حصاد الجزائر 2020 - الحياة تدب مجددا في الحراك 2021

نداء حراكي لإرساء ديمقراطية جزائرية حقة

الجزائر لم تهدأ منذ إجبار بوتفليقة على الاستقالة من الرئاسة في 02 / 04 / 2019. أزمة سياسية أرادت الحكومة إنهاءها باستفتاء على الدستور في 01 / 11 / 2020، لكن الشارع لم يهدأ، بل تعمّق الخلاف بين النظام والحراك. وها هي المعارضة تعيد تنظيم صفوفها مستندة إلى زخم احتجاجي جديد. تحليل الصحفي سفيان فيليب نصر.

عبر دعوته لإجراء تعديلات دستورية، أراد النظام الجزائري في الواقع إيقاف الحركة الاحتجاجية -التي يطلَق عليها في الجزائر تسمية "الحراك" غالبًا– بصورة نهائية، وحرفها عن مسارها عن طريق إدخال بعض الإصلاحات التجميلية. وقد رجت قيادة الدولة، التي انتهجت مؤخرًا نهجًا سلطويًا بصورة متزايدة، أن تكتسب شرعية جديدة لها عبر هذه الإجراءات، وأن تحشر الحراك في موقف دفاعي، لكن محاولتها باءت بالفشل.

صحيح أن الدستور الجديد قد اُعتمد بعد استفتاء بنسبة 66,8 في المئة من الأصوات، إلا أن نسبة المشاركين في الاستفتاء نفسه لم تتجاوز 23,7 في المئة، وذلك في أدنى نسبة شهدتها المشاركة على الإطلاق. وكان من الممكن تزيين هذه الأرقام [وجعلها أكثر قابلية للتصديق]، فالتلاعب بنتائج الانتخابات في الجزائر أمر يحدث بشكل ممنهج منذ عقود في نهاية المطاف.

وقد أخفقت الحكومة أيضًا، خلال المرحلة التحضيرية التي سبقت الاستفتاء الذي أجري في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، في اتخاذ تدابير لإصلاح قانون الانتخابات ولضمان شفافية التصويت.

ولذلك، نأى الجزائريون بأنفسهم عن صناديق التصويت في يوم المقرر له؛ وبدلاً من مشاهدة طوابير انتظار أمام مراكز الاقتراع، خرجت احتجاجات مضادة وحدثت اعتداءات على مراكز الاقتراع وقوبل الاستفتاء بسخرية لاذعة.

 

سيدة مسنة ملفوفة بالعلم الجزائري تدلي بصوتها في الاستفتاء على الدستور الجزائري في 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2020.  (photo: Mousaab Rouibi/AA/picture-alliance)
أدنى نسبة مشاركة شعبية في التصويت: صحيح أن الدستور الجديد قد اُعتمد بعد استفتاء بنسبة 66,8 في المئة من الأصوات، إلا أن نسبة المشاركين في الاستفتاء نفسه لم تتجاوز 23,7 في المئة، وذلك في أدنى نسبة شهدتها المشاركة على الإطلاق. وكان من الممكن تزيين هذه الأرقام [وجعلها أكثر قابلية للتصديق]، فالتلاعب بنتائج الانتخابات في الجزائر أمر يحدث بشكل ممنهج منذ عقود في نهاية المطاف، كما يكتب الصحفي سفيان فيليب نصر.

 

ففي العديد من المدن الجزائر الشرقية وفي منطقة القبائل الواقعة شرق الجزائر العاصمة -التي تحتوي أغلبية سكانية أمازيغية معروفة بكونها معقل المعارضة في الجزائر- قام المتظاهرون، في محاكاة رمزية [ساخرة من عملية التصويت]، بوضع صناديق قمامة تحتوي فتحات من الأعلى، وألقوا فيها أوراق اقتراع قاموا برسمها بأنفسهم.

كما انطلقت احتجاجات سلمية ضد التصويت في العديد من البلدات والقرى في منطقة القبائل وشرق الجزائر. وشهدت بعض البلدات اقتحام مراكز الاقتراع من قبل متظاهرين، حيث قاموا بإفراغ صناديق الاقتراع أو بإحراقها في الشارع. وفي ظل هذه الأوضاع [المضطربة]، تخلّت السلطات عن العملية الانتخابية في عدد لا يحصى من البلديات في شرق الجزائر بصورة تامة.

ازدهار الحراك وانتعاشه - انقلاب السحر على الساحر

لم تكن مثل هذه الانتخابات المضطربة حدثًا مفاجئًا بأي حال من الأحوال، إذ سبق للعديد من القوى المقربة من الحراك أن دعت إلى مقاطعة التصويت. أما بالنسبة للحراك نفسه، فقد رأى في حملة المقاطعة الناجحة بارقة أمل، إذ تنامت شعبية هذه الحركة الاحتجاجية بشكل ملحوظ لأول مرة منذ آذار/ مارس 2020.

وكانت شعبية الحركة قد بلغت أوجها في ربيع العام 2019، عندما خرج مئات الآلاف من المتظاهرين في طول البلاد وعرضها بصورة شبه يومية مطالبين باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يتولى منصبه منذ العام 1999، وقد استقال الأخير بالفعل في نيسان / أبريل 2019، ولكن نظامه استمر بالبقاء.

 

 
 

وتولى الجيش بعد ذلك زمام الأمور، وجرى اعتقال العشرات من المقربين من بوتفليقة وتقديمهم إلى العدالة تحت ضغط الشارع. وسرعان ما اتضح أن الجيش لن يستجيب لنداء الحراك المطالب بانفتاح سياسي حقيقي. وعوضًا من ذلك، استغل الجيش الأزمة مرارًا لتنظيف صفوفه وللقضاء على جماعة بوتفليقة في جهاز السلطة. ويحاول الجيش منذ ذلك الحين استرضاء المتظاهرين بدون الحاجة إلى الشروع بعملية دَقْرَطَةٍ [دمقرطة] حقيقية.

ومن جهته، أثبت الحراك أنه على استعداد للمقاومة حتى الرمق الأخير، لاسيما بعد أن تعلم من تجربته الخاصة ومن إخفاق ما سمي بـ "الربيع العربي" في المنطقة في العام 2011، فنبذ باستمرار اللجوء إلى العنف. وبذلك، فقد سلبت سلمية الحراك من النظام مقدرته على التدخل باستخدام القوة المفرطة أو على تشويه سمعة الحركة. ومع تشبث النظام بالسلطة بعناد، سارت البلاد نحو طريق مسدود مع مطلع العام 2020.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة