حزب النهضة على محك انتخابات تونس البرلمانية - العالم العربي يترقب تجربة "المسلمين الديمقراطيين"

04.10.2019

يبرز الانزعاج الذي يشعر به ناخبون في مدينة العالية الرابضة على تل المأزق الذي يواجهه حزب النهضة الإسلامي المعتدل في تونس وهو يسعى للفوز في انتخابات يوم الأحد 06 / 10 / 2019 البرلمانية بعد أن ظل سنوات يقتسم السلطة مع النخبة السياسية العلمانية.

ولن يكون لمصير حزب النهضة صدى في تونس وحدها. إذ أن سعيه لرسم مسار معتدل يحظى بالمتابعة في مختلف أنحاء العالم العربي الذي أخفق على مدار عقود في التوفيق سلميا بين الحركات الإسلامية والوطنية.

وقال محمد أمين (35 عاما) الذي يعمل سائق شاحنة وهو يجلس تحت شجرة قرب طاولة للدعاية الانتخابية تابعة لحزب النهضة في مواجهة مبنى البلدية: "المتعاطفون مع النهضة تخلوا عنه بسبب تنازلاته ولم يتبقَّ سوى أعضائه".

وتراجع نصيب حزب النهضة من الأصوات على مستوى البلاد باطراد منذ إجراء أول انتخابات حرة في تونس عام 2011 الأمر الذي أثار تساؤلات عن استراتيجيته وهو يسعى للتعافي بعد انتخابات الرئاسة التي احتل فيها المركز الثالث الشهر الماضي 15 / 09 / 2019.

في السابق كان بإمكان الحزب أن يعول على تأييد المناطق المحافظة اجتماعيا الأقل استفادة من التنمية في داخل البلاد أما الآن فإنه يواجه تحديا من دخلاء شعبويين يتحدون الأحزاب الرئيسية بسبب الفقر.

وعاد الحزب يسعى لاستمالة قاعدة مؤيديه بعد أن خيب آمال الإسلاميين بإطلاق وصف حزب "المسلمين الديمقراطيين" على نفسه وآمال الفقراء في تونس بالانضمام لحكومات فشلت في تحسين معيشتهم.

غير أنه بعد قضاء سنوات في الحكم قدم خلالها تنازلات رأى الحزب أنها ضرورية للحفاظ على النظام الاجتماعي ومعالجة الأزمات فليس من السهل استعادة صورته القديمة ذات الشعبية كحزب ثورة دون أن يرفض ما صدر عنه من أفعال في الآونة الأخيرة.

وكان الحزب احتضن قيس سعيد أستاذ القانون المنتمي للتيار المحافظ الذي حصل وهو مرشح مستقل على أعلى الأصوات في انتخابات الرئاسة وأعلن تأييده له رسميا في جولة الانتخابات الثانية التي تُجرى في 13 أكتوبر / تشرين الأول 2019.

وبهذا اختار الحزب أن يقف ضد خصم سعيد في الانتخابات قطب صناعة الإعلام نبيل القروي الذي يواجه محاكمة لاتهامه بالتهرب الضريبي وغسل أموال. وينفي القروي تلك الاتهامات.

ومنذ سنوات يستخدم القروي محطته التلفزيونية وجمعية خيرية لمساعدة الفقراء في رسم صورة لنفسه باعتباره نصير الفقراء رغم أن خصومه يصفونه بالفساد بسبب ثروته الشخصية وعلاقاته بالنخبة القديمة الحاكمة.

تنازلات: في العالية أحد معاقل حزب النهضة في واحدة من المناطق التي شهدت تراجع شعبيته بشدة حَمَّل نشطاء الحزب القروي المسؤولية عن مشاكلهم.

وقال مهدي الحبيب عضو الحزب: "عمل ثلاث سنوات مستهدفا الفقر وهو ما أدى إلى التراجعات لكل الأحزاب وليس النهضة فقط". وفي الأسبوع الماضي هاجم راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة القروي في مؤتمر صحفي في معرض إبراز مزايا أي تحالف مستقبلي بين سعيد ونواب حزب النهضة.

