتها وبنفسها هو الرهان في خلق مجتمع مفتوح بعيد عن التعصب مهما كانت الخيارات التي يختارها الإنسان، فالمرأة عندما تتحجب بمحض حريتها وإرادتها وملكت زمام القيادة لنفسها وعقلها يجب أن تُحترم خياراتها وكذلك المرأة التي مارست حريتها في نزع حجابها بقناعة حرة من داخلها يجب كذلك أن يُحترم قرارها.

ولكنّ الأهم قبل وضع الحجاب في سن الرشد أو نزعه هو أن نرى نسوة شجاعات متحررات يخترن الطريق الصحيح المتناغم مع الحياة العصرية بعيداً عن كل أشكال التلقين والإكراه المشيخي أو الضغط الاجتماعي، فالحرية قبل كلّ شيء هي الجوهر الذي يجب على الأنثى اكتشافه وكشفه قبل أن تقف عند صور التحرر دون تحقق هذا الجوهر.

 

 

منصور حسنو

حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.