ولفترة طويلة ظلت الانتخابات البرلمانية محور اهتمام حزب النهضة لأن الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد يملك أفضل فرصة لاختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة في حين أن صلاحيات الرئيس محدودة نسبيا.

 

 

كان حزب النهضة محظورا قبل انتفاضة 2011 وبرز بعدها كأقوى الأحزاب وكان خصومه يعتبرونه حزبا رجعيا وخطيرا وأنصاره يرون فيه صوت الثورة.

غير أن نصره الانتخابي في ذلك العام بعدد 1.5 مليون صوت تمثل 37 في المئة من مجموع الأصوات دفع العلمانيين في تونس للتصدي له إذ أقلقتهم هجمات متطرفين إسلاميين وما حدث في مصر عندما تولى الإخوان المسلمون الحكم.

ومع استقطاب ينذر بالخطر في البلاد ومواجهة أزمة اقتصادية تبنى حزب النهضة مواقف اجتماعية معتدلة وانضم لأحزاب علمانية في سلسلة من الائتلافات التي حاولت معالجة الدين العام.

وتعتقد قيادات الحزب أن تلك القرارات ساعدت في تحاشي اضطرابات مماثلة لما صاحب صعود نجم الإخوان المسلمين وسقوطهم في مصر وفي تفادي كارثة اقتصادية. غير أنه أضعف هوية الحزب وربطه بسياسات حكومية لا تحظى بالقبول الشعبي.

وبحلول 2014 كان نصيب حزب النهضة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية قد انخفض إلى 28 في المئة بإجمالي 947 ألف صوت. وفي انتخابات الرئاسة الشهر الماضي 15 / 09 / 2019 حصل مرشحه على 12 في المئة فقط بمجموع 434 ألف صوت.

قوى ثورية: في سوق العالية الأسبوعي كان حزب النهضة واحدا من عدة أحزاب نصبت أكشاكا تنطلق منها الموسيقى والشعارات عبر مكبرات الصوت ويتم من خلالها توزيع منشوراته.

ووقفت مجموعة من الشبان كان أفرادها من الناخبين السابقين لحزب النهضة يوزعون منشورات انتخابية لحزب جديد يركز على التنمية الزراعية. والعالية منطقة زراعية تحيط بها الحقول وصفوف منتظمة من أشجار الزيتون ويعتبر سكانها نفسهم محرومين من ثروة العاصمة تونس. 

ولم يعد حسن المجوبي، الذي أعطى صوته لحزب النهضة في 2011، يؤيد الحزب لأسباب اقتصادية. وقال عن الحزب "لم يلتزم بوعوده". وعندما استقال زبير شودي أحد قيادات النهضة الأسبوع الماضي ودعا الغنوشي إلى التنحي أيضا أشار ذلك إلى عمق الانقسامات الداخلية.

ولا يزال النهضة رغم كل متاعبه أفضل الحركات السياسية في تونس تنظيما إذ يقف في مواجهة مجموعة من المنافسين دائمي التحول ولا يمكن الاعتماد عليهم.

وأمام الحزب فرصة طيبة لاحتلال المركز الأول في الانتخابات البرلمانية يوم الأحد  06 / 10 / 2019 إذ تشير الاستطلاعات إلى أنه وحزب قلب تونس الذي يتزعمه القروي يحظيان بأغلب التأييد.

وسعى الغنوشي إلى الاستفادة من الجو الشعبوي الأسبوع الماضي فأقسم ألا يشارك في ائتلاف إلا مع "القوى الثورية" الأخرى بعد الانتخابات.

غير أنه قد لا يملك، بحسب نتيجة الانتخابات، خيارا سوى اقتسام السلطة مع أحزاب علمانية في حكومة ستجد نفسها في مواجهة الخيارات المالية الصعبة التي سادت في السنوات الأخيرة.

وقد تخلى ناخبون من أمثال أمين، الذي يؤمن إيمانا قويا بالسياسات الإسلامية، عن حزب النهضة. وهو يريد "رئيسا إسلاميا يلتزم بمبادئه". رويترز (02 / 10 / 2019) ـ

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.